مجلس النواب الأميركي يرفض إلغاء المساعدات لإسرائيل... نحو نصف الديموقراطيين أيّدوا الخطوة
رفض مجلس النواب الأميركي، الأربعاء، مشروعاً يقضي بإلغاء المساعدات الأميركية لـ إسرائيل، إلا أن ما يقرب من نصف أعضاء الحزب الديموقراطي أيدوا الخطوة، في مؤشّر إلى تحوّل سريع وجذري داخل الحزب بعيداً من عقود من الدعم غير المشروط للدولة العبرية.
وكان المشروع ينص على شطب كامل المساعدات العسكرية والإنسانية الأميركية لإسرائيل، البالغة 3.3 مليارات دولار، من مشروع قانون مخصص لتمويل الشؤون الخارجية. وسقط المشروع بنتيجة 314 صوتاً مقابل 104، فيما صوّت 10 أعضاء بـ"الحضور" من دون تأييد أو رفض، وصوّت جميع الجمهوريين تقريباً ضده باستثناء النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي توماس ماسي، أحد مقدّمي المشروع.
لكن اللافت أن عدد الديموقراطيين الذين أيّدوا المشروع فاق عدد الذين عارضوه، بمن فيهم نواب قالوا إنهم صوّتوا لمصلحته رغم اعتراضهم على خفض المساعدات الإنسانية. ويُعد ذلك أحدث وأوضح دليل على الانقسام العميق داخل الحزب الديموقراطي بشأن دعم إسرائيل، في ظل تنامي حالة الرفض داخل قواعد الحزب لسياسات إسرائيل وطريقة إدارتها الحرب في غزة.
وقال مؤيّدو المشروع إن التصويت لمصلحته كان الوسيلة الوحيدة المتاحة لهم للتعبير عن رفضهم لسياسات الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ولبنان، وللمطالبة بإحداث تغيير جذري في مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكتب النائب الديموقراطي عن ولاية تكساس ورئيس التجمّع التقدّمي في الكونغرس، غريغ كاسار، في رسالة إلى أعضاء كتلته، دعا فيها جميع أعضائها الـ98 إلى التصويت لمصلحة المشروع: "كنت أتمنى لو أتيح لنا التصويت على تعديل يقتصر على المساعدات العسكرية فقط مع الإبقاء على البرامج الإنسانية، لكن هذا الخيار غير متاح"، مضيفاً: "الشعب الأميركي يطالب بوقف استخدام أموال دافعي الضرائب لتمويل الجيش الإسرائيلي".
وأظهر التصويت انقساماً حتى داخل قيادة الحزب الديموقراطي.
فقد صوّت زعيم الأقلية الديموقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز، والنائب بيت أغيلار، ثالث أعلى مسؤول ديمقراطي في المجلس، ضد المشروع، بينما أيّدته النائبة كاثرين كلارك، مسؤولة الانضباط الحزبي للديموقراطيين.
وقالت كلارك إنها دعمت المشروع "ليس لأنني أوافق على جميع بنوده أو على الدوافع السياسية للجمهوريين لطرحه، بل لأنني أعتقد أنّنا بحاجة إلى تغيير المسار".
وقبيل التصويت، وصفت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي المشروع بأنه "خيار مؤسف"، لكنّها أعلنت أنها ستدعمه "للرسالة التي يبعث بها".
وفي النتيجة النهائية، صوّت 103 نواب ديموقراطيين لصالح وقف المساعدات لإسرائيل، مقابل 98 نائباً عارضوا ذلك، فيما اختار 10 التصويت بـ"الحضور". وبذلك، امتنع أكثر من نصف الكتلة الديموقراطية عن رفض مشروع كان من شأنه إنهاء المساعدات الأميركية لإسرائيل.
وخلال الأسابيع التي سبقت التصويت، واجه الديموقراطيون صعوبة في تحديد موقفهم من المشروع الذي قدمه ماسي، المعروف بمعارضته التدخلات الخارجية، إذ اعتبر كثيرون أنه محاولة متعمّدة لوضع الحزب الديموقراطي في مأزق سياسي وإحداث انقسام داخله.
وعقد جيفريز، المعروف بدعمه التقليدي لإسرائيل، اجتماعين استثنائيين للكتلة الديموقراطية لمناقشة المشروع، في خطوة نادرة عكست مدى حساسية الملف داخل الحزب.
وفي رسالة أعلن فيها معارضته للمشروع، دعا جيفريز للمرة الأولى إلى "إعادة ضبط شاملة" للعلاقات الأميركية-الإسرائيلية، ملمحاً إلى أن الديموقراطيين، إذا استعادوا الأغلبية في الكونغرس، قد يشترطون تقديم أي مساعدات أمنية لإسرائيل بعدم ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان بحق الفلسطينيين.
ورغم معارضته للمشروع، أقر جيفريز بأن هناك "أسباباً مشروعة" تدفع الأعضاء إلى التصويت بطرق مختلفة.
لكن عشرات الديموقراطيين، رغم تحفظاتهم، قرّروا تأييد المشروع.
وقال النائب الديمقراطي عن تكساس خواكين كاسترو خلال جلسة المجلس: «الدفاع عن النفس لا يشمل قصف المنازل بشكل عشوائي»، منتقداً رد حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
كما أعلن النائب الديمقراطي عن ماساتشوستس سيث مولتون، الذي كان يُعد سابقاً من أبرز مؤيدي إسرائيل، دعمه وقف جميع المساعدات، قائلاً: «لم يعد بإمكاننا الاستمرار في التغاضي عن سياسات نتنياهو التي تتعارض مع ضميرنا الأخلاقي ومصالحنا الأمنية الوطنية عبر الإبقاء على الوضع القائم».
وأضاف مولتون، الذي يخوض سباقاً إلى مجلس الشيوخ، أنه لن يقبل بعد الآن تبرعات من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)، التي قال إنها أصبحت تمثل عبئاً سياسياً داخل الحزب الديمقراطي.
في المقابل، لم يعارض المشروع علناً سوى عدد محدود من الديمقراطيين.
"شق الصف"
وقال النائب الديموقراطي عن كاليفورنيا براد شيرمان إن الهدف الوحيد من المشروع هو "شق صف الحزب الديموقراطي"، ووضعه في صف من يقولون إن إسرائيل لا تملك حق الوجود".
أما النائب الديموقراطي عن ماريلاند ستيني هوير، وهو من أبرز حلفاء "إيباك"، فحث زملاءه على التصويت ضده، معتبراً أن تأييده "تصويت ضد أمن الولايات المتحدة وسلامتها".
وجاء التصويت في توقيت بالغ الحساسية، إذ تزامن مع استئناف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي انخرط فيها الرئيس دونالد ترامب بناءً على طلب إسرائيل، وبعد أسابيع من خسارة ثلاثة نواب ديموقراطيين حاليين الانتخابات التمهيدية أمام مرشحين من اليسار المتشدّد جعلوا من دعمهم لإسرائيل محوراً رئيسياً في حملاتهم.
وقال جيريمي بن عامي، رئيس جماعة الضغط "جي ستريت" ذات التوجه الوسطي اليساري: "أعضاء الكونغرس يدركون تماماً أن المشهد يتغير. ومحاولة إيجاد موقف متوازن يشعرون بالارتياح تجاهه أصبحت تحدياً حقيقياً".
وبات دعم إسرائيل يشكل عبئاً سياسياً متزايداً بين الناخبين الشباب والتقدميين، وهم من أبرز قواعد الحزب الديمقراطي. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن هذا التحول يتجاوز هذه الفئات، إذ أظهر استطلاع أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع "سيينا" في أيار/مايو أن 74 في المئة من الناخبين الديموقراطيين يعارضون تقديم مساعدات اقتصادية أو عسكرية إضافية لإسرائيل، بما في ذلك أغلبية كبيرة في مختلف الفئات العمرية.
وقبيل التصويت، أعلنت "جي ستريت" معارضتها للمشروع، لكنها أوضحت أن بإمكان الأعضاء، بحسب ما يمليه عليهم ضميرهم، التصويت بـ"نعم" أو "لا" أو "الحضور"، لأن التصويت يمثّل "واحدة من الفرص القليلة للتعبير رسمياً عن الاعتراض على كيفية استخدام الحكومة الإسرائيلية للمساعدات العسكرية والأسلحة الأميركية".
وقال بن عامي إن نتيجة التصويت تعكس تحولاً جذرياً حدث بالفعل، وربما يكون "أسرع انقلاب في الرأي العام الأميركي حول قضية سياسية منذ تشريع زواج المثليين".
وأضاف: "انتهى زمن شعار: إسرائيل، سواء كانت على حق أم على خطأ، بوصفه التيار السائد في السياسة الأميركية. نحن نرسم اليوم معالم الواقع الجديد".
من جهته، قال ماسي، الذي خسر أخيراً الانتخابات التمهيدية أمام منافس مدعوم من ترامب ركز حملته على دعمه لإسرائيل، إن مشروعه "يعبّر عن المنطق السليم".
وأضاف في مجلس النواب: "نرسل إلى إسرائيل في هذا القانون أموالاً أكثر مما ننفقه على قدامى المحاربين المشردين في بلادنا. يجب أن يتوقّف ذلك. ينبغي أن نخفف عنها. فهي أكبر متلقٍ للمساعدات الأميركية".
لكن عدداً من الديموقراطيين المؤيّدين لإسرائيل أعربوا عن قلقهم من التحول الذي يشهده الحزب.
وقال النائب الديمقراطي عن نيوجيرسي جوش غوتهايمر، وهو من أبرز الداعمين لإسرائيل: "أصبح دعم العلاقات الأميركية-الإسرائيلية سريعاً موقفاً أقلوياً بين الديموقراطيين في الكونغرس، وهو تحول زلزالي وصادم حدث خلال فترة وجيزة".
وأضاف: "لدينا اشتراكيون يخوضون حملاتهم على منصة مناهضة لأميركا، شعارها: نعم لـ حماس، ولا لدعم أحد أقرب حلفائنا الديموقراطيين".
نبض