العكّوب بين "الترند" والنكهة اللبنانية المختبئة في الجرود (صور وفيديو)
شكّلت الرحلة إلى العكّوب على ارتفاع 1600 متر عودةً إلى ذاكرة لبنانية كاملة تختبئ بين الصخور والثلوج والهواء البارد.
هناك، في الجرود القاسية حيث ينمو العكوب بصمت، رافقتنا تقلا الخويري في جولة تسليق أعادت هذا النبات البرّي إلى حجمه الحقيقي. في الحقيقة، ليس "ترند" عابراً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل جزءاً من تاريخ المطبخ اللبناني وطقوسه وذاكرة البيوت القديمة.
العكّوب من الجرود إلى "السوشيل ميديا"
في السنوات الأخيرة، تحوّل العكّوب إلى نجم موسمي على "السوشيل ميديا". فيديوات لشباب يجمعونه في الجرود، صور لأطباقه التقليدية ومشاهد لطهوه على الحطب في قلب الطبيعة. بدا وكأنّ اللبنانيين اكتشفوا العكّوب فجأة.
لكنّ الحقيقة مختلفة تماماً. فهذه النبتة البرّية كانت دائماً حاضرة في مطابخ الجدّات وعلى موائد القرى الجبلية التي تعرف جيداً قيمة ما تمنحه الأرض. ويبدأ موسمها بعد ذوبان الثلوج، مع أول أيام الربيع، حين يبقى البرد قارساً في المرتفعات، ليستمرّ حتى أوائل حزيران/ يونيو.

العكّوب نبتة شائكة بطعم جبليّ أصيل
تقول تقلا الخويري إنّ العكّوب يُعتبر من النباتات البرّية الموسمية التي تنمو في المناطق الجبلية الباردة، ويبدأ ظهوره في لبنان على ارتفاع يفوق الألف متر تقريباً. وتُضيف أنّه ينمو بكثرة في جرود تنورين وبشري وكفردبيان والشوف والمناطق الجبلية التي تتميّز بالبرد والجليد والهواء القارس، كما ينتشر في عدد من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، منها سوريا وفلسطين والعراق.

وسط الصخور والنباتات اليابسة، بدا العكوب أقرب إلى نبات "متوحّش" يصعب الاقتراب منه. أوراق شائكة وحضور قاسٍ يشبه طبيعة الجبل نفسه. لكنّ تقلا شرحت أنّ تنظيفه ليس معقّداً كما يظنّ كثيرون، إذ تتم إزالة الأشواك والاحتفاظ بالأجزاء الصالحة للأكل من الساق والأوراق. أمّا الجزء الذي يُعرف باسم "بيضة العكوب"، فهو قلب النبتة الطري الذي يؤكل بالكامل ويتميّز بنكهة أكثر كثافة من الساق.

العكّوب بين الموروث الشعبي وذكريات البيوت
وخلال التسليق، حضرت الحكايات الشعبية تماماً كما حضر العكّوب نفسه. فبحسب ما ترويه تقلا نقلاً عن كبار السنّ، يُشبه العكّوب "مسامير الركب"، وكان يُعتقد أنّه يساعد على تقوية المفاصل وتحسين القدرة على الحركة. كما يُقال إنّه مفيد للكبد ويساهم في خفض ضغط الدم، رغم أنّ كثيراً من هذه الفوائد لا يزال أقرب إلى الموروث الشعبي منه إلى الحقائق المثبتة علمياً، وفق ما توضحه تقلا.
وما بدا لافتاً أكثر من النبتة نفسها، تلك العلاقة العاطفية التي تربط اللبنانيين بالعكّوب. فهو حاضر في ذاكرة جماعية مرتبطة بـ"طعمة التيتا" والمطابخ الريفية وروائح القورمة والبصل التي كانت تملأ البيوت بداية كلّ ربيع.

وصفات العكّوب... نكهة التراث
يمكن تحضير العكوب بطرق متعدّدة. يُقلى مع البصل واللحم والقورمة، أو يُطهى مع الأرز والصلصة الحمراء، أو يُحضّر على طريقة فّتة باللبن، وحتى يُشوى على الفحم في بعض المناطق. وكلّ طريقة تحمل معها نسخة مختلفة من الذاكرة اللبنانية.
ومع تقلا، طبخنا العكوب مع القورمة والبصل والثوم البرّي على موقدة نار أعادت إلى الذاكرة مطابخ الجدّات وطريقتهنّ في إعداد هذه النبتة الموسمية. أمّا المذاق، فكان حكاية لا تمتّ إلى "الترند" بصلة. نكهة تختصر تراثاً كاملاً وذكريات لا تزال حيّة في ذاكرة الجبل والبيوت القديمة.

الحلقة كاملة
"ترند" العكّوب يهدّد النبتة البرّية
لكنّ هذا الرواج الكبير الذي يشهده العكّوب اليوم يحمل جانباً مقلقاً أيضاً. فبحسب تقلا، أدّى جمعه بطريقة غير مستدامة إلى تراجع وجوده في بعض المناطق اللبنانية، نتيجة اقتلاعه بشكل مفرط ومن دون احترام دورة نموّه الطبيعية.
ربما لهذا السبب تحديداً، بدا "ترند" العكّوب مختلفاً عن غيره من الصيحات الموسمية. فما يختبئ خلف هذه النبتة الشائكة يتجاوز صورة طبق على "إنستغرام"، ليصل إلى تراث لبناني كامل وذاكرة جبلية لا تزال تقاوم النسيان.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
نبض