ما بعد ستارمر... بريطانيا تبحث عن نفسها من جديد
ثمة مشهد يتكرر منذ سنوات في السياسة البريطانية وبات مألوفاً إلى حدّ الإحراج: رئيس وزراء يقف أمام بوابة داونينغ ستريت، يتكلم عن الأمل والمستقبل والتغيير، ثم لا يلبث طويلاً حتى يعود إلى الوقوف في المكان ذاته ليعلن الرحيل. وفي خضم هذا المشهد الذي يزداد تعقيداً وتغيراً، استسلم أخيراً كير ستارمر وأعلن استقالته بعدما قاوم لأشهر عدة، لتنتظر المملكة المتحدة سابع رئيس وزراء لها في غضون عشر سنوات، وهو عدد رؤساء الوزراء أنفسهم الذين تولوا المنصب بين عامي 1974 و2016.
استقالة ستارمر لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، ولم تكن مفاجأة بالمعنى الدقيق، فالصحف البريطانية كانت تتحدث عنها قبل أيام، والأرقام كانت تتحدث عنها منذ أشهر.
"بريكست" مصدر كل الشرور
رغم مرور 10 سنوات على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لا يزال يُفسر الـ"بريكست" تفسيراً مختلفاً، إلا أن هناك حقيقة مؤكدة واحدة: مغامرة ديفيد كاميرون الفاشلة فتحت عقداً من عدم الاستقرار من خلال التعجيل بسقوط "حزب المحافظين"، ووضع كل خلفائه تحت الضغط.
فمنذ استفتاء "بريكست"، كان متوسط مدة الخدمة في داونينغ ستريت أقل من عامين، ورغم أن تلك الورقة ليست مسؤولة مباشرة عن إنهاء حكم ستارمر، إلا أنها أدت إلى إضعاف الاقتصاد، واستنزاف النفوذ البريطاني، وتعميق الانقسام السياسي والاجتماعي، ما خلق بيئة يصعب فيها الحكم وتراجعت فيها الثقة بين المواطنين والسلطة.
كما أن النزعة القومية التي غذّت حملة الخروج استمرت بعد الاستفتاء، بل الأخطر من ذلك أنها تحولت إلى خطاب أكثر تطرفاً يقوم على البحث عن "أعداء" وتحميلهم مسؤولية أزمات البلاد.
ما الذي أوصل ستارمر إلى هنا؟
الإجابة لا تكمن في فشل واحد بعينه، بل في تراكم، فستارمر تولى السلطة دون أن يعرف ما يريد بوضوح، قرارات اقتصادية أثارت استياء شرائح واسعة، كتقليص مخصصات دعم التدفئة لكبار السن، وتراجع عن إصلاحات أُعلن عنها تحت ضغط التمرد البرلماني الداخلي.
سياسياً، رغم محاولاته تقديم مفهوم أكثر إيجابية للوطنية، فشل في إقناع الرأي العام، بل كرر رئيس الوزراء استراتيجية حزب المحافظين الفاشلة المتمثلة في محاولة استعادة الناخبين من حزب الإصلاح البريطاني من خلال تضخيم حجج زعيمه وتأكيد صحتها.
وعلى الصعيد الخارجي، أدت فضيحة تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لبريطانيا في واشنطن، ثم انكشاف علاقته بالملياردير جيفري إبستين، المتهم بارتكاب جرائم جنسية بحق أطفال، إلى ضربة موجعة للرصيد الأخلاقي للحكومة. ثم جاء ملف إيران ليضع ستارمر في موقف بالغ الحرج مع واشنطن، حين رفض الانضمام إلى تأييد الضربات الأميركية ضد طهران، فاتسعت الهوة مع إدارة ترامب وتراجعت صورة بريطانيا كحليف موثوق.
مع كل الأسباب السابقة، هُزم حزبه في الانتخابات المحلية التي جرت في أيار/مايو، حين خسر "حزب العمال" ما يقرب من 1500 مقعد في المجالس المحلية، لا سيما في معاقله التاريخية في شمال البلاد.
كذلك، اشتدّ الضغط على ستارمر بعد فوز منافسه الداخلي، آندي بيرنهام، عمدة مانشستر ذي الشعبية الواسعة، والذي انتُخب مؤخراً نائباً عن دائرة ماكرفيلد.

هل يستطيع أي رئيس وزراء البقاء؟
استقالة ستارمر تمهد الطريق أمام بيرنهام لتولي منصب رئيس الوزراء، وإذا اختاره "حزب العمال"، فسيصبح سابع رئيس وزراء للمملكة المتحدة يتولى هذا المنصب خلال العقد الذي تلى تصويت البريطانيين على المسار الجديد للبلاد.
استقالة ستارمر ليست مجرد نهاية لمسيرة رئيس وزراء، بل تعكس أزمة أعمق في النظام السياسي البريطاني، وحالة من عدم الاستقرار السياسي المستمرة منذ استفتاء "بريكست". فالانقسامات التي خلّفها "الخروج" والاستقطاب الحاد بين الكتل السياسية، جعلا أي رئيس وزراء عرضة لفقدان الدعم بسرعة، حتى وإن كان يمتلك أغلبية برلمانية.
وفي الختام هناك سؤال يطرح نفسه: هل المشكلة تكمن في القادة أنفسهم، أم في البيئة السياسية البريطانية التي باتت تجعل الاستمرار في الحكم أكثر صعوبة من أي وقت مضى؟
المفارقة أن ستارمر قال في خطاب استقالته إن خلفه سيرث "بلداً أقوى"، ربما ذلك، لكن ما يرثه أيضاً بلد لم يحسم بعد ما الذي يريده بالضبط، وهو ما يجب على البريطانيين الإجابة عليه قبل أن يفكروا في اختيار رئيس وزراء جديد.
نبض