الجيش اللبناني و"حزب الله": علاقة حمتها السياسة عقوداً
منذ نشأة "حزب الله"، لم تكن العلاقة مع الجيش قراراً عسكرياً، بل سياسياً. فخلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، بقي الجيش بعيداً من أي مواجهة مع الحزب، فيما تولى الأخير قتال الإسرائيلي.
على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت العلاقة بين الجيش اللبناني و"حزب الله" واحدة من أكثر المعادلات تعقيداً في لبنان. لم تكن يوماً علاقة تحالف، كما لم تكن علاقة مواجهة، بل فرضتها التوازنات الداخلية والظروف الإقليمية، وحكمتها قاعدة غير مكتوبة هي "منع الصدام مهما بلغت الخلافات".
اليوم، تبدو هذه القاعدة أمام أكبر اختبار منذ تأسيس "حزب الله" عام 1982. فالدولة اللبنانية انتقلت من سياسة إدارة ملف السلاح إلى إعلان هدف واضح يتمثل في حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، فيما يتمسك الحزب بسلاحه. وبين هذين الخيارين، يقف الجيش اللبناني أمام واحدة من أكثر المهمات حساسية منذ اتفاق الطائف.
علاقة رسمتها السياسة
منذ نشأة "حزب الله"، لم تكن العلاقة مع الجيش قراراً عسكرياً، بل سياسياً. فخلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، بقي الجيش بعيداً من أيّ مواجهة مع الحزب، فيما تولى الأخير قتال الإسرائيلي.
وبعد الانسحاب عام 2000، انتقل النقاش إلى مستقبل سلاح الحزب، لكن سطوته على الدولة منعت القيام بأيّ تحرك.
وجاءت حرب تموز 2006 لتكرّس هذه المعادلة. فالجيش لم يكن طرفاً في قرار الحرب، لكنه انتشر بعد وقف النار في جنوب الليطاني تطبيقاً للقرار 1701، فيما بقي ملف السلاح خارج أي معالجة نهائية.
وفي أحداث السابع من أيار 2008، اختار الجيش عدم الانخراط في المواجهات، انطلاقاً من اقتناع بأن أيّ صدام داخلي كان سيهدد وحدة المؤسسة العسكرية ويعيد البلاد إلى أجواء الحرب الأهلية.
كذلك أثبتت معارك عبرا عام 2013 و"فجر الجرود" عام 2017 أن الجيش يتحرك عندما يكون القرار السياسي واضحاً.
جنود وآليات للجيش اللبناني (أ ف ب)
تنسيق بغطاء سياسي
لا يمكن قراءة العلاقة بين الجيش و"حزب الله" بمعزل عن المرحلة التي تمتع فيها الحزب بنفوذ سياسي وأمني واسع داخل مؤسسات الدولة. ففي تلك السنوات، قامت قنوات تواصل وتنسيق رسمية بين الجانبين عبر لجان وآليات ميدانية هدفت إلى إدارة الملفات الأمنية ومنع الاحتكاك، ولا سيما في الجنوب.
هذا الواقع، مع الغطاء السياسي الذي كان قائماً آنذاك، وفّر له هامش حركة واسعاً ساهم في تعزيز قدراته العسكرية واللوجيستية، سواء عبر حرية انتقال السلاح والمعدات داخل الأراضي اللبنانية، أو من خلال تسهيل إدخال السلاح عبر بعض المعابر، في غياب قرار سياسي بمواجهته أو فرض قيود حاسمة عليه. في المقابل، كان الحزب يؤكد باستمرار أن سلاحه جزء من منظومة الدفاع عن لبنان ومحمي بالبيانات الوزارية.
ما الذي تغيّر؟
التحول الأساسي لا يكمن في الجيش، بل في القرار السياسي.
فللمرة الأولى منذ سنوات، تتبنى الدولة بوضوح مبدأ احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم، في ظل ضغوط دولية تربط أيّ دعم اقتصادي أو إعادة إعمار بقدرة الدولة على فرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
في المقابل، يرى "حزب الله" أن التهديد الإسرائيلي لا يزال قائماً، وأن أيّ نقاش حول سلاحه يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية دفاعية وطنية، لا نتيجة ضغوط خارجية.
وهنا يجد الجيش نفسه أمام مهمة جديدة، فهو مطالب بتنفيذ قرارات الدولة، وفي الوقت نفسه بالحفاظ على السلم الأهلي ووحدة المؤسسة العسكرية.
لماذا يتجنب الجيش الصدام؟
لا يرتبط حرص الجيش على تجنب أيّ مواجهة داخلية باعتبارات عسكرية فقط، بل بعقيدته الوطنية أيضاً. فالمؤسسة العسكرية تضم عسكريين من مختلف المناطق والطوائف، بمن فيهم أفراد ينتمون إلى بيئات اجتماعية وسياسية متنوعة، وهي حريصة على المحافظة على تماسكها الداخلي وعدم إدخالها في انقسامات سياسية أو أهلية.
والواقع أن تجربة لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية كرّست اقتناعا لدى القيادات العسكرية المتعاقبة بأن الجيش يجب أن يبقى الضامن للاستقرار والسلم الأهلي، لا طرفاً في نزاع داخلي بين اللبنانيين. لذلك، فإن أي قرار يتعلق بملف السلاح يبقى قراراً سياسياً بامتياز، يحتاج إلى غطاء وطني واضح وآلية تنفيذ لا تهدد وحدة الجيش ولا تعيد إنتاج الانقسامات التي عرفها لبنان في مراحل سابقة.
حتى الآن، لا مؤشرات جدية على أن الجيش يتجه إلى مواجهة مع "حزب الله". فالمؤسسة العسكرية لا تقرر الحرب، بل تنفذ قرارات السلطة السياسية، فيما يدرك الحزب أن أي اشتباك مع الجيش سيضعه في مواجهة الدولة ومؤسساتها، وسيؤدي إلى خسارة سياسية ومعنوية كبيرة.
لكن استبعاد الحرب لا يعني استبعاد التوتر. فمع توسع انتشار الجيش أو اتخاذ الدولة إجراءات تتعلق بمصادرة أسلحة أو إقفال مواقع عسكرية غير شرعية، تبقى احتمالات الاحتكاك الميداني قائمة، إلا أن مثل هذه الحوادث، إذا حصلت، لا تعني بالضرورة وجود قرار بالذهاب إلى مواجهة شاملة، بل قد تبقى ضمن حدود يمكن احتواؤها سياسياً وأمنياً.
بين مشروع الدولة ومشروع المقاومة
لا يدور الخلاف بين الجيش و"حزب الله" بقدر ما يدور بين مشروعين: مشروع الدولة الذي يقوم على احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم، ومشروع الحزب الذي يجعل لبنان ساحة تدخلات خارجية وورقة بيد دول إقليمية.
واليوم، تبدو العلاقة بين الجيش و"حزب الله" أمام اختبار هو الأخطر منذ اتفاق الطائف. لكن التجربة اللبنانية أثبتت أن الملفات الكبرى لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بالتوافقات السياسية.
فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل تقع مواجهة بين الجيش و"حزب الله"؟ بل، هل يستطيع لبنان الانتقال من مرحلة إدارة أزمة السلاح إلى مرحلة بناء دولة تحتكر وحدها القوة المسلحة من دون أن يدفع ثمن ذلك استقراره الداخلي؟
فالرهان لا يكمن في عدد قطع السلاح التي يمكن جمعها، بل في قدرة الدولة على بسط سلطتها تدريجاً، وفي قدرة الجيش على البقاء المؤسسة الجامعة لكل اللبنانيين، بعيداً من الاصطفافات السياسية والطائفية، لأن أيّ اهتزاز في هذه المعادلة لن يغيّر فقط طبيعة العلاقة بين الجيش والحزب، بل سيحدد شكل الدولة اللبنانية في السنوات المقبلة.
نفت الخارجية الإيرانية، في تصريح لـ"النهار"، مسؤولية طهران عن الهجوم الذي استهدف وحدة تخزين عائمة للغاز في ميناء دمياط، مؤكدة عدم وجود نية لتنفيذ مثل هذه العملية.