من إشاعة "فتح الحدود" إلى مواجهة أوروبية... كيف انفجرت أزمة سبتة؟
واقتصرت تداعيات الأزمة على الجانب الإنساني، ثم امتدت سريعاً إلى خلافات ديبلوماسية بين مدريد وروما، وإلى تساؤلات جديدة بشأن العلاقات الإسبانية - المغربية، فيما تحولت الأزمة إلى مادة للصراع السياسي داخل أوروبا وحتى في الولايات المتحدة.
كيف بدأت الأزمة؟
بحسب صحيفة "إلباييس" الإسبانية و"لاديبيش" الفرنسية، بدأت الأزمة بإشاعة انتشرت بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي تفيد بأن معبر "باب سبتة" فُتح بالكامل أمام الراغبين في العبور إلى الأراضي الإسبانية.
وقال أحد الشبان الذين وصلوا من مدينة طنجة، على بعد نحو سبعين كيلومتراً، إنه جاء بعدما "سمع أن الحدود فُتحت". وفي غضون ساعات، كانت المركبات تنقل مئات الشباب، وبينهم قاصرون، من مدينة الفنيدق والمناطق المجاورة نحو المعبر الحدودي، قبل أن تتحول الحركة إلى موجة بشرية غير مسبوقة.
لكن "إلباييس" تضيف بعداً آخر للأزمة، إذ نقلت عن مصادر في أجهزة الاستخبارات الإسبانية أن اختفاء عناصر الدرك المغربي من الجانب الآخر من الحدود لساعات طوال لا يبدو مجرد خلل عابر، وقد يكون "تأثيراً مُداراً".
وتشير الصحيفة إلى أنه في يوم عيد العرش المغربي، بينما كان الملك محمد السادس يشارك في الاحتفالات بمدينة المضيق القريبة، غابت عناصر الأمن المغربية، ما سمح بعبور أعداد كبيرة من الأشخاص، بينهم عائلات كاملة، نحو سبتة.
فرحة الوصول تخفي مأساة إنسانية
رغم الصور التي أظهرت شباناً يصرخون "تحيا إسبانيا" ويقبلون الأرض بعد الوصول، فإن الجانب الآخر من المشهد كان أكثر مأسوية.
وأفادت السلطات الإسبانية، كما نقلت "نيويورك تايمز" و"ليكو" البلجيكية، بانتشال جثامين 18 مهاجراً لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول سباحةً إلى سبتة، فيما تشير منظمات حقوقية إلى أن عدد ضحايا محاولات العبور إلى المدينة منذ بداية العام تجاوز ثلاثين شخصاً.
كما تجاوز مركز الإيواء الموقت للمهاجرين، الذي تبلغ سعته 512 شخصاً، طاقته الاستيعابية بالكامل، مع تكدس آلاف الوافدين في محيطه، بينما بدأت تظهر مخاوف من أزمة صحية نتيجة تراكم النفايات ونقص الخدمات الأساسية.

الجيش الإسباني يتدخل
أمام هذا التدفق غير المسبوق، أعلنت الحكومة الإسبانية إرسال وحدات من الجيش لدعم قوات الحرس المدني، إضافةً إلى تعزيزات أمنية وبحرية وجوية.
كذلك، قرر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز التوجه شخصياً إلى سبتة لمتابعة إدارة الأزمة ميدانياً، بينما أغلقت السلطات المعبر الحدودي مع مدينة مليلية تحسباً لامتداد الأزمة.
ووصف رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس الوضع بأنه "حالة طوارئ إنسانية واجتماعية مطلقة"، مطالباً مدريد بإعلان حالة الطوارئ الوطنية وتولي إدارة الأزمة بشكل مباشر.
اليمين الأوروبي يستثمر الأزمة
تحولت الأزمة سريعاً إلى ساحة مواجهة سياسية. ففي إسبانيا، اتهم زعيم "حزب الشعب" ألبرتو نونييث فيخو حكومة سانشيز بالتسبب بـ"أزمة أمن قومي"، بينما وصف زعيم "حزب فوكس" اليميني المتطرف سانتياغو أباسكال ما جرى بأنه "غزو"، محملاً الحكومة تبعة تشجيع الهجرة غير النظامية.
أما في إيطاليا، فقد صعّدت رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني الموقف إلى مستوى غير مسبوق، معلنةً أنها تدرس "إجراءات استثنائية"، بينها تعليق العمل بمنطقة شينغن مع إسبانيا إذا استمرت الأزمة، معتبرةً أن ما يحدث يمثل تهديداً لأمن الحدود الأوروبية.
وردت مدريد بقوة، إذ وصف وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس تصريحات ميلوني بأنها "ديماغوجية سياسية"، قبل أن يستدعي السفير الإيطالي للاحتجاج رسمياً.
وفي المقابل، أعلن مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة ماغنوس برونر استعداد بروكسل لتقديم دعم إضافي لإسبانيا، بما في ذلك تعزيز عمليات وكالة "فرونتكس" لحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

أزمة تتجاوز أوروبا
وامتدت أصداء ما جرى في سبتة إلى الولايات المتحدة، حيث استغل مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب صور الحشود للدفاع عن سياساتهم المتشددة في ملف الهجرة.
وكتب مستشار البيت الأبيض ستيفن ميلر أن "الديموقراطيين فعلوا ذلك بأميركا طوال أربع سنوات وسيفعلونه مجدداً إذا عادوا إلى السلطة"، بينما اعتبر مدير الاتصالات في البيت الأبيض ستيفن تشيونغ أن انتخاب ترامب حال دون تكرار مثل هذه المشاهد داخل الولايات المتحدة.
هل يقف المغرب خلف ما حدث؟
يبقى السؤال الأكثر حساسية: لماذا حدث كل ذلك الآن؟
تشير "إلباييس" إلى أن الأزمة جاءت بعد أيام فقط من زيارة سانشيز إلى الجزائر وإعلانه استعادة العلاقات الطبيعية معها، وهو ما قد يكون أثار انزعاج الرباط في ظل التنافس الإقليمي بين المغرب والجزائر.
وتستحضر الصحيفة أزمة عام 2021، عندما سمحت السلطات المغربية عملياً بعبور آلاف المهاجرين إلى سبتة، في خضم أزمة ديبلوماسية مع مدريد بسبب استقبال زعيم جبهة البوليساريو للعلاج في إسبانيا.
أما "نيويورك تايمز"، فترى أن من المبكر الجزم بدوافع المغرب، لكنها تذكر بأن التعاون المغربي في ضبط الحدود ظل دائماً عنصراً حاسماً في إدارة ملف الهجرة بين البلدين.
وفي المقابل، لم تصدر السلطات المغربية أي بيان رسمي يفسر ما جرى، لكنها أكدت، عبر مصدر رسمي نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، الاتفاق مع مدريد على تعزيز التنسيق والعمل على إعادة المهاجرين الذين دخلوا بصورة غير نظامية في أسرع وقت ممكن.

مدينة تحولت إلى عنبر مفتوح
تكشف التغطية المباشرة التي نشرتها "إلباييس" صباح الجمعة أن الأزمة لم تتوقف مع حلول الليل، وإنما دخلت مرحلة أكثر تعقيداً. واستيقظت سبتة على مئات الشبان وهم يفترشون الحدائق العامة والأرصفة ومداخل مواقف السيارات، بعدما عجزت مراكز الإيواء عن استيعابهم. ووصفت المدينة بأنها تحولت إلى "عنبر نوم مفتوح"، بحيث قضى كثير من المهاجرين ليلتهم على العشب الرطب من دون أغطية أو مأوى، فيما بدت المدينة كأنها فقدت قدرتها على احتواء الوضع.
وفي الوقت نفسه، استمرت موجات العبور منذ ساعات الصباح الأولى، إذ تحدثت الصحيفة عن دخول مئات الأشخاص في طوابير متواصلة عبر المنطقة الحدودية، مع تحويل مساراتهم بعيداً من وسط المدينة الذي أصبح مكتظاً بالكامل. كما رصدت أعمدة دخان تتصاعد من الجانب المغربي قرب الفنيدق، بينما كانت القوات الإسبانية تحاول منع الوافدين الجدد من الوصول إلى قلب المدينة.
وأضفى انتشار آليات الجيش الإسباني في شوارع سبتة مشهداً غير مألوف، وصفته مراسلة "إلباييس" بأنه منح المدينة "مظهراً حربياً"، في وقت تواصل فيه فرق الإنقاذ والحرس المدني التعامل مع تداعيات أكبر موجة هجرة شهدتها المدينة منذ سنوات.
وفي افتتاحيتها، اعتبرت "إلباييس" أن ما تواجهه سبتة يمثل في آن واحد "تحدياً إنسانياً وديبلوماسياً"، داعيةً إلى تعزيز التعاون بين إسبانيا والمغرب والاتحاد الأوروبي، ومحذرةً من استخدام ملف الهجرة ورقة ضغطٍ سياسية أو ديبلوماسية كما حدث في أزمات سابقة.
أزمة مرشحة للاستمرار
وتشير مجمل التغطيات الأوروبية والأميركية إلى أن ما تشهده سبتة يتجاوز كونه موجة هجرة غير نظامية، ويعكس تداخل ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: إدارة الحدود الأوروبية، والعلاقات الإسبانية - المغربية، والانقسام السياسي المتصاعد حيال الهجرة داخل أوروبا.
وفي الوقت الذي تعمل فيه مدريد على احتواء الوضع ميدانياً وإعادة التنسيق مع الرباط، يبقى مستقبل آلاف المهاجرين الذين وصلوا إلى المدينة غير واضح، خصوصاً بعد حكم المحكمة العليا الإسبانية الذي قيّد عمليات الإعادة الفورية للمهاجرين القادمين بحراً.
وتبدو الأيام المقبلة حاسمةً في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستظل حادثاً استثنائياً أم ستتحول إلى أزمة سياسية وديبلوماسية طويلة الأمد، تعيد رسم ملامح النقاش الأوروبي بشأن الهجرة وأمن الحدود.
نبض