"النهار" في الصين… رحلة بين ذاكرة المسيرة الطويلة وصناعة المستقبل
عندما تُذكر الصين، تتجه الأنظار عادةً إلى بكين وشنغهاي، إلى ناطحات السحاب والقطارات فائقة السرعة والمصانع العملاقة. لكن رحلتي إليها كشفت لي وجهاً آخر لهذا البلد؛ وجهاً يجمع بين التاريخ، والتنوع الثقافي، والتحولات التي تشهدها مناطق بعيدة عن الصورة التقليدية للصين.
بدعوة من دائرة العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني، شاركت "النهار" ضمن وفد إعلامي دولي في زيارة امتدت نحو أسبوعين، للتعرف إلى قصة "المسيرة الطويلة" (Long March)، والاطلاع على نماذج من التنمية والتطور في عدد من المقاطعات الصينية.
جيانغشي… حيث بدأت المسيرة الطويلة
كانت البداية من مقاطعة جيانغشي، وتحديداً مدينة رويجين، التي تُعرف بـ"مهد الجمهورية". هناك، بين المباني التاريخية والمواقع التي احتضنت بدايات الحركة الثورية، بدا واضحاً أن المسيرة الطويلة ليست مجرد حدث تاريخي، بل جزء من الهوية الوطنية الصينية.

ومن أبرز المحطات كان "البئر الأحمر"، إلى جانب مدينة يويدو، التي انطلقت منها المسيرة الطويلة عام 1934، عندما بدأ آلاف الجنود والقيادات رحلة شاقة امتدت أكثر من 12 ألف كيلومتر. وفي متحف انطلاق المسيرة الطويلة، عكست الوثائق والمقتنيات الشخصية المكانة التي لا تزال تحتلها هذه المرحلة في الوعي الصيني، وهو ما بدا واضحاً أيضاً من الإقبال الكبير للطلاب والعائلات على زيارة هذه المواقع.

غويتشو… عندما يلتقي التاريخ بالتكنولوجيا
بعد جيانغشي، انتقلت إلى غويتشو، حيث بدا التناقض جميلاً بين التاريخ والمستقبل. ففي هذه المقاطعة الجبلية، جربت للمرة الأولى الحافلة ذاتية القيادة، في تجربة عكست حجم الاستثمار الصيني في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

لكن غويتشو لم تنسَ تاريخها أيضاً. ففي مدينة تسونيي زرت المواقع المرتبطة بالمسيرة الطويلة، فيما قدم مجمع "الريبونة الحمراء" تجربة تفاعلية استخدمت أحدث التقنيات لإحياء أحداث تلك المرحلة بطريقة تجمع بين المعرفة والإبهار.

كما كانت زيارة مؤسسة Guizhou Radio and Television Station فرصة للاطلاع على تطور العمل الإعلامي في الصين، خصوصاً في مجال توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى ودعم غرف الأخبار، مع التشديد على أن يبقى الإنسان صاحب القرار النهائي في العمل الصحافي.

نينغشيا… قصة التحول من الصحراء إلى الازدهار
كانت نينغشيا المحطة الأخيرة في الرحلة، وهي منطقة ذاتية الحكم لقومية هوي المسلمة، حيث يمتزج الطابع الإسلامي بالثقافة الصينية في مشهد يعكس تنوع البلاد.
لكن أكثر ما لفتني كان التحول الذي شهدته المنطقة. فمن أراضٍ واجهت تحديات بسبب الصحراء وقلة المياه، أصبحت نينغشيا نموذجاً في استصلاح الأراضي وتطوير الزراعة بفضل مشاريع الري الحديثة والتشجير. وفي قرية هونغده، كان واضحاً كيف أسهمت هذه المشاريع في تحسين حياة السكان وخلق فرص اقتصادية جديدة.

وبعيداً عن الزيارات الرسمية، زرت سوق هوايْيوان الليلي في ينتشوان، حيث عشت جانباً من الحياة اليومية بين الأطعمة المحلية والأجواء الشعبية، كما جربت قيادة الدراجة الكهربائية المشتركة، التي تعكس اعتماد المدن الصينية على وسائل نقل ذكية وصديقة للبيئة.

الصين… تجربة تتجاوز الصورة التقليدية
في نهاية الرحلة، أدركت أن الصين ليست مجرد بلد يُقاس بحجم اقتصاده أو بسرعة تطوره، بل تجربة تجمع بين الحفاظ على التاريخ، والاستثمار في الإنسان، والتطلع المستمر إلى المستقبل. فما يلفت الزائر ليس فقط حجم المشاريع أو التطور التكنولوجي، بل الرؤية التي تقف وراءها، والإصرار على تحويل التحديات إلى فرص.

قد تختلف التجارب من بلد إلى آخر، لكن الصين تقدم نموذجاً يؤكد أن التنمية عملية طويلة تقوم على التخطيط والعمل المتواصل. وربما كان هذا هو الانطباع الأبرز الذي خرجت به من هذه الرحلة؛ أن النجاح لا يُبنى بالصدفة، بل برؤية واضحة وإرادة لا تتوقف عن التقدم.
نبض