إسرائيل تقرأ تحرّكات ترامب... مناورة بين الحرب والتفاوض
ثلاثة أسئلة تعتبرها إسرائيل الأكثر إلحاحاً: ما الهدف النهائي الذي يسعى إليه ترامب؟ وأين يرسم خطه الأحمر؟ وما الدور المطلوب من تل أبيب تأديته إذا توسعت الحرب؟
لا ترى وسائل الإعلام الإسرائيلية في التعزيزات العسكرية الأميركية الأخيرة مؤشراً على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حسم خياره بتوسيع الحرب ضد إيران، بقدر ما تعتبرها جزءاً من مناورة تمنحه هامشاً واسعاً للتحرك بين خيارين متوازيين: تصعيد الضربات العسكرية أو استخدام الضغط العسكري لفرض مسار تفاوضي جديد. وانطلاقاً من هذه القراءة، تتابع تل أبيب التحشيد الأميركي باعتباره مؤشراً إلى اتجاه قرار ترامب أكثر من كونه إعلاناً عن قرار بالحرب.
وبحسب القناة "12"، يدرس ترامب إمكان توسيع العمليات العسكرية ضد إيران، بما قد يشمل عملية مشتركة مع إسرائيل على غرار المرحلة الأولى من الحرب التي اندلعت في 28 شباط/فبراير الماضي. إلا أن القناة نقلت عن مسؤولين إسرائيليين أن الجيش الإسرائيلي لا يستعد حالياً للمشاركة في الهجوم، بل يتهيأ لسيناريوين فقط، هما تعرض إسرائيل لهجوم إيراني مباشر، أو تلقي طلب أميركي بالمشاركة في عمليات مشتركة.
تحشيد يوسّع هامش القرار
وتستند القراءة الإسرائيلية إلى حجم الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، الذي توسع خلال الأيام الأخيرة ليشمل تعزيزات جوية وبحرية ولوجستية تمنح الإدارة الأميركية خيارات عملياتية متعددة من دون أن تفرض عليها استخدام القوة فوراً.
ويشير مركز البيانات التابع لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن واشنطن دفعت بأسراب إضافية من مقاتلات "اف - 35" و"اف 15" و"اف 16"، إلى جانب طائرات الحرب الإلكترونية والإنذار المبكر والاستطلاع والتزود بالوقود جواً، مع رفع جاهزية قاذفات "بي 1" المتمركزة في بريطانيا، بالتوازي مع استمرار انتشار حاملتي الطائرات الأميركيتين "إبراهام لينكولين" وجورج دبليو بوش" وما يرافقهما من مجموعات بحرية قتالية.
كما رُصدت زيادة في انتشار القوات الخاصة المخصصة لمهام البحث والإنقاذ والعمليات الخاصة، بالتوازي مع استعدادات أوروبية لإجلاء موظفين ديبلوماسيين ومدنيين إذا اتسعت دائرة المواجهة.
وترى وسائل الإعلام الإسرائيلية أن هذا التحشيد يهدف إلى منح البيت الأبيض حرية الحركة قبل اتخاذ القرار السياسي، لا إلى الإشارة إلى أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية. ويعزز هذا التقدير ما نقله الإعلام الإسرائيلي عن القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، الذي اعتبر أن هذه الإجراءات تمنح واشنطن مرونة استراتيجية وتحافظ على جميع الخيارات مفتوحة، من دون أن تعني بالضرورة اقتراب اندلاع مواجهة واسعة.

بين التصعيد والتفاوض
وترى صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن هذه المناورة هي جوهر سياسة ترامب في المرحلة الحالية، إذ يسعى إلى إبقاء خيارَي التصعيد والتفاوض مطروحين حتى اللحظة الأخيرة، فيما تعتبر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، لكن مسارها سيحدده الرئيس الأميركي وحده.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي رفيع أن "مفتاح التطورات في يد ترامب"، فهو يرفع مستوى التهديد العسكري باستمرار، لكنه يستخدم هذا التصعيد أيضاً أداة ضغط لدفع إيران إلى العودة إلى المفاوضات من موقع أضعف.
وانطلاقاً من هذا التقدير، تستعد إسرائيل لمسارين متناقضين في الوقت نفسه. فإذا قرر البيت الأبيض توسيع الضربات، تتوقع تل أبيب أن ترد إيران باستئناف الهجمات الصاروخية عليها، ما قد يعيد الجيش الإسرائيلي إلى المشاركة المباشرة في الحرب. أما إذا نجح الضغط الأميركي في فرض وقف موقت لإطلاق النار أو استئناف الوساطات، فقد تُمنح الديبلوماسية فرصة جديدة لمنع اتساع رقعة المواجهة.
وتشير الصحيفة إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتوقع أن يكون جبل الفأس بين أبرز الأهداف المحتملة إذا قررت واشنطن توسيع بنك أهدافها، ولا سيما بعد تصريحات ترامب الأخيرة بشأن استهداف الموقع، فيما ترى أن أي عملية بهذا الحجم ستتطلب أعلى درجات التنسيق العسكري مع الولايات المتحدة.
وفي المقابل، ترى بعض التقديرات الإسرائيلية أن واشنطن تواجه أيضاً خياراً آخر يتمثل في القبول بمقترحات الوساطة التي تقودها قطر وسلطنة عمان وباكستان، إذا نجح الضغط العسكري في تهيئة ظروف تفاوضية أكثر ملاءمة.
ثلاثة أسئلة تشغل إسرائيل
وتختصر المحللة السياسية في صحيفة "معاريف" آنا بارسكي حالة القلق داخل إسرائيل بثلاثة أسئلة تعتبرها الأكثر إلحاحاً: ما الهدف النهائي الذي يسعى إليه ترامب؟ وأين يرسم خطه الأحمر؟ وما الدور الذي سيُطلب من إسرائيل تأديته إذا توسعت الحرب؟
وتقول إن مصدر القلق لا يرتبط فقط بحجم الضربات الأميركية، إنما بالمرحلة التي تليها. فتل أبيب تخشى أن يقود التنسيق العسكري الوثيق مع واشنطن إلى تباين سياسي إذا قررت الإدارة الأميركية وقف العمليات أو العودة إلى مسار تفاوضي قبل إلحاق ضرر كبير بالقدرات النووية والصاروخية الإيرانية، التي تعتبرها إسرائيل جوهر التهديد.
وفي هذا السياق، تكثف إسرائيل اتصالاتها السياسية والأمنية مع واشنطن لمحاولة استيضاح ما إذا كانت القاذفات الأميركية المنتشرة حالياً تستعد لمواصلة استهداف مواقع الصواريخ والدفاعات الجوية ومراكز القيادة التابعة للحرس الثوري، أم أنها تمهد لضرب أهداف أكثر حساسية مثل جبل الفأس.
في الخلاصة، لا تقرأ وسائل الإعلام الإسرائيلية التحشيد الأميركي باعتباره إعلاناً عن حرب وشيكة، ولا مؤشراً إلى تراجع واشنطن نحو التسوية، بل تعتبره جزءاً من مناورة يقودها ترامب لإبقاء أوراق القوة والديبلوماسية حاضرة في آن واحد. ومن وجهة نظرها، فإن القرار الحاسم لم يُتخذ بعد، وما ستشهده الأيام المقبلة سيحدد ما إذا كانت هذه المناورة ستقود إلى مواجهة أوسع أم إلى جولة جديدة من التفاوض.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
"القرار السياسيّ اتّخذ بوضوح في مجلس الوزراء لحصر السلاح، والنّص الدستوريّ يُخضع القوّات المسلحة اللبنانية لسلطة مجلس الوزراء، وبذلك أصبح أيّ تنفيذٍ لتفتيش منازل أو أيّ إجراء آخر ضمن سقف القانون"...
نبض