أميركا والمحكمة الجنائية… تاريخ من المواجهات بين المنظمة المستقلة والدولة المتوجسة

أميركا والمحكمة الجنائية… تاريخ من المواجهات بين المنظمة المستقلة والدولة المتوجسة

من دعم العدالة الدولية إلى فرض العقوبات على قضاتها، علاقة مضطربة بين أميركا والمحكمة الجنائية تكشف تاريخاً طويلاً من التوجس والصدام والخصومة.
أميركا والمحكمة الجنائية… تاريخ من المواجهات بين المنظمة المستقلة والدولة المتوجسة
أحد المارة يلتقط صورة لشعار المحكمة الجنائية الدولية أمام مقرها في لاهاي، 28 آذار (مارس) 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

هذه علاقة لم تكن صحية بين الطرفين، على الرغم من أن طرفها الأول، أميركا، لطالما أبدت اهتمامها بتحقيق العدالة والاقتصاص من الجناة إلى أي بلد انتموا، بينما الطرف الثاني، المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، هي تحديداً هذه: تحقيق العدالة.

أميركا لطالما كانت شديدة الحماسة لمبدأ المساءلة الجنائية الدولية، من محكمة نورمبرغ، التي وضع فيها قاضي المحكمة العليا روبرت جاكسون مبادئ المسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم الإبادة الجماعية والحرب وضد الإنسانية، وقد وقفت النازية في حينها أمام قوس المحكمة عبر مسؤوليها. لاحقاً، كان دعمها مادياً واستخبارياً وسياسياً حاسماً في إنشاء محكمتي يوغوسلافيا السابقة ورواندا.

لماذا إذن لم تنضم إلى منظمة دولية مستقلة مثل المحكمة الجنائية الدولية، وصوتت ضد نظام روما الأساسي سنة 1998، وقررت ألا تنضم إلى المحكمة، مع 6 دول أخرى منها الصين وإسرائيل؟ الاعتراض الأميركي الأساسي كان على احتمال ممارسة المحكمة اختصاصها على مواطني الدول غير الأطراف في جرائم ارتُكبت على أراضي دول أطراف، وضعف رقابة مجلس الأمن، ومخاطر المقاضاة السياسية لأفراد أميركيين.

 

من كلينتون إلى بوش

بشكل أو بآخر، فضّلت الولايات المتحدة عدم الانضواء في منظمة ليست لها اليد الطولى في قراراتها، ويمكن لها أن تنظر في قضايا مرفوعة ضد مواطنيها الأميركيين، من الرؤساء نزولاً. ومع أن الرئيس السابق بيل كلينتون وقّع في آخر يوم من عام 2000 على النظام الأساسي، في آخر يوم للمهلة المعطاة لأميركا للتوقيع، فإنه لم يرسله إلى الكونغرس، ليمحو الخلف توقيع السلف حين أبلغت أميركا عام 2002، في عهد جورج دبليو بوش، الأمم المتحدة رسمياً أنها لن تصدّق على النظام، وأقرّت في العام نفسه قانون حماية أفراد الخدمة العسكرية الأميركيين (قانون غزو لاهاي)، الذي حظر التعاون الأميركي مع المحكمة، وقيّد المساعدة العسكرية للدول الأطراف التي لم تبرم اتفاقيات حصانة ثنائية تحمي الأفراد الأميركيين من التسليم، ويخوّل الرئيس الأميركي استخدام جميع الوسائل الضرورية والمناسبة لتحرير أي فرد أميركي أو حليف محتجز لدى المحكمة أو نيابة عنها.

لدى أميركا، وحروبها كلها جرت على أراضي الآخرين، ما تخاف منه أمام محكمة دولية مستقلة كالمحكمة الجنائية. خوفها ينسحب على إسرائيل الناشطة بدورها في حروب لا تنتهي، آخرها تعيشه غزة ولبنان منذ 2023.

لا تعترف أميركا بالمحكمة الجنائية إذاً، لكنها ليست في مواجهة ضارية ودائمة معها. باراك أوباما عاد إلى الانتقاء في دعم المنظمة في ملفات محددة مثل الملف الليبي، وبقي على وئام معها، إلى أن جاء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أول مرة، وكعادته شهر سيفه وفتح حرباً على المحكمة التي لا تملك، برأيه، لا اختصاصاً ولا شرعية ولا سلطة، وأن أميركا لن تسلّم سيادتها قط لبيروقراطية عالمية غير منتخبة وغير خاضعة للمساءلة، ليوقّع أمراً تنفيذياً في آخر سنة من ولايته يفرض فيه عقوبات على مسؤولي المحكمة، معتبراً أفعالهم تهديداً غير عادي واستثنائياً للأمن القومي الأميركي.

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحافيين في موقع إنشاء مهبط للمروحيات في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن، 19 آب (أغسطس) 2026. (أ ف ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحافيين في موقع إنشاء مهبط للمروحيات في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن، 19 آب (أغسطس) 2026. (أ ف ب)

 

من بوتين إلى نتنياهو

 

عقوبات ألغاها جو بايدن في العام اللاحق، وعادت إدارته إلى سياسة أوباما في التعامل مع المحكمة، داعمة تحقيق المحكمة في أوكرانيا بعد الحرب مع روسيا، ورحبت بمذكرة التوقيف الصادرة بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لتعود الإدارة نفسها إلى الغضب من المحكمة وعليها بعد إصدار الأخيرة مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. تناقض فاقع في التعاطي مع ملفات المحكمة الجنائية يبرز أزمة أميركا مع المحكمة، مع استقلاليتها، وليس العكس.

ثم عاد ترامب مرة ثانية، وللمرة الثانية شهر سيفه، يساعده ماركو روبيو، بعدوانية أكبر، آخرها فرض عقوبات على رئيسة المحكمة توموكو أكاني والمدعي عبد الله سي، وجمّدت أي أصول لهما في الولايات المتحدة. السبب، بحسب روبيو، صريح بشدة ومباشر: مذكرتا التوقيف بحق نتنياهو وغالانت. العقوبات التي طالت 13 موظفاً ومسؤولاً في المحكمة حتى الآن لن تكون النهاية، بحسب روبيو أيضاً، بل بداية لخطته المعلنة لتفكيك المحكمة حجراً حجراً لو لزم الأمر، عبر عزلها وتشجيع دول أعضاء، وفق الطريقة الأميركية للتشجيع، على الانسحاب منها.

أميركا، إذن، في حرب مفتوحة مع المحكمة التي ليس عليها إلا الصمود حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث يمكنها أن تأخذ استراحة محارب إذا كان الرئيس ديموقراطياً، أما إذا كان جمهورياً، فلن تجد وقتاً لالتقاط نفسها، بخاصة إذا كان الرئيس هو روبيو نفسه.

 

رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني، التي فرضت عليها واشنطن عقوبات، لدى وصولها إلى مقر المحكمة في لاهاي، 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024. (أ ف ب)
رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني، التي فرضت عليها واشنطن عقوبات، لدى وصولها إلى مقر المحكمة في لاهاي، 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024. (أ ف ب)

 

 

الأكثر قراءة

تركيا 8/20/2026 5:44:00 PM
نشاط زلزالي من الكاريبي إلى اليابان وشرق المتوسط يثير التساؤلات عن وجود رابط بين الهزات المتزامنة. الباحثة السورية في الجيوفيزياء التطبيقية الدكتورة رشا عامر تشرح حركة الصفائح ومناطق الخطر، وتطرح سيناريو لنقل الإجهاد في جنوب تركيا
لبنان 8/20/2026 7:06:00 PM
أمن الدولة يوقف شخصاً وزوجته في الحازمية بعد شكاوى بشأن تسعيرة المولدات، ويضبط في منزلهما مخدرات وأسلحة وذخائر و4 طائرات مسيّرة.
لبنان 8/20/2026 8:53:00 PM
فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 10 أشخاص قالت إنهم يشكلون شبكة لنقل الأموال إلى "حزب الله"، مستخدمين رحلات جوية تجارية لنقل مبالغ تصل إلى مئات ملايين الدولارات خارج النظام المالي الرسمي.
لبنان 8/21/2026 6:24:00 AM
رأت المصادر الفرنسية أنّ عدم اليقين يسيطر حالياً على الوضع في جنوب لبنان