وجع العائلات في جنوب لبنان... "بيوتنا وأرزاقنا ومصالحنا راحت، مهجرون من 150 يوماً وما حدا كلف خاطره سأل عنا"

لبنان 14-08-2026 | 11:47

وجع العائلات في جنوب لبنان... "بيوتنا وأرزاقنا ومصالحنا راحت، مهجرون من 150 يوماً وما حدا كلف خاطره سأل عنا"

تقرير عن مأساة عائلة ياغي في زوطر الغربية بالنبطية نتيجة الحرب الإسرائيلية، مع تدمير المنازل ونزوح قسري وخسائر مادية وإنسانية كبيرة.

وجع العائلات في جنوب لبنان... "بيوتنا وأرزاقنا ومصالحنا راحت، مهجرون من 150 يوماً وما حدا كلف خاطره سأل عنا"
نجل عباس ياغي أمام منزل ذويه في زوطر الغربية (أحمد منتش)
Smaller Bigger

تختصر مأساة عائلة المرحوم مرتضى ياغي في بلدة زوطر الغربية (قضاء النبطية) مآسي أغلب العائلات وأهالي بلدات محافظتي الجنوب والنبطية وأوجاعهم. قد كانت هذه العائلات طوال الحرب الإسرائيلية الأخيرة، والمستمرة حتى اليوم، عرضةً للاحتلال ولأعنف الغارات من الطيران الحربي والمسيّر والقصف المدفعي الثقيل وأعمال التفخيخ والتفجير، مما أدى إلى نزوح قسري جماعي، إضافة إلى سقوط مئات الضحايا وألوف الجرحى من المقاومين والمدنيين من كلّ الأعمار والأجناس. كذلك، لم تسلم البنى التحتية والمنازل والمحلات التجارية والصناعية والاقتصادية والمراكز والصروح الدينية والتربوية والصحية من الاستهداف والقصف والتدمير، فضلاً عن كلّ ما يمت بصلة إلى مقومات البقاء والحياة.

 

المواطن عباس ياغي أمام منزله المدمر. (أحمد منتش)
المواطن عباس ياغي أمام منزله المدمر. (أحمد منتش)

 

قصة عائلة ياغي في زوطر الغربية

 

تبدأ قصة عائلة ياغي من كبيرها المرحوم مرتضى ياغي، الذي أفنى حياته مع زوجته في زراعة شتول التبغ في فصل الصيف، إلى جانب إلمامه بالبناء وتلبيس الحجر الصخري؛ الأمر الذي مكّنه من بناء منزل عائلته في أرض واسعة ورثها عن والده، على تلة عند الطرف الشمالي الغربي للبلدة، تشرف على ساحة البلدة وأحيائها الداخلية وتطل على جارتها زوطر الشرقية وكفرتبنيت ويحمر وأرنون وقلعتها التاريخية شمال نهر الليطاني، وعلى ميفدون وقرى مجاورة جنوبه. ومثلما روى أحد أبنائه لـ"النهار" أن والده كان ينقل الحجر الصخري على "الدابة". وبعد صقله بإزميله، كان يعمد إلى بناء المنزل حجراً على حجر.

 

منزل أحد أشقائه قبل تدميره.
منزل أحد أشقائه قبل تدميره.

 

3 صبيان و3 بنات

 

في الوقت نفسه، استطاع الوالد تربية أولاده الستة: 3 صبيان و3 بنات، وتوفير تعليمهم إلى أن نالوا شهادات جامعية في اختصاصات مختلفة. عباس متزوج ولديه 4 أولاد، تعلّم من والده حرفة تلبيس الحجر إلى جانب تحصيله إجازة في ادارة الأعمال. وعلى غرار  والده، استطاع بمساعدته ومعاونة شقيقيه بناء منزله الخاص. وفيما حظي الابن الأصغر صلاح بمنزل العائلة، وعمل على تحسينه وتوسعته، بنى علي المؤهل أول في الأمن العام منزله الفخم مستفيداً من قرضٍ خاص من الإسكان ومن بيع أحد العقارات. الأخوة الثلاثة كانوا قلباً واحداً، فتعاونوا معاً على استصلاح الأرض المحيطة بمنازلهم وجعلوا منها بستاناً غرسوا فيه بعض الأشجار المثمرة والمنتجة، كما صمّموا ملعباً مغطى بالغازون، "لكي لا يلعب أولادهم في الشارع" على حد ما قال علي، وحيث يمارسون فيه اللعب والرياضة أيام العطل وفي نهاية العام الدراسي.

 

 

بداية وجع العائلة

 

بدأت أوجاع عائلة مرتضى ياغي عام 1996 إبان حرب نيسان التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم "عناقيد الغضب"، إذ  تعرض المنزل الوالدي لغارةٍ من الطيران الحربي أدت إلى تدميره. وأعادوا بناءه من جديد. 
وفي الحرب  الأخيرة،  تعاظمت مأساة العائلة وأوجاعها، إذ أدت غارة من الطيران الحربي إلى تدمير  منزل عباس ياغي. وإثر توغل القوات الإسرائيلية شمال نهر الليطاني، من خلّة الراج عند الضفة الجنوبية في زوطر الشرقية، وتمكّنها من احتلال الزوطرين ويحمر وكفرتبنيت وأرنون، عمدت إلى تفجير منزلي علي وصلاح شقيقي عباس، فيما تولّت جرافة مع دبابتي ميركافا اقتلاع كل أشجار البستان وجرفه، ولم تسلم منه سوى شجرة قشطة. كذلك، خرّبت أرض ملعب الأولاد والمعدات الموجودة فيه. ومثلما نجت شجرة  القشطة، سلمت شجرة صنوبر أمام منزل عباس الذي قال إن أحد أصدقائه كان ينصحه  بقطعها لئلا يتأذّى منزله، وكان يجيبه "إن الشجرة عمرها 30 سنة، يعني حتى يزرع بدلاً منها يحتاج إلى 30 سنة لتصبح مثلها، والبيت إذا دمّر فيمكن أن أعيد إعماره في سنة أو سنتين. للأسف، البيت دمر وما بعرف إذا راح إقدر إرجع عمّر مثله بعد اليوم".

 

شجيرة قشطة سلمت من إبادة بستان.
شجيرة قشطة سلمت من إبادة بستان.

 

...وأوجاع البنات أكبر بفقدان المسعف الخلوق

 

لم يقتصر الوجع على الإخوة الثلاثة، بل طاول شقيقاتهم الثلاث أيضاً. إحداهن منزل زوجها في زوطر الشرقية، حيث تواصل القوات الإسرائيلية أبشع اعتداءاتها بتفجير المنازل من دون أن تعرف حتى الآن أي شيء عن مصيره. والثانية تصدّع منزلها الزوجي في بلدة قعقعية الجسر بعد غارة على محيطه. والوجع الأكبر  لدى سمية التي فقدت ابنها المدرب الرياضي والمسعف في جمعية "الرسالة للإسعاف الصحي"، عادل عاطف قدوح، الذي قضى بغارة إسرائيلية على محيط جبانة البلدة، خلال مشاركته في دفن أحد الموتى.

 

كل يوم يقفون على أطلال بيوتهم المدمرة

 

منذ دخول الجيش اللبناني إلى بلدة زوطر الغربية في 21 تموز الفائت، في إطار المناطق التجريبية التي أعلنها اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، يأتي إليها الأشقاء عباس وعلي وصلاح من أماكن نزوحهم، يقفون أمام ركام بيوتهم، التي تحولت إلى خراب فوق خراب، يحاولون البحث بين أنقاضها عن أي غرض سلم ولو كان صغيراً، حذاء أو لباس أو أي قطعة من مقنيات الأنتيكا التي كان يهوى علي وزوجته جمعها، ولكن من دون جدوى، فيما الأخ الأكبر عباس يحاول بدء حياته من جديد ومن داخل غرفة متصدعة في الطابق الأرضي، قبالة شجرة الصنوبر التي بقيت شامخة.

 

شجرة زيتون معمرة اقتلعتها جرافة إسرائيلية.
شجرة زيتون معمرة اقتلعتها جرافة إسرائيلية.

 

صرخة وجع... وغضب

 

بألم وغصة ووجع في القلب تحدث عباس إلى "النهار": 

"كنا عايشين عيشة أهل ضيعة، كل متطلبات الحياة موجودة، حالياً مثل ما شايفين لم يبق لدينا أي شيء، بيوتنا راحت، مصالحنا راحت، أنا كنت أعمل بالعمار والتلبيس، ما بقى عندي شيء، الخشب والسقايل جنى العمر راح. بيتي بدأت بناءه عام 1992 حجراً فوق حجر، واستغرق العمل على إنجازه سبع سنوات بسبب ضعف إمكانياتنا المادية. ما بقي إلا هذه الغرفة الصغيرة راح حاول أعمل منها منطلقاً لحياة جديدة، في حال رجعنا وقدرنا نعمّر من جديد ونؤسس لحياة جديدة".

 

الكل مطالب وعلى الأخص الأطراف المحسوبة علينا

 

وبنبرة حزينة وغاضبة، شدّد على "أن الكلّ مطالب. ما في حدا سأل عنا أو قدم أيّ مساعدة، وأكثر من ألوم الأطراف السياسية المحسوبة علينا. أقل شيء كان يفترض أن يأتي أحد ويقول إن شاء الله بتسلموا... 150 يوماً ونحنا مهجرين ما حدا كلّف خاطره يسأل عنا".

ويبقى السؤال الذي يصعب على هؤلاء الأشقاء وغيرهم الإجابة عنه، هو متى ستبنى حياتهم من جديد وكيف، بعد أن وجدوا أنفسهم مع عائلاتهم نازحين في أرضهم، من دون مأوى إثر فقدانهم في لحظات كل ما بنوه وزرعوه وجمعوه على مدى عمر كامل. وقدروا مجمل خسائرهم المادية بما لا يقلّ عن مليون دولار أميركي.

 

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
لبنان 8/13/2026 10:26:00 AM
"أعتذرُ يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذاتِ الأكباد"