نعرف قيمتنا... فلماذا نخشى إظهارها؟
مواقف تبدو عابرة، لكنها تكشف أحياناً الكثير عن الطريقة التي نرى بها أنفسنا، والمساحة التي نسمح لأنفسنا بأن نأخذها أمام الآخرين
قد تكون في اجتماع وتملك فكرة جيدة، لكنك تتردد في قولها. قد تقف في مناسبة مهنية إلى جانب شخص ترغب في التعرف إليه، لكنك لا تبادر. وقد تحقق إنجاز حقيقي، ثم تجد صعوبة في الحديث عنه خوفاً من أن تبدو متباهياً أو من الطريقة التي قد يحكم بها الآخرون عليك.
مواقف تبدو عابرة، لكنها تكشف أحياناً الكثير عن الطريقة التي نرى فيها أنفسنا، والمساحة التي نسمح لأنفسنا بأن نأخذها أمام الآخرين. في حديث خاص لـ"النهار"، تتحدث راوية عيتاني، المتخصصة في الصورة الذاتية والوعي، عن الخوف من الظهور، وتأثير نظرة الآخرين في صورتنا عن أنفسنا، وعلاقة الشعور بالاستحقاق بقدرتنا على بناء حضور مهني حقيقي.
حين لا تكفي الكفاءة
قد يمتلك الإنسان الخبرة والكفاءة، لكنه لا يبادر إلى التعارف، أو يتردد في تقديم نفسه والحديث عن إنجازاته. وهنا، قالت راوية إن المشكلة لا تكون دائماً في نقص مهارات التواصل، بل قد ترتبط بما يشعر به الشخص تجاه نفسه عندما يصبح موضع نظر الآخرين. وأضافت أن الخوف من الرفض أو النقد قد يدفع شخصاً كفؤاً إلى التراجع، رغم امتلاكه ما يحتاج إليه مهنياً. فهناك فرق بين شخص لا يعرف كيف يقدّم نفسه، وآخر يعرف ذلك لكنه لا يشعر بالراحة عندما يحين وقت الظهور.

عندما يصبح رأي الآخرين مرآتنا
من الطبيعي أن نهتم بالطريقة التي يرانا فيها الآخرون، لكن المشكلة، وفق راوية، تبدأ عندما يتحول رأيهم إلى مقياس لقيمتنا، وأوضحت أن هناك فرقاً بين أن يسمع الإنسان نقداً ويعتبره فرصة للتعلم، وبين أن يحوّله إلى حكم على نفسه: ربما أنا لست جيداً بما يكفي.
وقالت إن الخوف من الظهور لا يتعلق دائماً بما سيقوله الناس فقط، بل بما قد يجعلنا كلامهم نصدّقه عن أنفسنا. وهكذا، قد يصبح عدم المبادرة وسيلة لتجنب الرفض، لكنه في الوقت نفسه قد يحرمنا من فرص كان يمكن أن نصل إليها.
المرأة بين التواضع وإخفاء الذات
وتوقفت راوية عند تجربة المرأة، مشيرة إلى أن الخوف من الحكم يطال الرجال والنساء، لكن المرأة قد تكبر وسط رسائل تدعوها إلى عدم الحديث كثيراً عن إنجازاتها أو إظهار نفسها بصورة قد تُفسَّر على أنها تباهٍ. وأضافت أن التواضع لا يعني إنكار الكفاءة. فالمرأة تستطيع أن تعرف قيمتها، وتتحدث عن نجاحاتها وتطلب فرصتها من دون أن يعني ذلك أنها تضع نفسها فوق الآخرين.
وهنا تطرح راوية سؤالًا بسيطاً لكنه أساسي: "هل أنا فعلًا متواضعة، أم أنني أخاف أن أظهر؟عندما يضيّع عدم الاستحقاق الفرص
وبحسب راوية، قد يظهر الشعور بعدم الاستحقاق في تفاصيل صغيرة: التقليل من الإنجازات، التردد في طلب فرصة، الخوف من تقديم الذات، أو انتظار أن يكتشف الآخرون قيمتنا بأنفسهم.
وأكدت أن امتلاك القيمة شيء، والقدرة على التعبير عنها شيء آخر. فالاستحقاق لا يعني الاعتقاد بأننا نستحق كل شيء، بل أن نعترف بما نملكه ونسمح لأنفسنا بالمحاولة والمبادرة، حتى مع احتمال الرفض.
وفي النهاية، ترى أن بناء الحضور لا يعني صناعة نسخة من أنفسنا ترضي الجميع. فالأصالة ليست في كشف كل شيء، بل في وجود انسجام بين من نكون، وما نقدمه، والطريقة التي نعبّر بها عن أنفسنا. وربما، لذلك، لا يكون السؤال الأهم: كيف أجعل الآخرين يرونني؟ بل: هل أسمح لنفسي بأن أُرى كما أنا؟
نبض