السويداء تهزّ دروز لبنان... ولكن إلى أين؟

لبنان 03-09-2026 | 11:23

السويداء تهزّ دروز لبنان... ولكن إلى أين؟

تاريخياً، لم تستطع الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين فصل الدروز عن بعضهم. فقد توزعت الجماعة بين هذه المناطق وحافظت على روابط دينية واجتماعية وعائلية وسياسية عابرة للحدود. لذا فإن ما يصيب دروز سوريا أو فلسطين يجد صداه في لبنان.
السويداء تهزّ دروز لبنان... ولكن إلى أين؟
اجتماع للمجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز في دار الطائفة في بيروت (أرشيفية، نبيل إسماعيل).
Smaller Bigger

لم تعد أزمة السويداء شأناً سورياً بالنسبة إلى الدروز في لبنان. فالمجازر التي شهدتها المنطقة، والتوتر بين الشيخ حكمت الهجري والدولة السورية، ثم دخول إسرائيل على خط الأزمة، كلها عوامل بدأت تترك أثراً في البيئة الدرزية اللبنانية، وتحديداً في واحدة من أكثر المسلمات رسوخاً: قدرة وليد جنبلاط على الإمساك بالقرار السياسي الدرزي.

تاريخياً، لم تستطع الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين فصل الدروز عن بعضهم. فقد توزعت الجماعة بين هذه المناطق وحافظت على روابط دينية واجتماعية وعائلية وسياسية عابرة للحدود. لذا فإن ما يصيب دروز سوريا أو فلسطين يجد صداه في لبنان، سواء عبر التضامن أو القلق أو إعادة طرح أسئلة تتعلق بمستقبل الجماعة وموقعها في محيطها.

 

من هنا شكلت السويداء اختباراً مختلفاً لجنبلاط. فالزعيم الدرزي اعتاد أن تتبعه غالبية طائفته في خياراته السياسية، بغض النظر عن الموقف من هذه الخيارات، وأن تتحول زعامته إلى مرجعية تحدد الاتجاه العام للطائفة في القضايا المصيرية.

لكن السويداء أدخلت عاملاً جديداً على المعادلة. فالمجازر وما رافقها من قتل وتهجير وانتهاكات ولّدت لدى فئة من الدروز في لبنان شعوراً بأن القضية باتت قضية أمن ووجود، وليست مجرد خلاف سياسي بين السلطة في دمشق وقيادة محلية. وسط هذا المناخ، ظهر تعاطف مع خطاب الشيخ الهجري لدى عدد من المشايخ في لبنان، في خط لم يكن موجوداً بهذه القوة سابقاً.

وزادت تأثير هذا الخط العلاقة التي تشكلت بين الهجري وشيخ العقل في إسرائيل الشيخ موفق طريف، وأنتجت ثنائية دينية وسياسية كان لها صدى داخل البيئة الدرزية. عدد من المشايخ اللبنانيين تأثر بهذا الخط، وبدأ بدوره العمل في الطائفة، فظهر اتجاه معارض للخط السياسي الذي يمثله جنبلاط.

لكن بيان دروز الجولان الأخير، الرافض مواقف الهجري والداعي إلى عدم سلخ الدروز عن هويتهم السورية والعربية، جاء ليعطي جنبلاط دفعاً سياسياً ومعنوياً. فالبيان أظهر أن الخلاف مع الهجري ليس بين جنبلاطيين و"هجريين"، ولا مواجهة بين لبنان وسوريا، بل إن داخل البيئة الدرزية نفسها أصواتاً ترفض تحويل مأساة السويداء إلى مشروع ارتباط بإسرائيل. وهو ما عزز موقف جنبلاط القائم على حماية الدروز من دون إخراجهم من محيطهم العربي.

 

 

لقاء جمع وليد جنبلاط (يسار) والرئيس أحمد الشرع (يمين) في دمشق عام 2025 (أرشيفية، نبيل اسماعيل).
لقاء جمع وليد جنبلاط (يسار) والرئيس أحمد الشرع (يمين) في دمشق عام 2025 (أرشيفية، نبيل اسماعيل).

 

خرق "هجري"

مع ذلك، فإن الخط الجديد أحدث خرقاً في البيئة اللبنانية. وتقر أوساط اشتراكية بأن بعض "الهجريين" نجحوا في اختراق القاعدة الاشتراكية، وأن تأثير خطابهم ظهر لدى بعض المشايخ والبيئات الدرزية. إلا أن هذا الخرق، حتى الآن، بقي تحت السيطرة ولم يتحول إلى بديل سياسي متكامل عن جنبلاط.

وهنا تكمن أهمية الموقف الجنبلاطي من سوريا. فهو يتمسك ببقاء الدروز جزءاً من الدولة السورية، ويرفض أن يتحول خوفهم المشروع إلى ذريعة للانفصال أو بوابة للحماية الإسرائيلية. ويدرك أن تحويل الدروز في سوريا إلى جماعة مرتبطة بإسرائيل سيترك تداعيات خطيرة على دروز لبنان، في بلد شديد الحساسية حيال المشاريع الطائفية والتقسيمية.

في المقابل، لا يستطيع جنبلاط تجاهل مشاعر الطائفة. فالدروز في لبنان يتأثرون بما يجري في السويداء كما تأثروا تاريخياً بما جرى في فلسطين والجولان وسوريا. وهذا التأثر ليس مجرد تضامن مذهبي، بل نتيجة تكوين تاريخي جعل حدود الدول أقل قدرة على الفصل بين ساحات الجماعة.

والسؤال اليوم: هل يستطيع الخط الهجري منافسة جنبلاط؟

المؤشرات الحالية تظهر أنه نجح في إحداث خرق، لكنه لم يؤثر جوهريا في الزعامة. فحين يتعلق الأمر بالوضع الداخلي اللبناني، حيث تتداخل التحالفات والمصالح والاستحقاقات، لا يزال جنبلاط الأكثر قدرة على جمع الطائفة. ولذلك تعتقد الأوساط الاشتراكية أن الدروز سيعودون إلى التحلق خلف جنبلاط، حتى لو اختلف قسم منهم معه في مقاربته للسويداء.

لكن مجرد ظهور هذا الخط يحمل دلالة تاريخية: الزعامة الجنبلاطية لم تعد محصنة تماماً أمام تأثير المرجعيات الدرزية العابرة للحدود.

والأخطر أن القضية تتجاوز السياسة إلى سؤال وجودي أعمق: كيف تحافظ جماعة صغيرة على خصوصيتها وأمنها داخل محيط عربي وإسلامي واسع، من دون أن يدفعها الخوف إلى طلب حماية خارجية؟

هنا يكمن الامتحان الحقيقي. فالسويداء قد تكون أحدثت أول شرخ جدي في احتكار جنبلاط للخطاب الدرزي، لكنها لم تسقط زعامته. ويبقى التحدي أن يتحول هذا الشرخ من تعاطف مع الهجري إلى خيار سياسي دائم داخل لبنان، وهو ما لم يحصل حتى الآن.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 12:14:00 PM
لم تتسلّم عناصر "الحرس الوطني" رواتبها لمدة 5 أشهر بسبب تراجع إرسال الأموال من إسرائيل. لكن المصدر يرصد عودة تقاضي العناصر للرواتب منذ بداية آب الماضي.
المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
النهار تتحقق 9/2/2026 9:02:00 AM
بدت النيران مشتعلة بقوة في أحد المواقع. هذه المشاهد "عاجلة الآن"، كتب مستخدمون.