هل يقود ترامب أميركا إلى أسوأ انتكاسة استراتيجية منذ الحرب العالمية الثانية؟

هل يقود ترامب أميركا إلى أسوأ انتكاسة استراتيجية منذ الحرب العالمية الثانية؟

"مشكلة استراتيجية في طريقة استخدام واشنطن لأدوات نفوذها".
هل يقود ترامب أميركا إلى أسوأ انتكاسة استراتيجية منذ الحرب العالمية الثانية؟
دونالد ترامب (رويترز)
Smaller Bigger

يقدم المحلل السياسي الفرنسي بيار هاسكي قراءة شديدة الانتقاد لطريقة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحرب مع إيران، ويرى أن القرارات التي اتخذتها واشنطن خلال الأزمة ألحقت، من وجهة نظره، أضرارا بصورة الولايات المتحدة وقدرتها على ممارسة الضغط، كما وفرت لإيران وروسيا والصين فرصا أوسع للتحرك في مواجهة النفوذ الأميركي.

وفي تحليل نشره هاسكي في مجلة "لونوفيل أوبسرفاتور"، يذهب إلى حد وصف التعامل مع الملف الإيراني بأنه من أسوأ القرارات الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، مستندا في ذلك إلى ما يعتبره تراجعا في فاعلية الديبلوماسية الأميركية، وحدودا متزايدة لاستخدام العقوبات، وصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية واضحة.

ويركز هاسكي على أربعة مسارات رئيسية يقول إنها تكشف، في تقديره، حجم الانتكاسة التي واجهتها إدارة ترامب.

 

بيار هاسكي (أرشيفية)
بيار هاسكي (أرشيفية)

 

تفاهمات فرساي.. تنازلات لم تحقق الهدف
يرى هاسكي أن أحد أبرز مظاهر الارتباك ظهر في المسار الديبلوماسي، ولا سيما ما يسميه "كارثة فرساي".

وبحسب روايته، قدمت إدارة ترامب خلال تلك المرحلة تنازلات مرتبطة بالأصول الإيرانية المجمدة، في مقابل تفاهمات تتعلق بـ مضيق هرمز واستئناف المفاوضات بشأن الملف النووي.

لكن هاسكي يعتبر أن هذه التفاهمات لم تؤد إلى تسوية مستدامة، ويرى أن تقديم تنازلات من دون ضمانات كافية لتنفيذ الالتزامات المقابلة أضعف، في تقديره، موقع واشنطن التفاوضي.

كما يعتقد أن هذا المسار قد يكون عزز موقف التيارات الإيرانية الأكثر تشددا، التي يمكن أن تقرأ التراجع الأميركي باعتباره مؤشرا إلى إمكانية انتزاع تنازلات إضافية من واشنطن عبر إطالة أمد الأزمة.

 

مشهد من العاصمة الإيرانية طهران (أرشيفية)
مشهد من العاصمة الإيرانية طهران (أرشيفية)

 

العقوبات أمام اختبار الصين
أما المسار الثاني الذي يتوقف عنده هاسكي، فيتعلق بالعقوبات الاقتصادية، حيث سعت إدارة ترامب إلى توسيع نطاق الضغط على إيران ليشمل الجهات التي تواصل شراء النفط الإيراني، لكن الصين، وفقا للتحليل، شكلت اختبارا مختلفا للقدرة الأميركية على تنفيذ هذه السياسة، نظرا إلى حجمها الاقتصادي وعلاقاتها التجارية مع طهران. وتظهر تقارير حديثة أن استمرار شراء الصين للنفط الإيراني يمثل تحديا مهما لمحاولات واشنطن تشديد الضغط الاقتصادي على طهران.

ويرى هاسكي أن تردد الإدارة الأميركية في الذهاب إلى مواجهة اقتصادية واسعة مع بكين كشف، من وجهة نظره، عن حدود العقوبات الأحادية عندما تواجه الولايات المتحدة قوة اقتصادية كبرى.

ولا يعني ذلك، في تحليله، أن العقوبات فقدت فاعليتها بالكامل، وإنما أن قدرتها على فرض الإرادة الأميركية تصبح أكثر تعقيدا عندما يكون الطرف الآخر مدعوما بعلاقات تجارية ومالية واسعة مع قوى دولية أخرى.

إيران تتحرك في فضاء دولي أوسع
أما على المستوى الجيوسياسي وهو المسار الثالث، فيرى هاسكي أن الضغط الأميركي لم يؤد بالضرورة إلى عزل إيران بالدرجة التي كانت واشنطن تسعى إليها.

ويستند في ذلك إلى حضور طهران داخل منظمة شنغهاي للتعاون، وإلى علاقاتها المتنامية مع روسيا والصين، معتبرا أن الأزمة منحت هذه الأطراف مساحة إضافية لتنسيق المواقف وإظهار قدر من التضامن السياسي مع إيران.

وتشير التطورات الأخيرة بالفعل إلى أن الحرب والضغوط الاقتصادية الأميركية على طهران أصبحت من الملفات المطروحة داخل منظمة شنغهاي، التي تضم إيران إلى جانب الصين وروسيا والهند ودول أخرى، وإن كانت المنظمة لا تمثل تحالفا سياسيا أو عسكريا موحدا.

ومن منظور هاسكي، فإن مجرد قدرة إيران على مواصلة تحركها الديبلوماسي داخل هذه الأطر يمثل مؤشرا على أن سياسة العزل الأميركية تواجه، في تقديره، صعوبات أكبر مما كانت عليه في السابق.

 

مؤشرات تحذيرية تلاحق الجمهوريين مع احتدام سباق انتخابات الكونغرس

 

التفوق العسكري لا يحسم وحده نتيجة الحرب
المسار الرابع في قراءة هاسكي يتعلق بالجانب العسكري، حيث يرى أن إدارة ترامب واجهت المشكلة التقليدية التي تواجهها القوى الكبرى في الحروب: سهولة بدء العمليات العسكرية مقارنة بصعوبة تحديد طريقة واضحة لإنهائها.

وبحسب تحليله، تستطيع الولايات المتحدة توجيه ضربات قوية إلى أهداف إيرانية واستخدام تفوقها الجوي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القوة العسكرية وحدها قادرة على فرض تسوية سياسية أو تغيير سلوك النظام الإيراني.

ويرى هاسكي أن هذه المعضلة تصبح أكثر وضوحا عندما لا تكون الأهداف السياسية النهائية للحرب محددة بصورة يمكن ترجمتها إلى نتيجة قابلة للتحقق.

كما يشير إلى أن استمرار الحرب يضع واشنطن أمام معادلة صعبة: فإذا خففت التصعيد من دون تحقيق جميع أهدافها، قد تواجه اتهامات بالتراجع، وإذا واصلت الحرب، فقد تجد نفسها أمام مواجهة أطول وأكثر كلفة.

مشكلة "اليوم التالي"
ومن هنا يركز هاسكي على ما يعتبره الحلقة الأضعف في إدارة الحرب: غياب تصور واضح لما بعد العمليات العسكرية.

فمن وجهة نظره، قد يكون من الممكن إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية، لكن تحويل ذلك إلى اتفاق سياسي أو تغيير مستدام في سلوك طهران يظل مسألة مختلفة تماما.

ويرى أن إيران قد تعتبر قدرتها على الصمود أمام الضغوط الأميركية إنجازا سياسيا بحد ذاته، حتى في حال تكبدها خسائر كبيرة، وهو ما يجعل إعلان واشنطن تحقيق "النصر" أكثر تعقيدا.

ويضع هاسكي هذه المعضلة في إطار أوسع، معتبرا أن قوة الولايات المتحدة لا تقاس فقط بقدرتها على توجيه الضربات، وإنما أيضا بقدرتها على ترجمة التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة.

الخطر في التداعيات الأوسع
وفي خلاصة تحليله، لا يصف هاسكي ما جرى بأنه مجرد سلسلة من الأخطاء التكتيكية، بل يرى أنه يعكس، في تقديره، مشكلة استراتيجية أوسع في طريقة استخدام واشنطن لأدوات نفوذها.

ويعتقد أن إدارة ترامب أضعفت، من وجهة نظره، بعض عناصر القوة الأميركية من خلال التراجع عن تفاهمات ديبلوماسية، ومواجهة حدود العقوبات أمام الصين، وصعوبة عزل إيران، ثم الدخول في حرب لا تبدو نهايتها السياسية واضحة.

ويرى المحلل الفرنسي أن هذه التطورات قد تمنح إيران وروسيا والصين فرصة لتوسيع هامش تحركها، وربما تسريع التحول نحو نظام دولي أكثر تعددية وأقل اعتمادا على النفوذ الأميركي.

وبذلك، فإن حكم هاسكي لا ينصب فقط على نتائج الحرب نفسها، وإنما على ما يعتبره تداعيات بعيدة المدى لطريقة إدارة واشنطن لها، إذ يخشى أن تكون الأزمة قد كشفت، أكثر مما أضعفت، حدود الأدوات التي اعتادت الولايات المتحدة استخدامها للحفاظ على نفوذها الدولي. 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 9/5/2026 6:02:00 PM
قضت محكمة جنايات القاهرة بإعدام المنتجة الفنية سارة خليفة وعدد من المتهمين في قضية جلب المواد المخدرة وتصنيعها والاتجار بها، كما أصدرت أحكاماً بالسجن المؤبد وبرّأت متهمين آخرين.
تركيا 9/6/2026 4:04:00 PM
لقي رجل تركي يبلغ 39 عاماً مصرعه في ألانيا بعدما قفز برأسه من رصيف فندق إلى مياه لم يتجاوز عمقها 50 سنتيمتراً، ليرتطم بقاع البحر ويصاب بكسر قاتل في الرقبة.
لبنان 9/5/2026 11:45:00 AM
متحفٌ للفنون حيث يزدان بشتى اللوحات الرائعة لنخبة من الفنانين الجنوبيين وغيرهم
لبنان 9/6/2026 1:25:00 PM
الغارات الإسرائيلية المتواصلة على بلدات الجنوب والنبطية تخلف ضحايا ودماراً واسعاً، وتزيد من معاناة الأهالي.