ما بعد صافرة النهاية: هل تسترد الدول تكلفة استضافة كأس العالم؟
حين تنطفئ أضواء المباراة النهائية ويعود المشجعون إلى بلادهم، تبدأ المباراة الاقتصادية الأصعب: هل جنت الدولة المضيفة ما يكفي لتبرير المليارات التي أنفقتها على الملاعب والطرق والمطارات والأمن والفنادق؟ ما من إجابة بسيطة. لا تدفع الدولة فاتورة واحدة ثم تستردها من صندوق واحد. تذهب الإيرادات التجارية الكبرى، وفي مقدمها حقوق البث والتسويق والجزء الأساسي من التذاكر والضيافة، إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). أما الحكومات والمدن المضيفة، فتتحمل عادة تكلفة بناء الملاعب أو تحديثها، وتوسعة شبكات النقل، وتوفير الأمن والخدمات العامة.
إنفاق مختلف
تستفيد الدولة مباشرة من إنفاق الزوار على الفنادق والمطاعم والنقل والتسوّق، ومن الضرائب والأجور وفرص العمل الموقتة. لكن هذا الدخل نادراً ما يكفي لتغطية فاتورة البنية التحتية كاملة. لذلك لا يقوم الرهان الحقيقي على أسابيع البطولة وحدها، بل على ما يبقى بعدها: شبكة نقل أفضل، ومطارات أكثر قدرة، ومناطق عمرانية جديدة، وزيادة مستمرة في السياحة والاستثمار. وهكذا تقدم جنوب أفريقيا والبرازيل وقطر، ثم مونديال 2026، نماذج مختلفة.
أنفقت حكومة جنوب أفريقيا نحو 30-33 مليار راند استعداداً لمونديال 2010، أي ما كان يعادل يومها قرابة 4.1-4.5 مليار دولار. وذهب 11.7 مليار راند إلى الملاعب، فيما أُنفِق 13 مليار راند على محطات القطارات والطرق والمطارات. ووفق الحكومة، أوجد بناء الملاعب 66 ألف فرصة عمل وولّد نحو مليار دولار من الأجور.
لكن بعض هذه المكاسب لم يصمد بعد المونديال. تراجع استخدام عدد من الملاعب الجديدة، وأصبحت صيانتها عبئاً على المدن. ولم يجد تحليل اقتصادي حديث أثراً واضحاً للبطولة في الناتج المحلي، وإن كانت قد عززت السياحة. كذلك تركز جانب مهم من النشاط الاقتصادي في سنوات التحضير والبناء، لا في شهر المباريات نفسه.
وفي البرازيل، بلغت النفقات المدرجة من ضمن مشاريع مونديال 2014 نحو 25.6 مليار ريال، أي قرابة 10.9 مليار دولار وفق متوسط سعر الصرف في عام البطولة. وشملت نحو 3.4 مليار دولار للملاعب، وثلاثة مليارات للنقل الحضري و2.7 مليار للمطارات. ووصلت التكلفة النهائية للملاعب إلى 8.44 مليار ريال.

مكاسب سياحية!
في المقابل، حققت السياحة مكسباً واضحاً. أنفق الزوار الأجانب نحو 1.58 مليار دولار خلال حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) 2014، بزيادة تقترب من 60 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وقدرت دراسة أن البطولة جذبت نحو مليون سائح أجنبي إضافي، لكنها نسبت قرابة ربع هذه الزيادة إلى وصول المنتخب الأرجنتيني إلى النهائي، وهو عامل لا تستطيع أي حكومة التخطيط له أو ضمانه.
وبعد مغادرة المشجعين، ظهرت مشكلة الملاعب الضخمة في مدن مثل برازيليا وماناوس، حيث لا يتناسب الطلب المحلي مع سعتها وتكلفة تشغيلها. وهكذا نجحت البرازيل في جذب الزوار، لكن طفرة سياحية استمرت أسابيع لم تكن كافية لتحويل كل ملعب إلى استثمار ناجح.
أما قطر، فكانت قصتها مختلفة. لا يمثّل الرقم المتداول عن إنفاق ما بين 200 و300 مليار دولار تكلفة كأس العالم وحدها، بل برنامجاً وطنياً امتد لأكثر من عقد من الزمن، وشمل المترو والطرق والميناء والمطار والفنادق ومدينة لوسيل. أما تكلفة الملاعب ومرافق التدريب والخدمات المرتبطة بالجمهور، فبلغت نحو 6.5 مليار دولار.
وقدر صندوق النقد الدولي أن إنفاق الزوار والإيرادات المرتبطة بالمونديال أضافا ما بين 1.6 و2.4 مليار دولار إلى الاقتصاد القطري، بما يعادل 0.7 إلى واحد في المئة من ناتجه المحلي لعام 2022. ويبدو هذا العائد المباشر متواضعاً قياساً بحجم الاستثمار، لكنه لا يعبّر عن الهدف الكامل للمشروع.
مساهمة البنية التحتية
ساهمت البنية التحتية الجديدة في دفع نمو الاقتصاد غير النفطي، وارتفع عدد زوار قطر من نحو أربعة ملايين في عام 2023 إلى أكثر من خمسة ملايين في عام 2024. ومع ذلك، لا يمكن منح المونديال الفضل كله، لأن الزيادة تزامنت مع تسهيلات التأشيرات والحملات الترويجية واستضافة بطولات وفعاليات أخرى.
وقدم مونديال 2026 نموذجاً أقل اعتماداً على البناء. استخدمت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في صورة عامة ملاعب قائمة، ما قلّل خطر ترك منشآت مهجورة بعد انتهاء البطولة. لكن وجود الملاعب مسبقاً لم يجعل الاستضافة رخيصة، إذ بقي على المدن أن تدفع تكلفة الأمن والنقل والمناطق الجماهيرية وتجهيز المنشآت.
وفي كندا وحدها، قدّر مكتب الميزانية البرلماني الإنفاق الحكومي على استضافة 13 مباراة بنحو 1.066 مليار دولار كندي، أي قرابة 780 مليون دولار أميركي، وبمتوسط قارب 60 مليون دولار أميركي للمباراة. وكانت دراسة سبقت البطولة قد توقعت إضافة نحو ملياري دولار كندي إلى الناتج المحلي، لكن الأثر الاقتصادي ليس ربحاً صافياً يدخل الخزانة.
وسجلت أتلانتا نحو 442 ألف ليلة فندقية خلال البطولة، إلى جانب ارتفاع إيراد الغرفة المتاحة، لكن بعض أصحاب الأعمال الصغيرة قالوا إن المكاسب الموعودة لم تصل إليهم. وفي المكسيك، بدت الدفعة الاقتصادية أضعف مما كان متوقعاً. لكن من المبكر إصدار حكم نهائي على نسخة 2026 قبل نشر الحسابات الحكومية وبيانات السياحة والضرائب، والتمييز بين النشاط الذي ولّدته البطولة فعلاً والنشاط الذي كان سيحدث على أي حال.
نبض