حقوق البث التلفزيوني: ماكينة تضخ المليارات في اقتصاديات "فيفا"
من تقسيم العالم إلى أسواق حصرية إلى منافسة المنصات الرقمية، يحوّل الاتحاد مباريات المونديال إلى مليارات الدولارات.
حين تنطلق صافرة البداية في إحدى مباريات كأس العالم، لا يكون الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قد باع إلى المشاهدين 90 دقيقة من كرة القدم فحسب، بل يكون قد باع أيضاً الحدث نفسه عشرات المرات: مرة في كل بلد أو إقليم، ومرة عبر كل شاشة أو منصة. تُعَدّ حقوق البث أحد أكبر مصادر دخل "الفيفا"، لأنها تحوّل بطولة تُقَام مرة كل أربع سنوات إلى منتج إعلامي عالمي نادر، تتنافس عليه الشبكات التلفزيونية والمنصات الرقمية بمليارات الدولارات.
لكن الرقم الشائع عن تحقيق "فيفا" 3.4 مليار دولار من بث مونديال قطر وحده يحتاج إلى تدقيق. بحسب تقرير الاتحاد المالي، بلغت إيرادات حقوق البث 3.426 مليار دولار خلال دورته المالية الكاملة بين عامي 2019 و2022، وشكّلت 45 في المئة من إجمالي إيرادات الدورة، البالغة 7.568 مليار دولار. أما في عام المونديال نفسه، فسجّل الاتحاد 2.958 مليار دولار من حقوق البث.
يعود هذا الالتباس إلى طبيعة النموذج المالي لـ"فيفا". تدير المنظمة حساباتها على أساس سنوي ووفق دورات تمتد لأربع سنوات وتنتهي عادة بإقامة كأس العالم للرجال، مصدر القسم الأكبر من دخلها. ولا تسجل قيمة عقد البث كاملة بمجرد توقيعه، بل تعترف بالإيرادات عند إقامة البطولة وبث محتواها فعلياً. ولهذا تقفز الإيرادات بشدة في السنة الرابعة من كل دورة.
صفقات عديدة
ولا يبيع "فيفا" حقوق المونديال في صفقة عالمية واحدة. هو يقسّم العالم إلى أسواق، ثم يطرح الحقوق في مناقصات منفصلة وفق البلد أو الإقليم واللغة ووسيلة العرض. وقد تشمل الحزمة التلفزيون المفتوح أو المدفوع، والبث الرقمي، والملخصات، وإعادة المباريات والمقاطع القصيرة. وفي بعض الأسواق تُبَاع حقوق بطولتين أو أكثر معاً، بينما تُوزَّع في أسواق أخرى بين قناة مجانية وشبكة مدفوعة ومنصة إلكترونية.
يمنح هذا التقسيم "فيفا" قدرة كبيرة على تعزيز إيراداته. بدلاً من فرض سعر موحّد على الجميع، يختبر استعداد الشبكات للدفع في كل سوق، ويستفيد من المنافسة بينها. لكن المال ليس المعيار الوحيد المعلن؛ ينظر الاتحاد أيضاً إلى نطاق التغطية، وعدد ساعات البث، والقدرة التقنية، وخطة الترويج، وإمكان إيصال البطولة إلى أوسع جمهور ممكن.
كشفت أرقام مونديال قطر أهمية الأسواق الواقعة خارج أوروبا وأميركا الشمالية. من إيرادات البث المسجلة في عام 2022، جاء 1.031 مليار دولار من أوروبا، و875 مليوناً من آسيا وشمال أفريقيا، و519 مليوناً من أميركا الشمالية وحوض الكاريبي، ونحو 352 مليوناً من أميركا الجنوبية والوسطى. وهذا يضع الأسواق العربية من ضمن نطاق آسيا وشمال أفريقيا، ثاني أكبر نطاق جغرافي لإيرادات البث لدى "فيفا"، من دون أن يفصح التقرير عن حصتها منفردة.
لكن لماذا تقبل الشبكات دفع كل هذه الأموال؟ تكمن الإجابة في ندرة البث المباشر القادر على جمع مئات الملايين أمام الشاشات في وقت واحد. يمكن تأجيل مشاهدة الأفلام والمسلسلات، أما المباراة فتفقد جانباً كبيراً من قيمتها فور معرفة نتيجتها. وتسعى الشبكة المالكة للحقوق إلى استرداد استثمارها من الإعلانات والاشتراكات، وجذب مستخدمين جدد إلى منصاتها، وبيع الرعاية التجارية إلى الأستوديوهات والبرامج المصاحبة. وقد تبيع أيضاً جزءاً من الحقوق إلى قنوات أخرى إذا أجاز عقدها مع "الفيفا" الترخيص من الباطن.
تحولات ورقميات
ووسّع رفع عدد المنتخبات من 32 إلى 48، وزيادة المباريات من 64 في قطر إلى 104 في نسخة عام 2026، المساحة التجارية المتاحة للبطولة. وأدرج "فيفا" في ميزانية دورة 2023-2026 إيرادات بث مستهدفة قدرها 4.264 مليار دولار، بزيادة تقارب 24.5 في المئة مقارنة بالدورة السابقة. تعني كل مباراة إضافية ساعات جديدة من المحتوى، ومساحات إعلانية أوسع، وفرصاً أكبر لجذب المشتركين. غير أن الحصيلة النهائية للدورة لا يمكن تحديدها قبل صدور الحسابات المالية الكاملة للاتحاد.
أما التحول الرقمي فلا يعني اختفاء التلفزيون، بل تغيير الطريقة التي تصل بها المباريات إلى الجمهور. أصبحت "دازن" الناقل العالمي لكأس العالم للأندية لعام 2025، وأتاحت مبارياتها مجاناً مع إمكان ترخيصها لقنوات محلية. ثم وسّعت شراكتها مع "الفيفا" لإتاحة منصة "فيفا بلاس" عبر "دازن" وتطويرها من ضمن شراكتهما. وفي المقابل، تمثل "أمازون" و"آبل" منافسين محتملين في سوق الرياضة الحية، لكنهما لم تحلا بعد محل الشبكات التقليدية في بث كأس العالم.
وتبقى القرصنة الرقمية تحدياً لهذه الصناعة، لأنها تتيح مشاهدة المباريات خارج القنوات المرخّصة، فتقوّض قيمة الحصرية وتضعف إيرادات الاشتراكات والإعلانات. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: ترفع الحصرية السعر الذي يدفعه الناقل، لكنها قد تقلّص عدد القادرين على المشاهدة. لذلك يحاول "فيفا" الموازنة بين تعزيز إيراداته والحفاظ على المونديال حدثاً جماهيرياً عالمياً. قد تبدأ اللعبة بكرة في شارع مفتوح للجميع، لكن صورتها على الشاشة أصبحت واحدة من أغلى السلع في الاقتصاد الإعلامي العالمي.
نبض