مضيق هرمز بين الألغام واستراتيجيّة إيران... هل تستطيع أميركا فرض سيطرتها؟

ايران 24-04-2026 | 20:03

مضيق هرمز بين الألغام واستراتيجيّة إيران... هل تستطيع أميركا فرض سيطرتها؟

هذا التباين بين الخطاب السياسي والتقديرات العسكرية يعيد طرح سؤال أساسي بشأن قدرة واشنطن على فرض السيطرة في ممرّ بحري بالغ التعقيد، في مواجهة استراتيجية إيرانية تقوم على تقييد الحركة ورفع كلفة أي تدخل.
مضيق هرمز بين الألغام واستراتيجيّة إيران... هل تستطيع أميركا فرض سيطرتها؟
إيرانيون على شاطئ سورو في بندر عباس المطل على مضيق هرمز
Smaller Bigger

بيروت - ليلى تابت

 

أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن "بدء تنظيف مضيق هرمز من الألغام"، مع تأكيده سرعة سير العملية، جدلاً واسعاً، خصوصاً بعد تسريبات أشارت إلى أن إزالة الألغام قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر. هذا التباين بين الخطاب السياسي والتقديرات العسكرية يعيد طرح سؤال أساسي بشأن قدرة واشنطن على فرض السيطرة في ممرّ بحري بالغ التعقيد، في مواجهة استراتيجية إيرانية تقوم على تقييد الحركة ورفع كلفة أي تدخل.

 

استراتيجية إيران: منظومة A2/AD تتجاوز الألغام

 

تعتمد إيران في عقيدتها العسكرية البحرية على استراتيجية A2/AD: Anti-Access/Area Denial، أي منع الوصول ومنع الحركة داخل منطقة محددة. ويرى الخبير العسكري الاستراتيجي العميد المتقاعد الياس حنّا، في حديث لـ"النّهار"، أنها تُشكّل "الاستراتيجية الإيرانية الكبرى التي تدمج بين الأهداف والوسائل"، ما يدل إلى منظومة متكاملة تهدف إلى جعل مضيق هرمز بيئة عالية الخطورة يصعب التحكم بها أو ضمان حرية الملاحة فيها.

ويشير حنّا إلى أن إيران توظّف الجغرافيا لمصلحتها، إذ تتوزع الجزر الاستراتيجية مثل طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى وقشم وهرمز في نقاط تتحكم بالممرات البحرية، فيما تفرض طبيعة الأعماق المتفاوتة بين المياه الضحلة والمناطق الأعمق مسارات إجبارية على الناقلات، ما يجعل أي حركة بحرية داخل المضيق قابلة للمراقبة أو التهديد.

ويؤكد أن الألغام ليست سوى عنصر ضمن "عقيدة عسكرية بحرية تهدف إلى تنفيذ الأهداف السياسية والاستراتيجية الكبرى"، تشمل الصواريخ الساحلية وصواريخ كروز والزوارق السريعة والغواصات الصغيرة والطائرات المسيّرة، حيث يحقق تلغيم منطقة معينة مبدأ منع الوصول (Access Denial)  ويعزز الردع.

من جهة أخرى، يرى حنّا أن التاريخ يمنح إيران "أفضلية إضافية"، إذ إن "التفكير في السيطرة على مضيق هرمز واستغلاله يعود إلى زمن الشاه، الذي قام عام 1971، بالتزامن مع انسحاب بريطانيا من المنطقة، بالسيطرة على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى". وبناءً عليه، يتميّز المضيق باعتباره ممراً أساسياً لا بديل له.

 

 

لقطة من فيديو يُظهر عناصر من الحرس الثوري الإيراني أثناء صعودهم على متن سفينة في مضيق هرمز. (أ ف ب)
لقطة من فيديو يُظهر عناصر من الحرس الثوري الإيراني أثناء صعودهم على متن سفينة في مضيق هرمز. (أ ف ب)

 

الألغام البحرية الإيرانية: سلاح منخفض الكلفة وعالي التأثير

 

تمتلك إيران ترسانة واسعة من الألغام البحرية تُعدّ من أبرز أدواتها في الحرب غير المتكافئة. ويوضح حنّا أن "الحرس الثوري الإيراني، كما الجيش النظامي، يمتلكان قوة بحرية، لكن القيادة البحرية الأهم تتمركز في بندر عباس، وهي المسؤولة عن تنفيذ الاستراتيجية الكبرى"، ضمن منظومة تشمل الألغام والمسيّرات والصواريخ والزوارق السريعة والغواصات الصغيرة.

وتتنوع الألغام الإيرانية بين التلامسية التي تنفجر عند ملامسة السفن، والتأثيرية التي تستجيب للبصمة المغناطيسية أو الصوتية أو الضغط، إضافة إلى الألغام القاعية المدفونة التي تُعدّ الأصعب كشفاً، والألغام اللاصقة التي يثبتها غواصون على هياكل السفن وتنفجر لاحقاً. كما هناك ألغام عائمة تتحرك مع التيارات البحرية، ما يزيد صعوبة تعقبها ويضاعف أثرها النفسي على الملاحة التجارية.

وفي السياق نفسه، يوضح حنّا وجود "صواريخ قادرة على حمل ألغام بدلاً من الذخائر التقليدية، على غرار القنابل العنقودية، إلا أن استخدامها معقد"، فيما يمكن استخدام صواريخ كروز البحرية لتحديد مناطق يُمنع على أي تهديد الاقتراب منها ضمن هذه الاستراتيجية.

 

إزالة الألغام: عملية بطيئة ومعقّدة

 

تُعد عملية إزالة الألغام من أكثر العمليات البحرية تعقيداً، إذ تبدأ بمسح دقيق لقاع البحر باستخدام طائرات مسيّرة تحت الماء مزودة بأجهزة سونار متقدمة، أو مروحيات قادرة على رصد الألغام القريبة من السطح، يلي ذلك تحليل الأجسام المشتبه بها وتحديد طبيعتها.

ثم تأتي مرحلة التحييد التي تُنفّذ عبر روبوتات بحرية يتم التحكم بها عن بُعد لتفجير الألغام، أو عبر غواصين متخصصين في الحالات الدقيقة، إضافة إلى استخدام أنظمة خداع مغناطيسي وصوتي، أو عبر كاسحات الألغام الأميركية من فئة "أفنجر"، مثل "يو إس إس تشيف" و"يو إس إس بايونير".

وتشير تسريبات نقلتها "واشنطن بوست" إلى أن عملية إزالة الألغام قد تمتد إلى ستة أشهر، ما يعكس حجم التعقيد الميداني ويضعف فرضية "التنظيف السريع" التي تُطرح سياسياً.

 

ألغام بحرية. (اكس)
ألغام بحرية. (اكس)

 

 

فرص النجاح وحدود القدرة الأميركية

 

عند تقييم فرص النجاح الأميركي، يشير حنّا إلى أن أي عملية نزع ألغام لا يمكن أن تبدأ فعلياً قبل الإجابة عن سؤالين جوهريين: كم عدد الألغام المزروعة؟ وأين زُرعت تحديداً؟ لأن غياب هذه المعطيات يعني الدخول في عملية بحث مفتوحة في بيئة بحرية معقدة.

ويشرح أن الجغرافيا البحرية في الخليج، مع تدرّج الأعماق ومرور السفن ضمن ممرات محددة، تجعل بعض المناطق أكثر عرضة للاستهداف، ما يعزز من تعقيد أي عملية إزالة.

ويربط حنّا بين ذلك والتقديرات الزمنية، معتبراً أن الحديث عن مهلة ستة أشهر يعكس حجم التعقيد الفعلي للعملية.

كذلك، يلفت إلى أن نجاح العملية يفترض وجود معرفة دقيقة بمواقع الألغام، وهو أمر غير مضمون في ظل المواجهة، ما يبقي عمليات الكشف جزئية ويبطئ التقدم.

ويضيف أن القدرات الأميركية في هذا المجال "ليست مطلقة"، مع محدودية عدد السفن المتخصصة واعتماد بعضها على تقنيات قديمة نسبياً، ما يفرض 
الاعتماد على شراكات دولية. لذلك، تصبح دول مثل كوريا الجنوبية واليابان وهولندا وبريطانيا وبعض الدول الأوروبية عناصر أساسية في أي جهد تطهير واسع النطاق.

 

تضارب تصريحات ترامب والواقع العملياتي

 

في مقابل هذا التعقيد، تأتي تصريحات ترامب لتقدّم صورة مختلفة تقوم على فكرة "السيطرة الكاملة" و"التنظيف السريع".

ويعتبر حنّا أن ترامب، من خلال خطابه، يستخدم أسلوباً يقوم على خلق مستويات متعددة من الرسائل، بحيث يصعب على المتلقي استخلاص موقف واضح، وهو جزء من أسلوبه القائم على الخطابات المتناقضة.
فالواقع الراهن يناقض فكرة "السيطرة الكاملة"، ويطرح إشكالية عملية تتصل بانتقائية المرور في الممرات البحرية، ما يعكس أن التحكم بالمضيق لا يزال خاضعاً لتوازنات معقدة.

كذلك، يكشف العميد المتقاعد تناقضاً عملياً في ما يتعلق بعرض القوة البحرية، إذ عبرت بالفعل مدمرتان أميركيتان من طراز Arleigh Burke، لكن مرورهما تم عبر المياه العُمانية والإماراتية ذات الأعماق التي تتراوح بين 15 و20 متراً، وهي مناطق أقل تعقيداً من حيث تهديد الألغام. والأهم أن هذه السفن غير مخصّصة لعمليات إزالة الألغام، ما يعني أن استخدامها "يحمل طابعاً استعراضياً أكثر من كونه تنفيذاً فعلياً لعملية تطهير".

وعليه، يرتبط مضيق هرمز بمنظومة استراتيجية متكاملة تتجاوز الألغام، حيث تبقى القدرة على فرض السيطرة رهناً بتوازن دقيق بين الجغرافيا والقدرات العسكرية والتصعيد السياسي.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
تحقيقات 4/25/2026 6:00:00 AM
في عيون العائلة، تختصر الحكاية كلّها. وجع صامت، ودموع تسبق الكلام. رنا، الأم والزوجة، التي كانت تضجّ حياةً، صارت اليوم ذكرى مثقلة بالفقد.