!البطاقة الصحية في لبنان: مشروع وُلد مراراً ولم يُبصر النور
ليست البطاقة الصحية في لبنان مشروعا عابرا، بل تحولت إلى مشروع معلّق عبر الزمن.
بالأمس، ذكرّ رئيس لجنة الصحة النائب بلال عبد الله بأهمية المشروع، قائلا: "لو وُجدت البطاقة الصحيّة بيد المواطن اللّبناني في هذه الظّروف الأليمة، ولا سيما مع أهلنا النّازحين من خلال التغطية الصحيّة الشّاملة، لكانت المعاناة أقلّ بكثير".
فما المراحل التي مرّ فيها مشروع البطاقة الصحية؟ وما العراقيل دون تنفيذه؟
عند كل أزمة، تتكشف أكثر التحديات التي لا يزال يعانيها المواطن، وخصوصا تلك التي تتعلق بمقوّمات عيشه وصحته.
يشرح عبد الله: "أعوام كثيرة مرّت على مشروع البطاقة الصحية، ولا تزال معلّقة. لو وجدت، لتمكّنت وزارة الصحة العامة من تخفيف الكثير من الصعوبات والكلفة، فضلا عن تسهيل عمل مقدّمي الخدمات الطبيّة". ويؤكد أنه "ملف أكثر من دقيق، وسنحض على متابعته قريبا".
تغطية شاملة
مرّ مشروع البطاقة الصحية في سلسلة طويلة من المراحل القانونية والسياسية والتقنية. في الأساس، هو مشروع يهدف إلى تحقيق التغطية الصحية الشاملة.
• عام 2000: بدأ الحديث عن البطاقة الصحية كوسيلة لتنظيم ملفات المرضى وربط المستشفيات بوزارة الصحة إلكترونياً.
• 2010: كانت مرحلة التخطيط والإعلان. عامذاك طرحت فكرة البطاقة جدّيا، أداةً لتغطية المواطنين الذين لا يشملهم أي ضمان صحي إلزامي. وقُدّر عدد هؤلاء بمليوني مواطن.
• 2017: طرحت وزارة الصحة مشروع البطاقة الصحية بصيغة حديثة، وبهدف ضمان أكبر تغطية ممكنة للذين لا يستفيديون من أي ضمان.
• تنفيذا للفكرة، سارع أكثر من نائب إلى تقديم اقتراحات قوانين تهدف إلى وضع نظام صحي شامل يُرسي الحق في الصحة، ويحدد التدابير الإلزامية للوصول إلى رعاية صحية عالية الجودة. وتكون البطاقة الصحية إحدى أبرز دعائم هذه التغطية.
• 2018: بدأت اللجان النيابية المشتركة مشوارها الطويل في درس هذه الاقتراحات والمشاريع. والمفارقة أن البطاقة الصحية اجتازت وقتذاك شوطا مهماً بإقرارها في اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان النيابية المشتركة. لا بل أكثر، تم التطرق للمرة الأولى، إلى أهمية الملف الصحي الرقمي الشامل للمواطن.
لو وجدت!
بدأت مشاريع البطاقة واقتراحاتها تتنقلّ من لجنة نيابية إلى أخرى. وفي تشرين الاول 2018، "شرّحت" البطاقة من ناحية القدرة على تمويلها، داخل اجتماعات متتالية للجنة المال والموازنة. فكان أن أقرت اللجنة قانون البطاقة الصحية، لكنها علّقت أربع مواد محورية تتعلق بمرجعية البطاقة وكيفية تمويلها.
• 2019: أصدر وزير الصحة آنذاك غسان حاصباني قراراً بتشكيل "لجنة البطاقة الصحية" داخل وزارة الصحة، مهمتها إعداد الأنظمة الإلكترونية والملفات الصحية الرقمية والتجهيزات التقنية اللازمة.
• 2021: أطلقت وزارة الصحة مشروع "البطاقة الدوائية"، في خطوة تمهيدية للبطاقة الصحية الموحدة، عبر إنشاء منصة رقمية تسمح بتسجيل المواطنين والحصول على رقم صحي موحد لتتبّع الأدوية المدعومة.
يومها، رأت الوزارة أن هذه البطاقة تشكل "النواة الأساسية" للبطاقة الصحية الشاملة مستقبلاً.
... وفي المحصلة. لا شي.
تمويل وشحّ
أمام كل هذه المراحل وتعدّد التسميات، كان كل وزير صحة جديد يتسلم مهماته يتصرف كأن المشروع "من عندياته"، فيما النتيجة أن لا البطاقة أقرّت ولا المشروع نفذ. وبالطبع، لم يستفد أي مواطن.
اليوم، وفق آخر المعطيات الرقمية، يقدّر عدد اللبنانيين الذين يستفيدون من خدمات صحية وطبية، وإن اختلفت نوعيتها بين جهة وأخرى، بنحو مليونين ونصف مليون. معنى ذلك أن قسما كبيرا أيضا من اللبنانيين لا يستفيد من أي جهة ضامنة.
كان يفترض بالبطاقة، لو وجدت، أن توفر ملفا طبيا موحدا وشاملا لكل مواطن لتخفيف تكاليف إجراء الفحوص، بما يضمن فحصا طبيا شاملا وفحص دم سنوي للكشف المبكر عن الأمراض المستعصية، فضلا عن تغطية نفقات الاستشفاء على حساب وزارة الصحة.
أما الثغرة الأولى والأخيرة أمام تنفيذ مشروع البطاقة فكانت ولا تزال عقدة التمويل، والتي ضاعفتها الأزمات الاقتصادية والمالية المتتالية على البلاد، إلى جانب الحروب المتعاقبة، التي أثقلت كاهل الدولة الصحية وقدرتها، فبقي مشروع البطاقة الصحية مجرد مشروع، ولد مرارا... ولم يبصر النور!
نبض