أفريقيا تشهد 86% من عمليات "داعش"... والعالم يبحث في سوريا والعراق
رغم تراجع تنظيم "داعش" في الشرق الأوسط، فقد استعاد زخمه خلال السنوات الأخيرة في عدة مناطق أفريقية، خصوصاً المناطق الحدودية الواقعة بين دول ضعيفة تعيش فيها فئات سكانية مهمشة. وفي الوقت الذي تنشغل أجهزة الاستخبارات الغربية بمراقبة ما تبقّى من فلول "داعش" في الشام وكهوف جبال حمرين في العراق، حيث تراجعت أنشطة الجماعات المتطرفة بشكل ملحوظ، تشهد الهجمات في أفريقيا ارتفاعاً مستمراً. فمن منطقة "الحدود الثلاثية" بين بوركينا فاسو والنيجر ومالي، مروراً بمنطقة بحيرة تشاد، وصولاً إلى شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية، تتكرر ديناميكيات التنظيم نفسها.
حقيقة صادمة بالأرقام
الأرقام التي أبرزتها تقارير رصد الإرهاب في الربع الأول من عام 2026 كشفت عن حقيقة لا تقبل الجدل؛ فقد انتقل "مركز ثقل الخلافة" جغرافياً، وباتت القارة السمراء مسرحاً لنحو 86% من إجمالي عمليات التنظيم العالمية.
فالجماعات الموالية لـ"داعش" والعاملة عبر فروعه الإقليمية في غرب أفريقيا باتت مسؤولة عن أغلب الهجمات والضحايا والتوغلات الميدانية والعمليات المنسقة المرتبطة بالشبكة الإرهابية العالمية، إذ إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائية عابرة، بل إعلان عن "ولادة ثانية" لتنظيم اعتقد العالم أنه جرى وأده في معركة الباغوز عام 2019.
لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن المجتمع الدولي، الذي أنفق مليارات الدولارات على "تحالف دولي" لمحاربة "داعش" في العراق وسوريا، لا يزال يوجه بوصلته نحو الشرق الأوسط. وفي ظل الصعوبات التي تواجهها المنطقة، يركز التنظيم جهوده على القارة الأفريقية، حيث يفتح فروعاً جديدة.
منطق جغرافي متكرّر
يعتمد تمدّد "داعش" في أفريقيا على منطق جغرافي متكرر، إذ يرسخ وجوده في المناطق الحدودية التي يستخدم فيها الجهاديون الحدود الدولية كملاذ يحميهم من هجمات الجيوش النظامية.
وتُعد "الحدود الثلاثية" المثال الأبرز على ذلك، ففي هذه المنطقة الممتدة عبر الدول الثلاث، يستطيع مقاتلو "داعش الصحراء الكبرى" الفرار من العمليات العسكرية للجيش النيجري واللجوء إلى مالي أو بوركينا فاسو، في حين تظل الجيوش النظامية مقيدة باحترام الحدود الدولية وسيادة الدول المجاورة.
ولا يقتصر هذا النمط الجغرافي على الساحل، بل يمتد إلى منطقتي بحيرة تشاد وشمال كيفو في الكونغو الديموقراطية، حيث تستفيد جماعة تحالف القوى الديموقراطية (ADF) من تأثير الملاذ الذي توفره الحدود بين أوغندا والكونغو الديموقراطية.
من مناطق مهمشة إلى أراضٍ للجهاد
إلى جانب كونها مناطق حدودية، فإن الملاذات الجديدة لـ"داعش" في أفريقيا تقع في أراضٍ مهمشة سياسياً واقتصادياً، وأحياناً ثقافياً؛ فهي بعيدة عن المراكز الحضرية، ويقطنها أبناء أقليات عرقية، ما يعزز مشاعر السخط تجاه الدولة المركزية، ويغذي النزعات الانفصالية التي يستغلّها التنظيم لتوسيع صفوفه.
وتُعدّ منطقة بحيرة تشاد، الممتدة بين نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون، نموذجاً واضحاً لهذه العلاقة بين التهميش وتمدد التنظيم. فـ"بوكو حرام" يعتمد على شعور قبيلتي الهوسا والكانوري المسلمتين في شمال نيجيريا بالإقصاء من قبل دولة يهيمن عليها سياسياً أبناء الجنوب، ومن بينهم اليوروبا.
كذلك، تستفيد الجماعة من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة الناتجة عن جفاف بحيرة تشاد. ففي هذه المناطق تتراجع الأنشطة الإنتاجية وتزدهر الأنشطة الإجرامية، مثل عصابات قطع الطرق حول بحيرة تشاد، ما يخلق بيئة خصبة لتجنيد المقاتلين.

العوامل التي تعيق انفجار الجهاد الأفريقي
رغم أن مناطق مثل بحيرة تشاد والحدود الثلاثية وشمال كيفو تميل إلى التحوّل إلى ملاذات آمنة لـ"داعش"، فإن هناك عدة عقبات تحد من ترسخ التنظيم، أبرزها أن نجاح الجماعات الجهادية في العراق وسوريا ارتبط إلى حد كبير برفض السكان للاحتلال الأجنبي، كما حدث في العراق عام 2003.
وعلى العكس، في أفريقيا، وبعد انسحاب القوات الفرنسية من مالي، لم تعد هناك قوى أجنبية كبرى حاضرة ميدانياً باستثناء روسيا، ما يحرم الجماعات الجهادية من تقديم نفسها بوصفها حركات مقاومة ضد احتلال أجنبي.
كذلك، فإن خطاب "داعش" ليس قادراً بعد على إيجاد أرضية مناسبة في أفريقيا، فمعظم المسلمين ينتمون إلى المذهب السني، رغم تنامي الحضور الشيعي في بعض المناطق، ما يجعل من الصعب على التنظيم إعادة إنتاج الصراع السني - الشيعي الذي غذّى نشاطه في العراق وسوريا.
وعليه، تشير المعطيات الأمنية إلى أن "داعش" انتقل تدريجياً من مرحلة الدفاع عن معاقله التقليدية في الشرق الأوسط إلى استراتيجية توسع أفريقية تعتمد على استغلال هشاشة الدول والصراعات المحلية، وأن استمرار توجيه معظم الموارد الاستخباراتية والعسكرية نحو سوريا والعراق، اللذين لم يعودا يمثلان سوى أقل من 10% من نشاط التنظيم، يُعد بمثابة نوع من "مطاردة السراب".
لذلك، حان الوقت للتوقف عن البحث عن "داعش" في المكان الخطأ، فأي تقاعس في مواجهة هذه التهديدات قد يسمح للتنظيمات الإرهابية بتعزيز وجودها داخل المجتمعات الهشة، وتوسيع نفوذها الجغرافي، وتصدير حالة عدم الاستقرار إلى ما بعد القارة السمراء.
نبض