لبنان يُحدّد كفاءات الذكاء الاصطناعي... كيف نقيسها لدى المعلّمين؟

لبنان 20-08-2026 | 14:13

لبنان يُحدّد كفاءات الذكاء الاصطناعي... كيف نقيسها لدى المعلّمين؟

لبنان يضع إطاراً لكفاءات الذكاء الاصطناعي للمعلمين، وسط دعوات لقياس قدراتهم الفعلية قبل التدريب وبعده داخل الصف.
لبنان يُحدّد كفاءات الذكاء الاصطناعي... كيف نقيسها لدى المعلّمين؟
طلاب في "الليسيه الفرنسية اللبنانية الكبرى" خلال جلسة للذكاء الاصطناعي (الصورة: "لوريان لو جور")
Smaller Bigger

* د.أيمن دايخ


في الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي، تُعدّ الكفاية الرقمية (Digital Competence) إحدى الكفايات المستعرضة المطلوبة من كل تلميذ. ومن بين نواتجها أن يوظّف الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مهام مركّبة، تمتد من التخطيط وإدارة المشاريع إلى إنتاج المحتوى والتعاون والتواصل، مع مراعاة حقوق الملكية الفكرية.

 

بهذا المعنى، لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في لبنان خياراً إضافياً، بل أصبح ناتج تعلّم مطلوباً من التلميذ. وتحقيق هذا الناتج يفترض توافر التجهيزات والاتصال وسياسات الاستخدام، إلا أن العبء التربوي الأساسي يقع على المعلّم. فالمطلوب لا يقتصر على تشغيل أداة، بل يشمل معرفة متى ينبغي استخدامها، وكيفية توظيفها، والتحقق من المخرجات التي تنتجها. وهذه كفاءة ينبغي أن تُدرَّس وتُقوَّم داخل الصف. وهنا يبرز السؤال: ماذا نعرف فعلًا عن كفاءة المعلّم؟

 

ما نعرفه، قاله المعلّمون عن أنفسهم

 في دراسة "جهوزية المدرسة في لبنان وقيادتها الفعالة في ضوء المناهج المطورة"، الصادرة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء. سُئل المعلّمون والنظار عن حاجاتهم التدريبية في مجال التكنولوجيا، فأظهرت الإجابات نقصاً كبيراً لدى معلّمي القطاع الرسمي، وحاجة إلى التدريب على التقنيات الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، مع احتياجات أشد في عكار والشمال وبعلبك الهرمل. وتوصي الدراسة، في هذا السياق، بتوسيع نطاق التدريب الرقمي.

 

لكن تحديد الحاجة إلى التدريب يختلف عن تحديد مستوى الكفاءة الذي ينبغي أن ينطلق منه هذا التدريب. وهنا تبرز مسألة أكثر دقة: هل يتطابق تقدير المعلّم لكفاءته مع قدرته الفعلية؟

 

الفرق بين القول والقدرة قابل للقياس


في نيسان/أبريل 2026، نشر باحثون من جامعتي فلوريدا وكارنيغي ميلون دراسة شملت 288 معلّماً. قدّر المعلّمون كفاءتهم في الذكاء الاصطناعي من خلال التقييم الذاتي (Self-Assessment)، ثم خضعوا لاختبار موضوعي قائم على مواقف صفّية. وتراوحت معاملات الارتباط (Correlation Coefficients) بين التقدير الذاتي والأداء الفعلي بين r = 0.07 وr = 0.24، ما يشير إلى ارتباط محدود جداً بينهما.

وظهر هذا التباين بصورة خاصة لدى من سبق لهم الخضوع للتدريب. ولا يعني ذلك أن التدريب غير مفيد، بل يشير إلى أن ارتفاع مستوى الثقة لا يرافقه بالضرورة ارتفاع مماثل في الكفاءة المقاسة. ثم، لا يكفي التقييم الذاتي وحده لتحديد مستوى الكفاءة أو توجيه التدريب.

 

لبنان يملك الإطار، لكن الإطار وحده لا يقيس الكفاءة

أصدر المركز التربوي عام 2025 إطار كفاءات (Competency Framework) للذكاء الاصطناعي للطلاب والمعلّمين، مبنياً على إطار اليونسكو لعام 2024. ويحدّد إطار المعلّمين ثلاثة جوانب موزعة على مستويي تقدم، بما ينتج ستة قوالب للكفاءة.

لكن هذا الإطار توجيهي وليس تنظيمياً، ولا يرتبط بترخيص أو تقييم أو ترقية، ما يجعل تفعيله متروكاً للمدارس. لذلك، لا تكمن الفجوة في تعريف الكفاءة وحده، بل في القدرة على إثبات امتلاكها.

ويوصي الإطار بتقييم الجهوزية قبل التطبيق، ويقترح مجموعات نقاش مركّزة لفهم المخاوف والتحديات، ثم تصنيف المعلّمين إلى مبتدئين ومتوسطين ومتقدمين. وتبقى هذه النقاشات مفيدة لفهم الاحتياجات، إلا أنها لا تكفي وحدها لتصنيف الكفاءة بصورة موضوعية. فإذا بُني التدريب وتخصيص الموازنات على تصنيف غير دقيق، انتقل خلل القياس مباشرة إلى مستوى القرار.

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي  (شات جي بي تي)
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي)

 

الكفاءة تُختبر داخل الصف


في عام 2025، نشرت الأكاديمية الوطنية للعلوم في مجلتها (PNAS) نتائج تجربة عشوائية شملت نحو ألف تلميذ في ثانوية تركية. وتفوّقت مجموعة استخدمت واجهة ذكاء اصطناعي مفتوحة أثناء التمارين بنسبة 48%، إلا أن أداءها - بعد سحب الأداة وفي اختبار مستقل - جاء أدنى من أداء المجموعة الضابطة بنسبة 17%. وعندما ضُبطت الأداة لتقديم تلميحات بدلاً من الإجابات، اختفى هذا الضرر.

 

الأداة هي نفسها، إلا أن النتيجة تغيّرت تبعاً لتصميم استخدامها. وهنا تحديداً تظهر كفاءة المعلّم: ماذا يُسمح للتلميذ أن يطلب من الأداة؟ وما الذي ينبغي أن ينتجه بنفسه؟ وكيف يستطيع المعلّم التحقق من الفرق بين الاثنين؟ هذه مهارة مهنية يمكن الحكم على صوابها وخطئها، وليست مجرد ذوق تقني أو تفضيل شخصي.

 

والتشخيص لبناني أيضاً


تشير ورقة "بناء القدرات والتدريب"، الصادرة أيضاً عن المركز التربوي للبحوث والإنماء عام 2025، إلى افتقار الأدوات المعيارية إلى قياس أثر التدريب وملاحظة الأداء، إلى جانب ضعف الربط بين أداء المعلّم والترقي الوظيفي، وضعف نقل أثر التدريب إلى بيئة العمل.

لذلك، فإن سؤال "من يؤهّل المعلّم؟" يقود إلى سؤال أكثر دقة: كيف نثبت أنه أصبح مؤهّلًا؟ يبدأ هذا الإثبات بقياس يسبق التدريب، وينتهي بقياس يليه؛ وبين القياسين أداء فعلي قابل للفحص والتقويم.

 

ما الذي يجعل القياس قياساً؟
قبل شراء أيّ أداة أو التعاقد على برنامج تدريبي، ينبغي للمدرسة أن تطلب توافر خمسة شروط:

بناء القياس على إطار كفاءات معتمد، بما يتيح تحديد مستوى المعلّم في كل جانب من جوانب الكفاءة.
اختبار المعلّم من خلال مواقف صفّية واقعية ذات إجابات يمكن الدفاع عنها، بدل الاكتفاء بتقييمه الذاتي.
إنتاج أثر ملموس قابل للفحص، كخطة درس أو مهمة تقويم أو سياسة استخدام أو تصحيح لإنتاج تلميذ استعان بالأداة.
إعادة القياس بعد التدريب بالصيغة نفسها، بما يسمح بمقارنة دقيقة وذات معنى بين مستوى الكفاءة قبل التدريب وبعده.
إصدار تقرير يوضح مستوى الكفاءة في كل جانب قبل التدريب، ويرصد ما طرأ عليه من تغير بعده.

بهذه الشروط، يصبح الفرق بين القياسين فرقاً في الكفاءة الفعلية، لا في مستوى الثقة أو الرضا.

 

ما الذي ننصح به قادة المدارس الآن؟


قبل التوقيع مع أيّ جهة تدريب، ينبغي طرح ثلاثة أسئلة أساسية: على أي قياس بُني المحتوى التدريبي؟ وأي فجوة في الكفاءة يعالج؟ وبأي دليل يمكن إثبات نجاحه؟ فإذا اقتصر الدليل على استمارة رضا، فإن ما نقيسه هو الانطباع، لا الكفاءة.

لقد ألزم المنهاج تلاميذنا باستخدام الذكاء الاصطناعي. ومن حقهم علينا ألا نكتفي بتدريب معلّميهم، بل أن نعرف، بالدليل والقياس، أنهم أصبحوا مؤهّلين لتوجيههم.

 

*باحث ومتخصّص في التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والمدير العام لشركة AZRE Consulting LLC

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 8/19/2026 3:24:00 PM
شطب الأصفار قد يجعل التعامل بالليرة أكثر سهولة، لكنه لا يعيد إليها الثقة. فاستعادة هذه الثقة تتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى انهيارها، لا إعادة ترتيب الأرقام على الأوراق النقدية.
رياضة 8/19/2026 9:09:00 AM
نجم كرة القدم البرازيلي "نطق الشهادتين وأصبح مسلماً"، كتبت حسابات مع الصورة.
لبنان 8/19/2026 9:10:00 PM

أكّد الوزير رجي لـ"النهار": "ان هذه المسألة لا تحتمل أي اجتهاد أو تأويل، وبمجرد إعلان أي ديبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه، يتوجب عليه مغادرة أراضي الدولة المضيفة، ولا يعود لأي تأشيرة أو إذن دخول أو إقامة مُنح له سابقاً أي أثر قانوني يجيز استمرار وجوده على أراضيها".