رفيق الحريري: ولادة زعامة في الطائف… ونهاية غيّرت وجه لبنان

لبنان 13-02-2026 | 05:40

رفيق الحريري: ولادة زعامة في الطائف… ونهاية غيّرت وجه لبنان

بين الأول من تشرين الثاني 1944 والرابع عشر من شباط 2005، امتدت مسيرة رجل طبع مرحلة كاملة من تاريخ لبنان
رفيق الحريري: ولادة زعامة في الطائف… ونهاية غيّرت وجه لبنان
صورة للرئيس رفيق الحريري في صيدا. (أحمد منتش)
Smaller Bigger

في الأول من تشرين الثاني عام 1944 وُلد رفيق بهاء الدين الحريري في مدينة صيدا، في بيت متواضع بعيد عن إرث الزعامات السياسية التقليدية. لم يكن في مساره ما يوحي بأنه سيصبح من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ لبنان الحديث، لكن مسيرته ستقوده من أحياء صيدا الشعبية إلى قلب المعادلة الإقليمية والدولية. في ستينيات القرن الماضي انتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث أسس مسيرته في عالم المقاولات، وحقق نجاحاً مالياً كبيراً جعله من أبرز رجال الأعمال العرب، ونسج علاقات وثيقة مع القيادة السعودية فتحت أمامه أبواب الدور السياسي في مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة.

مع اقتراب الحرب اللبنانية من نهايتها، برز اسم الحريري في كواليس الاتصالات التي سبقت اتفاق الطائف عام 1989. لم يكن عضواً في الوفد اللبناني الرسمي، لكنه أدّى دوراً أساسياً في تهيئة المناخ السياسي والمالي لإنجاح الاتفاق الذي أُقر في 22 تشرين الأول 1989، وشكّل الأساس الدستوري لإنهاء الحرب وإعادة بناء المؤسسات. من تلك اللحظة بدأت ولادته السياسية الفعلية، ليكلّف في 31 تشرين الأول 1992 تشكيل أولى حكوماته في ظل انهيار مالي ونقدي خطير أعقب سنوات الحرب.

بين عامي 1992 و1998 قاد الحريري مشروعاً واسعاً لإعادة الإعمار، أعاد إطلاق وسط بيروت عبر شركة "سوليدير"، وشرع في تنفيذ برامج بنى تحتية طموحة شملت المطار والطرق وشبكات الاتصالات. قدّم نفسه رجل إنقاذ اقتصادي يسعى إلى إعادة لبنان إلى الخريطة العربية والدولية، ونجح في استقطاب مؤتمرات دعم دولية، أبرزها مؤتمر "باريس 1" عام 2001 لاحقاً، إلا أن سياساته المالية القائمة على الاستدانة لتمويل إعادة الإعمار أثارت جدلاً متصاعداً حول ارتفاع الدين العام وكلفة النموذج الاقتصادي المعتمد.

في 24 تشرين الثاني 1998 انتخب قائد الجيش العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية، في لحظة سياسية عكست تبدلاً في التوازنات الداخلية والإقليمية. بعد أيام قليلة خرج الحريري من رئاسة الحكومة ليحلّ مكانه الرئيس سليم الحص. يومها قال عبارته التي بقيت عالقة في الذاكرة: "أستودع  الله هذا الوطن الحبيب…". بدت تلك اللحظة وكأنها أفول سياسي لرجل هيمن على الحياة العامة طوال ست سنوات، غير أن المشهد تبدّل سريعاً.

 

الرئيس الشهيد رفيق الحريري في مجلس النواب. (أرشيف النهار)
الرئيس الشهيد رفيق الحريري في مجلس النواب. (أرشيف النهار)

 

في صيف عام 2000، وبعد الانتخابات النيابية التي جرت بين 27 آب و3 أيلول، حقق الحريري فوزاً كاسحاً، ولا سيما في بيروت، حيث اكتسحت لوائحه كل المقاعد، متقدماً على جميع خصومه. أعادته النتائج إلى رئاسة الحكومة في 23 تشرين الأول 2000، في ذروة حضوره الشعبي والسياسي، مستنداً إلى كتلة نيابية وازنة وحضور عابر للطوائف. تزامن ذلك مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في 25 أيار 2000، ما فتح مرحلة سياسية جديدة في البلاد.

على امتداد التسعينيات وبداية الألفية، تعامل الحريري ببراغماتية مع الوجود السوري في لبنان، مدركاً أن إدارة الحكم تمر عبر دمشق. نسج علاقة عمل وثيقة مع الرئيس حافظ الأسد، إلا أن المعادلات تغيّرت بعد وفاته في 10 حزيران 2000 وتسلّم بشار الأسد السلطة. ومع تزايد التباين بينه وبين رئيس الجمهورية إميل لحود حول الصلاحيات والنهج السياسي، بدأت العلاقة مع دمشق تفقد انسجامها السابق.

عام 2004 شكّل نقطة التحول الحاسمة. في الأول من أيلول صدر القرار الدولي 1559 الداعي إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات. وفي الثالث من أيلول أقر مجلس النواب تعديل المادة 49 من الدستور لتمديد ولاية الرئيس لحود ثلاث سنوات إضافية. عارض الحريري التمديد في الكواليس، لكنه قبِل به تحت ضغط سياسي كبير، ثم قدّم استقالته في 20 تشرين الأول 2004. منذ تلك اللحظة بدا أنه انتقل إلى موقع سياسي مختلف، أقرب إلى خطاب سيادي يطالب بإعادة التوازن في العلاقة اللبنانية السورية.

في 14 شباط 2005، عند الساعة الثانية عشرة وخمس وخمسين دقيقة ظهراً، دوّى انفجار ضخم في منطقة السان جورج في وسط بيروت، مستهدفاً موكبه. اغتياله لم يكن حدثاً أمنياً عابراً، بل كان زلزالاً سياسياً أطاح بتوازنات ما بعد الطائف. في 14 آذار 2005 خرج مئات الآلاف إلى ساحة الشهداء في تظاهرة غير مسبوقة، وفي 26 نيسان 2005 انسحبت القوات السورية من لبنان بعد وجود دام نحو ثلاثة عقود.

بين الأول من تشرين الثاني 1944 والرابع عشر من شباط 2005، امتدت مسيرة رجل طبع مرحلة كاملة من تاريخ لبنان. من إعادة الإعمار إلى اكتساح انتخابات 2000، من التسوية مع دمشق إلى التباعد معها، ومن ذروة السلطة إلى لحظة الاغتيال، بقي رفيق الحريري شخصية محورية لا يمكن قراءة تحولات لبنان الحديث من دون المرور بمحطاتها. أنصاره يرونه رجل الدولة الذي أعاد بناء العاصمة وفتح أبواب العالم أمام لبنان، وخصومه يحمّلونه مسؤولية نموذج اقتصادي مثقل بالدين. لكن الثابت أن صعوده وأفوله رسما ملامح مرحلة ما زال لبنان يعيش تداعياتها حتى اليوم.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/12/2026 3:23:00 AM
أشار التقرير إلى أن هذه المحاولات تشكّل دليلاً إضافياً على أن التنظيم لا يزال مصمّماً على تقويض الحكومة السورية الجديدة
شمال إفريقيا 2/10/2026 11:07:00 PM
يقول رئيس الهيئة العامة السورية للاجئين في مصر تيسير النجار، في حديث لـ"النهار": "أفادت التقارير التي بلغتنا بأن عمليات الترحيل تحدث بالفعل، ونسمع من إخوة لنا عمّا يحصل".
صحة وعلوم 2/11/2026 6:16:00 PM
تتكرر في لبنان والعالم الحوادث التي يتوقف فيها القلب فجأة ومن دون علامات سابقة، سواء بين المراهقين والشباب أو حتى بين الأطفال، فيما كانت هذه الفئات العمرية تُعدّ  محميّة من هذا النوع من المشكلات باعتبارها تتمتع بصحة أفضل.
دوليات 2/12/2026 11:14:00 PM
امرأة خمسينية تعترف بوضع رضيعين في مجمّد منزلها شرقي فرنسا… والسلطات تفتح تحقيقاً بتهمة قتل قاصرين.