الخطر العسكري للإثارة... ترامب و"أفلام الحرب"
"يحب ترامب أعمال الحرب لا الحرب".
هذا توصيف بعض المراقبين للجوء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو: بث مباشر لقوات خاصة وهي تقتحم مجمّعاً محصّناً لاعتقال هدف بالغ الأهمية. وكل هذا بلا ضحايا.
بعبارة أخرى، ربما يحبّ ترامب أفلام الحرب لا الحرب. ومن حسن حظه أن مهارة الجيش الأميركي وفرقة "دلتا" أبهمت الخط الفاصل بين الموضوعين.
لكن "تلفزيون الواقع الحربي"، إن صحت التسمية، يحجب نقاط ضعف قاسية.
بين "الحزم" و"المطرقة"
إلى حد بعيد، تشبه عملية اعتقال مادورو، والتي حملت اسم "الحزم المطلق"، قصف واشنطن للبرنامج النووي الإيراني تحت مسمى "مطرقة منتصف الليل". عناوين (وصور) جذابة، وفاعلية عالية. أبعد من ذلك، علامات استفهام.
هل كان ترامب ليقصف إيران لولا الحرب الإسرائيلية عليها؟ الجواب الراجح هو لا. أصبح القصف أسهل، فقط بعد تدمير إسرائيل الدفاعات الجوية الإيرانية. فالمفاوضات التي سبقت الحرب الإسرائيلية أمكن أن تقرّب الطرفين بشكل أكبر إلى تسوية لا إلى حرب. كذلك، إن حب ترامب للسرعة دفعه إلى إعلان "تدمير" البرنامج النووي قبل التمكن من جمع أدلة كافية.

نقطة ضعف العمليات السريعة أنها لا تقدم مؤشرات كثيرة عن قوة الجيوش الأساسية. هي قد تعطي السياسيين انطباعاً مغلوطاً عن تلك القوة، أو عن التوقعات منها. لهذا السبب، وبالرغم من براعتها التكتيكية، قد لا تثبط عملية "الحزم" الصينيين عن التحرك في تايوان.
الخوف من الملل
للخبير العسكري في "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" فرانز-ستيفان غادي تذكيرٌ مناسب: "ما يُكسِب الحروب التقليدية هي الأمور المملّة التي تشكّل (عَرْضاً) تلفزيونياً سيئاً على فوكس نيوز"، كما كتب في "فورين بوليسي". من نقاط القوة المتوخاة، القدرة على النشر السريع للجنود والحفاظ على سلاسل إمداد معقّدة تحت النار، وإعادة توليد القوة النارية بعد الصدمة.
تضاف إلى هذا التحذير إشكاليات أخرى. قد تتمكن الصين من شن حرب خاطفة عابرة للمضيق مما يترك واشنطن متأخرة في رد الفعل. سيجرّد ذلك الأميركيين من احتمالات عدة لكسب الحرب، أو قد يدفعهم إلى الغرق في مستنقع بلا أفق. في الحالة الأولى، ستكون الصين قد حققت انتصارها عبر عملية سريعة، أكانت حرباً خاطفة، أو حتى عبر استلهامٍ معدّل للخطوة الأميركية في فنزويلا.
بعبارة أخرى، التخطيط لعملية مفاجئة سهل نسبياً. التخطيط لصد عملية مفاجئة أقل سهولة.
نظرية النصر
كما كتب الأستاذ الفخري لدراسات الحرب في كلية الملك بلندن السير لورنس فريدمان في الربيع الماضي، بات التحدي يكمن لا في التخطيط لحروب طويلة المدى بدلاً من أخرى قصيرة الأجل وحسب، بل في التخطيط لحروب تملك نظرية عن النصر وتقترن بأهداف معقولة.
بذلك، تصبح العقبة الأخرى أمام صناعة القرار في واشنطن (وفي أي عاصمة على العموم) إمكانية توفيق الأهداف والوسائل بين السلطتين السياسية والعسكرية. بمعنى أن طلبات ترامب السياسية قد تتطلب، بحسب القيادة العسكرية، تكاليف أكثر مما بإمكان ترامب تحملها على المستوى الشعبي بالحد الأدنى.
صحيح أن "تلفزيون الواقع الحربي" يجمّل العمليات السريعة أكثر ويحفّز ترامب على استخدامها. حتى أنه قد يُكسبه نقاطاً في معاركه الداخلية والخارجية، مجدداً، بفعل مهارة الجيش الأميركي. لكن الاعتماد على عمليات كهذه، قد يعرقل نشر القوة الأميركية بفاعلية وكلفة معقولتين.
فهذا النوع من العمليات السريعة أو الحروب الخاطفة ينتمي، بشكل كبير، إلى عالم الحرب الباردة. عالم اليوم مختلف؛ وليس فقط في إمكانية نقل صوره سريعاً، وبجودة عالية.
نبض