بعلبك: حملة إزالة التعديات استنسابية...
تحت عنوان "تنظيم المدينة"، انطلقت أخيراً حملة لإزالة التعديات في مدينة بعلبك (شرق لبنان)، وهي خطوة كانت منتظرة لتكريس هيبة الدولة والمؤسسات. إلا أن المشهد الميداني وما رافقه من إجراءات، سرعان ما تحول مادة دسمة للنقاش والاعتراض في الصالونات البعلبكية وعلى لسان فعالياتها، ليس اعتراضاً على مبدأ القانون، بل على "آلية" تطبيقه التي وُصفت بالعشوائية تارةً وبالاستنسابية تارةً أخرى.
تجاوز الأصول القانونية
في قراءة متأنية لمسار التنفيذ، يبرز تساؤل مشروع تطرحه أوساط متابعة: أين تقع عمليات الدهم من الأصول القانونية المتبعة؟ المعروف إدارياً أن إزالة أي مخالفة تتطلب تدرجاً يبدأ بالإنذار الرسمي، ثم تسطير محضر ضبط، وصولاً إلى الاستحصال على إذن قضائي ومؤازرة أمنية. لكن الواقع الميداني غيّب هذه "البروتوكولات"، اذ تمت عمليات الإزالة بشكل مباغت، ما وضع البلدية في موقف المساءلة حول قانونية التحرك من دون سابق إنذار.

قصة "الكوخ" في محلة آل الرفاعي: حلٌّ اضطراري في غياب الدولة
ولعل قضية "الكوخ" في محلة آل الرفاعي كانت النقطة التي أفاضت الكأس، اذ لم تكن الساعة السادسة من صباح ذلك النهار ساعة عادية؛ ففي ظل أجواء الحرب والتوتر الأمني الذي تعيشه المنطقة، استيقظ أهالي الحي على أصوات ظنها الأطفال "غارات" قريبة، ليتبين أنها جرافة البلدية وهي تقتلع "كوخاً بلاستيكياً" تحول بمرور الوقت إلى "درع بشري" يحمي حياً بأكمله ومدرسة تضم 200 تلميذ من كارثة بيئية وأمنية.
تعود جذور القضية إلى سنوات من المعاناة مع أزمة النفايات؛ حيث تحول رصيف المدرسة في الحي إلى "مكب" تجاوزت مساحته عشرة أمتار. وبعد محاولات فاشلة شملت وضع حراس وسيارات إسعاف لردع المخالفين، وصولاً إلى تدخل الجيش اللبناني إبان الانتخابات البلدية لمنع رمي القمامة أمام مراكز الاقتراع، وُلدت فكرة "الكوخ". وبمباركة وتوافق مع البلدية في عهد تكليف مصطفى الشل ادارتها، وُضع هذا الكوخ لهدف "نفسي" بحت، حيث كان يُشغل بشكل رمزي لإيهام المارّة بوجود "مصدر رزق" يُحترم، وهو ما نجح فعلياً في وقف رمي النفايات وتأمين مدخل المدرسة.

"بلطجة" أم تطبيق قانون؟
الصدمة في محلة آل الرفاعي لم تكن في مبدأ الإزالة، بل في "الأسلوب". فالتساؤلات المشروعة تتركز على غياب الأصول الإدارية؛ إذ لم يُسطّر أي إنذار، ولم يُجرَ أي اتصال بأبناء الحي الذين نسّقوا وضع الكوخ مع البلدية أصلاً. ويقول شهود عيان إن ما جرى لم يكن "إزالة" بل "تدمير كامل" وسحق بالجرافة في مشهد وُصف بأنه "تصرف عصابات لا مؤسسات"، خصوصاً وأن أكثرية أعضاء المجلس البلدي وحتى رئيس الشرطة البلدية لم يكن لديهم علم بالعملية وتوقيتها الصباحي المباغت.

رسائل متناقضة واستنسابية
تتزايد الريبة في الشارع البعلبكي حول "الكيل بمكيالين" في اختيار الأهداف. فبينما تُهدم مبادرات أهلية تحل مشاكل البلدية، شهدت نقاط أخرى تراجعاً غير مفهوم؛ قصة "بيت إسبر" كانت المثال الأبرز، حيث دخلت الآليات قبل الظهر لفتح الطريق، ثم عادت وانسحبت وأغلقت الملف بعد الظهر. هذا التردد يطرح علامات استفهام كبرى حول توازنات القوى داخل المدينة.
رفع الغطاء وتبرئة الساحة
سياسياً، بدت لافتة محاولات تطويق التداعيات، خصوصاً مع تأكيد عدد من نواب المنطقة ورؤساء اتحاد بلديات للمعنيين، بأن هذه الخطوات لم تكن ثمرة قرار جماعي أو تشاور سياسي، بل هي تصرفات يتحمل مسؤوليتها من اتخذ القرار ونفذه بتسرع.

نبض