استهداف الخليج: مقامرة إيرانية بعواقب مفتوحة

ايران 05-03-2026 | 06:12

استهداف الخليج: مقامرة إيرانية بعواقب مفتوحة

هل تدرك طهران أن استمرار هذا النهج قد يدفع العواصم العربية إلى اتخاذ موقف موحّد في مواجهتها؟
استهداف الخليج: مقامرة إيرانية بعواقب مفتوحة
إضاءة ناطحة سحاب في العاصمة السعودية بنص يقول: "يا رب، اجعل هذا البلد آمناً". (أ ف ب)
Smaller Bigger

دخلت المواجهة بين الجمهورية الإسلامية وخصومها مرحلةً مفصليةً تجاوزت حدود الاشتباك التقليدي، وانتقلت إلى طورٍ تتقاطع فيه الجغرافيا بالسياسة، والسيادة بالحسابات الاستراتيجية. فالهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي انطلقت من إيران لم تبقَ محصورة في إطار الردّ المباشر، بل تمددت إلى فضاءٍ إقليميّ واسعٍ، طاول أراضي عددٍ من الدول العربية، وأدخلها، رغماً عنها، في قلب معادلة النار والردع.

 

وقد جاء هذا التصعيد في أعقاب الضربة الأميركية – الإسرائيلية التي استهدفت إيران وأدّت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. وعلى إثر ذلك، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي أن الردّ سيشمل "جميع الأراضي المحتلة والقواعد الأميركية في المنطقة"، وهو ما تُرجم عملياً بإطلاق مئات الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، وقواعد أميركية في الأردن والكويت والعراق وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان.

 

ورغم ادعاء طهران أن عملياتها موجهة حصراً ضد أهداف أميركية وإسرائيلية، فإن سقوط مقذوفات في أجواء دول عربية أو على مقربة من منشآتها الحيوية، وضع هذه الدول أمام واقعٍ أمنيّ جديدٍ، ومعه باتت هذه الهجمات تصنّف على أنها اعتداء لا لبس فيه على سيادتها ووحدة أراضيها.

 

في خضمّ هذا التصعيد، تفرض نفسها جملة من الأسئلة المحورية التي لا يمكن تجاوزها عند قراءة المشهد. ما الغاية الاستراتيجية التي تسعى الجمهورية الإسلامية إلى تحقيقها من خلال توسيع دائرة هجماتها؟ وهل وضعت في حساباتها التأثير العميق لهذه العمليات على مستقبل علاقاتها بالدول العربية التي تجد نفسها اليوم في موقع المتضرّر المباشر؟ ثم هل تدرك طهران أن استمرار هذا النهج قد يدفع العواصم العربية إلى اتخاذ موقف موحّد في مواجهتها؟

 

وإلى جانب ذلك، يبرز بُعد قانوني وسياسي لا يقلّ أهمية، يتعلق بإمكان مطالبة الدول المتضررة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بمنشآتها المدنية وبناها التحتية. فهل أعدّت الجمهورية الإسلامية نفسها لتحمّل تبعاتٍ ماليةٍ وديبلوماسيةٍ من هذا النوع؟

 

وأخيراً، لا يمكن إغفال سؤالٍ يرتبط بالبُعد العسكري الصرف: هل تمثّل هذه الهجمات محاولةً لإعادة ترميم صورة الردع الإيرانيّ بعد الإخفاق في منع الضربات الجوية الأميركية – الإسرائيلية، أم أنها تعبير عن استراتيجية تصعيدٍ محسوبةٍ بعناية، تتجاوز منطق ردّ الفعل إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في الإقليم؟

أهداف التصعيد بين الردع والبقاء
تنطلق القيادة الإيرانية، في مقاربتها للمواجهة، من تصورٍ يعتبر ما يجري حرباً ذات طابع وجودي. فالمعركة، من وجهة نظرها، لا تتعلق بجولة عسكرية عابرة، بل بمستقبل النظام السياسي نفسه. ومن هنا، يصبح الردّ الشامل ورفع تكلفة المواجهة خياراً استراتيجياً لا تكتيكاً ظرفياً.

 

تسعى طهران إلى نقل المعركة من نطاقها الثنائي مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مستوى إقليميّ أوسع، بحيث تتداخل فيه مصالح أطراف متعددة. فكلما اتسعت رقعة التأثير، ازدادت ضغوط الدول العربية على واشنطن لوقف الحرب ومنع انهيار النظام السياسي في إيران.

 

إلى جانب ذلك، تحاول الجمهورية الإسلامية توظيف ورقة الطاقة بصفتها عنصراً حاسماً في المعادلة. فاضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار النفط لا يمسّان المنطقة وحدها، بل ينعكسان على الاقتصاد العالمي برمّته. ومن شأن هذا العامل أن يدفع قوىً كبرى، مثل الصين ودول آسيوية وأوروبية مستوردة للطاقة، إلى التدخل ديبلوماسياً سعياً لاحتواء التصعيد.

 

ولا يمكن إغفال بعدٍ آخر في هذه الاستراتيجية، يتمثل في محاولة تعويض الخلل الذي كشفته الضربة الأولى. فإذا كانت منظومات الدفاع الجوي الإيرانية قد عجزت عن منع الهجوم الأميركي – الإسرائيلي، فإن الردّ الصاروخي الكثيف يهدف إلى إعادة ترميم صورة الردع، وإيصال رسالةٍ مفادها أن أي استهداف لإيران ستكون له تداعياتٍ إقليمية واسعة.

 

دخان الأسود يتصاعد عقب انفجار في المنطقة الصناعية بالفجيرة. (أ ف ب)
دخان الأسود يتصاعد عقب انفجار في المنطقة الصناعية بالفجيرة. (أ ف ب)

انعكاسات عميقة على العلاقات العربية – الإيرانية
غير أن هذا المسار التصعيدي لا يمرّ من دون تكلفة سياسية بعيدة المدى. فالدول العربية التي طاولتها الهجمات، سواء بشكل مباشر أو عبر تعريض أجوائها ومجالها الحيوي للخطر، ستعيد النظر في مجمل مقاربتها للعلاقة مع إيران.

 

الثقة، التي كانت أصلاً محدودة ومتذبذبة، قد تتعرض لضربة قاصمة. ومن المرجح أن يترسخ في الإدراك الاستراتيجي العربي تصورٌ لإيران باعتبارها فاعلاً يمكن أن يوسّع نطاق صراعاته ليشمل أراضي الآخرين عند اشتداد الضغط عليه. وهذا التحول في الرؤية قد يدفع إلى سياساتٍ دفاعيةٍ أكثر صرامة، وإلى استثماراتٍ أكبر في منظومات الدفاع الجوي والتحالفات الأمنية.

 

كذلك يبرز ملف التعويضات بوصفه احتمالاً قائماً بقوة. فالأضرار التي لحقت بالبنى التحتية والمنشآت الحيوية قد يفتح الباب أمام نزاعاتٍ قانونيةٍ واسعة.

 

ومن النتائج اللافتة أيضاً احتمال تسريع مسارات التقارب العربي – الإسرائيلي.
أما النتيجة المهمة الأخرى التي يمكن اعتبارها من تداعيات هذه الهجمات، فهي دفع الدول العربية إلى إقامة علاقاتٍ أكثر تقارباً واستراتيجية مع إسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام؛ إذ إن الجمهورية الإسلامية، التي عارضت طوال نصف قرن تحسين العلاقات بين العرب وإسرائيل، قد تكون عملياً، من خلال هجماتها الأخيرة، قد دفعت جميع الدول العربية نحو تعزيز علاقاتها بإسرائيل.

سيناريوهات التحالف والتدويل
إذا استمرت الهجمات واتسعت، فهناك احتمال أن يتشكّل اتحاد أو تحالف بين الدول العربية لاتخاذ إجراءٍ مشتركٍ ضد إيران، وهو سيناريو يمكن استنتاجه من بعض المواقف الصادرة عن مسؤولين في السعودية وقطر. فقد حذّرت المملكة العربية السعودية من أنها سترد في حال استمرار الهجمات الإيرانية عليها، كما أعلنت قطر أن إيران لم تبلغ الدوحة بأي معلوماتٍ مسبقةٍ بشأن الهجمات الأخيرة.

 

على المستوى الدولي، يظل احتمال تدويل الأزمة قائماً. فقد تعمل الولايات المتحدة ودول أوروبية على تحريك الملف في مجلس الأمن، تحت عنوان تهديد السلم والأمن الدوليين، بما قد يفضي إلى قراراتٍ ملزمةٍ أو إجراءاتٍ أشدّ إذا تصاعدت المواجهة. وفي حال انزلاق الوضع إلى مواجهاتٍ أوسع، قد يُطرح اللجوء إلى آليات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بكل ما يحمله ذلك من تداعياتٍ ثقيلةٍ على إيران والمنطقة.
وعلى رغم كل هذه المخاطر، يبدو أن الجمهورية الإسلامية لا تنوي وقف هجماتها، إلا عندما تنفد مخزوناتها من الصواريخ.

 

وهناك احتمال آخر لوقف الهجمات، وهو أن تتراجع الولايات المتحدة عن هدف إسقاط النظام السياسي في إيران، وأن تقدّم ضمانات الى المسؤولين في طهران بأنهم سيبقون في السلطة إذا استسلموا لمطالب واشنطن.

 

وعلى أي حال، يبدو أن الشيء الوحيد الذي يهم الجمهورية الإسلامية في الوقت الراهن هو الحفاظ على النظام، وإذا لم يتحقق هذا الهدف، فقد تلجأ إلى إحراق الأرض والزمان معاً بقدر ما تستطيع.

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 3/4/2026 1:43:00 PM
رغم ان العنوان الذي تنشره احدى الصفحات في الفايسبوك مغر، فإنه من الضروري التحذير منه. 
ايران 3/3/2026 11:01:00 PM
أنباء عن تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران عبر اجتماع عُقد "أونلاين" بانتظار تأكيد رسمي
لبنان 3/4/2026 4:10:00 AM
 وزارة الصحة اللبنانية: 6 شهداء و8 جرحى إثر الاعتداء الإسرائيلي على عرمون والسعديات في جبل لبنان
لبنان 3/4/2026 2:48:00 PM
"حزب الله" ينشر مشاهد من عمليّة استهداف قاعدة ميرون شمال فلسطين وقاعدة نفح في الجولان السوري