إسرائيل تستعد لاحتمال عودة الحرب مع إيران... ماذا عن لبنان وغزة؟
تتزايد التقديرات في إسرائيل بشأن احتمال عودة الحرب مع إيران، وسط استعدادات عسكرية تشمل الجبهات الثلاث، إيران ولبنان وغزة، بالتوازي مع تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران، وتصاعد الحديث داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن خيارات عسكرية قد يلجأ إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحسين شروط التفاوض مع إيران.
وفي الوقت الذي تقود فيه باكستان جهوداً ديبلوماسية لإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض، صعّد ترامب من لهجته ملوّحاً بإمكان تجدد التصعيد العسكري، في وقت تراقب فيه تل أبيب مسار القرار الأميركي الذي قد يحدد شكل المرحلة المقبلة في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، لا يزال وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب في لبنان حبراً على ورق. فبالتوازي مع المفاوضات الجارية بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية برعاية أميركية، يستمرّ الجيش الإسرائيلي بتصعيد هجماته عبر القصف المدفعي والغارات الجوية وعمليات نسف المنازل وإصدار أوامر إخلاء للسكان في جنوب لبنان، فيما يواصل "حزب الله" تنفيذ هجمات ضد القوات الإسرائيلية المتوغلة في المنطقة.
أما في غزة، فيواصل الجيش الإسرائيلي غاراته وتسجيل خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار منذ 220 يوماً، عبر القصف وإطلاق النار ونسف المنازل على عدة محاور، وسط تفاقم الوضع الإنساني، إضافة إلى الاغتيالات، وآخرها اغتيال القائد العام لـ"كتائب القسام" عزالدين الحداد، إذ يعتبرها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجبهة المركزية لتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية.
يأتي ذلك في ظل غياب أي حل سياسي، وسط تشاؤم بإمكان نجاح الجهود الديبلوماسية. وبينما تبدو إسرائيل في حال استعداد لسيناريوات متعددة، تشير تقديرات محللين وخبراء إسرائيليين إلى أن ترامب لا يزال يفضّل، حتى الآن، تجنب حرب واسعة وطويلة مع إيران.

استعدادات وخيارات لتجدد الحرب
في ضوء ذلك، كشف أور هيلر، المراسل العسكري للقناة "13"، عن "استعدادات مكثفة" من جانب إسرائيل والولايات المتحدة لتجدد القتال، تشمل أهدافاً استراتيجية داخل إيران، فيما يستعد الجيش الإسرائيلي لاحتمال إطلاق عشرات الصواريخ خلال الأيام الأولى، مع تقديرات بتباطؤ وتيرة الإطلاق تدريجياً.
ونقل هيلر عن ضابط رفيع المستوى قوله إن الجيش "يقدّر أنه على غرار ما حدث خلال الجولة السابقة، فإن الهدف هو ضرب الإيرانيين وإجبارهم على العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف". ووفقاً للخطط المطروحة، من المتوقع أن تشمل الضربة إلحاق أضرار بالبنية التحتية ومحطات توليد الكهرباء، إضافة إلى اغتيال مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، مع أمل إسرائيلي بأن تستمر المواجهة لبضعة أيام فقط.
ولفت إلى أن قائمة الأهداف تشمل البنية التحتية العسكرية والحكومية، من دون استبعاد إمكان دخول قوات خاصة إلى الأراضي الإيرانية لإزالة اليورانيوم المخصب، فيما تتزايد التكهنات داخل الجيش الإسرائيلي بأن ترامب يسعى إلى مفاجأة النظام الإيراني للمرة الثالثة خلال أقل من عام.
في المقابل، اعتبر المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هاريئيل أن ترامب "سافر إلى القمة في الصين من دون أن يحسم قراره بشأن مواصلة الحرب مع إيران، لكنه يتشاور باستمرار مع جنرالاته، بحثاً عن ضربة عسكرية تُربك الإيرانيين".
وأشار هاريئيل إلى أن المهلة الزمنية هذه المرة ليست طويلة، ومن المستبعد أن تتضمن خطط ترامب العودة إلى حرب شاملة مفتوحة المدة، خصوصاً مع اقتراب انطلاق مونديال كرة القدم الذي تستضيفه الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك في 11 حزيران/يونيو المقبل. لكنه رأى في الوقت نفسه أن ترامب يفشل حتى الآن في ردع النظام الإيراني عبر تحركاته الحالية، بما في ذلك الحصار البحري الجزئي.
وفي السياق نفسه، كتب المحلل العسكري في "معاريف" ألون بن دافيد أن الخيارين الرئيسيين اللذين يدرسهما ترامب يتمثلان إما بتوجيه ضربة عسكرية قصيرة ضد البنية التحتية للطاقة، في رسالة تؤكد تمسكه بسياسة الضغط الحالية، وإما مواصلة سياسة الاستنزاف، خصوصاً أن أجهزة الاستخبارات لم تتمكن من تحديد "هدف إيراني" قادر على إجبار النظام على الخضوع.

"حرب وقف إطلاق النار" في لبنان
من جهته، رأى تسفي باريئيل في "هآرتس" أن إيران تراقب الوضع عن كثب في ظل استمرار "حرب وقف إطلاق النار"، بينما لا يتلقى لبنان أي استجابة لمطالبه في المفاوضات. وحذر من أن استئناف الحرب مع إيران قد يدفع طهران إلى إشعال فتيل التوتر وتقويض العملية الديبلوماسية الهشة.
وأضاف باريئيل أن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة 45 يوماً إضافية يُمثل استجابة موقتة للشرط الذي وضعته بيروت لاستمرار المفاوضات السياسية والعسكرية، لكنه لا يضمن حل المشكلات الجوهرية، بل يُعد استمراراً للحرب ضمن الشروط التقييدية التي فرضها ترامب، والتي تمنع إسرائيل من قصف بيروت والبقاع، مع السماح لها بمواصلة مهاجمة أهداف لـ"حزب الله" في الجنوب، وهدم القرى وتهجير السكان، إضافة إلى إقامة قاعدة عسكرية داخل "منطقة أمنية" تتوسع تدريجياً.
وتتحدث التفاهمات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي عن إنشاء آلية تنسيق عسكري برعاية أميركية، تشمل، وفق مصادر إسرائيلية، تعاوناً استخباراتياً. لكن هذا التنسيق "لا يزال بعيداً عن مستوى العمل المشترك بين جيشين يقاتلان جنباً إلى جنب ضد حزب الله".
وتساءل باريئيل عما إذا كان احتلال الأراضي اللبنانية يُستخدم كورقة مساومة أم كهدف إسرائيلي مستقل لا يرتبط بنتائج المفاوضات، معتبراً أن هذه المسألة تمس مباشرة بمطلب الحكومة اللبنانية فرض سيادتها على كامل أراضيها، وهو شرط أساسي لاستمرار التعاون. وأضاف أن لبنان سيجد صعوبة في مواصلة هذا المسار من دون التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب من الأراضي المحتلة.
وفي السياق نفسه، نقلت هيئة البث الإسرائيلية "كان" عن مصدر أمني قوله إن "احتلال جنوب لبنان بالكامل لن يؤدي إلى القضاء على آخر طائرة مسيّرة وآخر صاروخ لحزب الله"، مشيراً إلى أن المؤسسة الأمنية ترى أن العمليات العسكرية قد تواصل إضعاف الحزب لكنها لن تشكل "حلاً جوهرياً" للتهديد القائم، وأن الأمر يحتاج إلى "اختراق سياسي" إلى جانب الردع العسكري.
غزة... شرارة لحرب جديدة؟
بالتوازي مع ذلك، رأى المحلل العسكري في "إسرائيل اليوم" يؤآف ليمور أن اغتيال عز الدين الحداد قد يشكل الشرارة الأولى لحرب جديدة في غزة، رغم أنه يمثل "إنجازاً عملياً" للجيش الإسرائيلي وجهاز "الشاباك".
واعتبر ليمور أن الاغتيال يشكل ضربة معنوية لـ"حماس"، لكنه "بعيد كل البعد عن النصر الاستراتيجي"، مضيفاً أن التجارب السابقة تشير إلى أن الحداد سيُستبدل سريعاً بخليفة جديد، في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي توسيع رقعة سيطرته داخل القطاع، حيث بات يسيطر على أكثر من نصف مساحة غزة، فيما تستعد "حماس" بدورها لجولة قتال جديدة عبر تجنيد المقاتلين وتجهيز الأسلحة.
نبض