أفريقيا والتمسك بالماضي… عدالة غائبة خارج الديار
تظل كرة القدم اللعبة الأكثر إثارةً بفضل قوانينها التي وُضعت لتعزيز المتعة، لكن بعض هذه القوانين تحول مع الوقت إلى "قيود" تقتل جمالية اللعبة وتفرض حساباتً معقدة تفوق المنطق الفني.
وتبرز قاعدة "أفضلية الهدف خارج الأرض" كأحد أكثر الملفات جدلاً في القارة السمراء، خصوصاً بعد أن أسقطها الاتحاد الأوروبي في عام 2021، بينما لا يزال الاتحاد الأفريقي للعبة "كاف" متمسكاً بها كإرثٍ قانوني يثير التساؤلات حول جدواه الفنية في العصر الحديث.
تاريخياً، وُضعت قاعدة أفضلية الهدف خارج الديار من أجل تحفيز الضيوف على الهجوم وإضافة نوعٍ خاص من المتعة على اللعبة، لكنها تدريجاً أثبتت أن هناك جزءاً كبيراً ظالماً فيها. فهي بمثابة السلاح ذي الحدين؛ تضفي دراما استثنائيةً من جهة ومتعةً خاصة للبعض. لكنها في المقابل تكرس "ظلماً فنياً" فادحاً من جهة أخرى: فهي تضع صاحب الأرض تحت وطأة ضغطٍ ذهني رهيب بمجرد استقبال شباكه هدفاً، إذ يصبح مطالباً بتسجيل هدفين لتجاوز "فخ" أفضلية الهدف. هذا الوضع يضع اللاعبين تحت ضغطٍ ذهني كبير يفقد مهاراتهم بريقها، ويجعلهم في مواجهة "حسبةٍ" رقمية معقدة تفوق الضغط التكتيكي للمباراة، في مقابل أريحيةٍ تامة للخصم الذي يميل غالباً إلى ممارسة "فنون" إضاعة الوقت وتعطيل اللعب، ما دامت النتيجة تخدمه حسابياً لا فنياً، ما قد يجعل 90 دقيقة كاملة تُلعب من دون كرةٍ حقيقية.

ما حدث في مواجهة الأهلي والترجي التونسي الأخيرة في ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا، قد يكون تجسيداً حياً لهذا الضغط النفسي غير المتكافئ؛ فبمجرد أن سجل الترجي الخصم هدف التعديل، أصبح لاعبو الأهلي مطالبين بتسجيل هدفين لا هدفاً واحداً، وهو ما قاد المباراة الى هزيمةٍ مخزية للمارد الأحمر الذي كان الأقرب طوال اللقاء الى الفوز والتأهل إلى نصف النهائي. ومن قبله بيراميدز الذي تعادل إيجابياً مع الجيش الملكي المغربي بهدفٍ لكل منهما في المغرب، لكن تسجيل الفريق المغربي هدفين في القاهرة، جعل فريق الأهرام بحاجةٍ لتسجيل هدفين لا التعادل للتأهل.
الأمثلة لا تتوقف عند حدود "القاهرة ورادس"؛ فمرارة هذه القاعدة تجرعها المصري البورسعيدي هو الآخر في الكونيفدرالية حين ودّع المنافسة بعد تعادلٍ سلبي في الجزائر، رغم أنه لم يُهزم، ورغم تفوقه في السيطرة الميدانية، لكنه كان قد تعادل إيجابياً في القاهرة. هذا التناقض يطرح سؤالاً جوهرياً: هل من العدل أن يخرج فريق من البطولة وهو لم يخسر مباراةً واحدة في الذهاب أو الإياب؟
التجربة الأوروبية أثبتت أن إلغاء القاعدة حرر المباريات، وأجبر الفرق على البحث عن الفوز حتى اللحظات الأخيرة من دون خوفٍ من هدفٍ "قاتل" يصعب تعويضه. أما في أفريقيا، فإن الإبقاء على هذا النظام يعزز ثقافة "خنق المباريات" تكتيكياً، ويجعل من "ساعة الإيقاف" و"سقوط اللاعبين" أسلحةً مشروعة للتأهل، واستمرار العمل بهذه القاعدة في القارة السمراء بحجة "صعوبة الأجواء" لم يعد مبرراً منطقياً في ظل تطور الكرة الحديثة.
نبض