لبنان وذاكرة الحروب: كيف نتعامل مع الصّدمة النفسيّة؟

صحة وعلوم 07-03-2026 | 09:56

لبنان وذاكرة الحروب: كيف نتعامل مع الصّدمة النفسيّة؟

ذاكرة لبنان لا تهدأ، فكيف يعيش اللبنانيون آثار الحروب نفسياً؟  
لبنان وذاكرة الحروب: كيف نتعامل مع الصّدمة النفسيّة؟
لبنانيون يفترشون الطرقات في بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)
Smaller Bigger

في لبنان، لا تُختزل الحروب في صفحات التاريخ أو في أرشيف الصور القديمة، بل تبقى حيّة في الذاكرة الفردية والجماعية. إنّه مثال البلد الذي عرف عقوداً من النزاعات والاعتداءات، من الحرب الأهلية إلى الحروب والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، من دون أن يختبر مساراً كاملاً للتعافي النفسي والاجتماعي.

 

التأثير النفسي للحروب على اللبناني


على المستوى الفردي، يعاني بعض من عاشوا الحرب أعراضاً مرتبطة بالقلق والخوف المزمن، أو بما يُعرف بـ"اضطراب ما بعد الصدمة" (PTSD) ، حيث قد تعيد أصوات الطائرات أو الانفجارات استحضار ذكريات الماضي.

 

 

لبنانيون يفترشون الطرقات في  بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)
لبنانيون يفترشون الطرقات في بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)

 

 

وفي هذا السياق، توضح اختصاصية علم النفس ليال صرّوف كعدي في حديث خاص لـ "النهار"، أن الصدمة النفسية الناتجة من الأحداث العنيفة هي استجابة قوية وغير طبيعية لحدث كبير مثل الحرب أو الكوارث، إذ يشعر الشخص بفقدان كبير وخوف دائم، ويصبح غير قادر على استيعاب ما حصل معه.

 

وتشرح أن هذه الحالة قد تظهر عبر مجموعة من الأعراض النفسية والسلوكية.
فمن الناحية النفسية قد يعاني الشخص قلقاً شديداً وخوفاً مستمراً، إضافة إلى ما يُعرف باسترجاع الذكريات الصادمة (Flashbacks)، حيث تعود تفاصيل الحدث إلى الذاكرة كما لو أنّها تتكرر في الحاضر، كأن يسمع الشخص أصوات الانفجارات أو صراخ الناس من جديد. كما قد تظهر أعراض جسدية مثل القلق الدائم أو الكوابيس أثناء النوم، وأحياناً آلام جسدية يكون مصدرها نفسياً لا عضوياً.

 

 

لبنانيون يفترشون الطرقات في  بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)
لبنانيون يفترشون الطرقات في بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)

 

 

وعلى المستوى السلوكي قد يجد المصاب صعوبة في التفاعل مع الآخرين أو إنجاز مهامه اليومية، وقد يفقد اهتمامه بالأحداث من حوله، فيما قد تظهر أحياناً ردود فعل حادة مثل الغضب أو العدائية.

 

 

الحروب صدمة جماعية تعيشها العائلات اللبنانية


في بلدٍ عرف الحروب المتكررة، لا تقتصر الصدمة على الأفراد بل تتخذ أحياناً طابعاً جماعياً. ومن هنا تؤكّد صرّوف كعدي أن المجتمع اللبناني يعيش اليوم نوعاً من الصدمة الجماعية، إذ لا تقتصر آثار الحرب على من يعيشون في مناطق المواجهات، بل تمتد أيضاً إلى المناطق البعيدة عنها.

 

ففي المناطق التي تشهد الحرب يتعرض الناس للقصف والنزوح ويضطرون إلى مغادرة بيوتهم وأراضيهم، فيما يعيش اللبنانيون في مناطق أخرى حالة من القلق والخوف من انتقال هذه الأحداث إليهم، ما يجعل المجتمع بأكمله يعيش تحت وطأة شعور جماعي بالتهديد وعدم الاستقرار.

 

 

لبنانيون يفترشون الطرقات في  بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)
لبنانيون يفترشون الطرقات في بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)

 

 

وفي الحياة اليومية، قد يظهر هذا القلق في سلوكيات مختلفة على حدّ قولها، من متابعة الأخبار متابعة مفرطة، إلى اتخاذ احتياطات مبالغ فيها تحسباً لأي تصعيد. إلا أن صرّوف كعدي تلفت إلى ضرورة التمييز بين الخوف الطبيعي والصدمة النفسية. ففي الظروف غير المستقرة، من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالخوف وأن يتخذ بعض الاحتياطات، كشراء حاجيات إضافية أو تجنب مناطق قد تشكل خطراً. لكن عندما تتحول هذه المخاوف إلى سلوكيات مفرطة أو تصبح عائقاً أمام الحياة اليومية، كأن يعجز الشخص عن الخروج من منزله أو متابعة نشاطه المعتاد، عندها يمكن الحديث عن صدمة نفسية تتطلب اهتماماً ودعماً، تؤكّد صرّوف كعدي.

 

 

الصدمات جراء الحروب تطبع الذاكرة لأجيال


والمفارقة أن كثيراً من الشباب اللبنانيين الذين لم يعيشوا الحرب مباشرة يحملون آثارها النفسية بطريقة غير مباشرة. فالقصص العائلية، والصور القديمة، والأحداث السياسية التي تعيد التذكير بالماضي، كلها تساهم في نقل تجربة الحرب إلى الأجيال الجديدة.

ومن هنا تؤكّد صرّوف كعدي في هذا الإطار إلى أن الصدمات الكبرى يمكن أن تنتقل من جيل إلى آخر داخل العائلة، خصوصاً في مجتمع لم تتح له فرصة كافية للتعافي بين حرب وأخرى. وتشرح الأخصائية أنّ الأهل الذين يعيشون في ظل القلق والخوف قد ينقلون هذه المشاعر إلى أطفالهم عبر أسلوب تربيتهم أو ردود أفعالهم اليومية، ما يجعل الطفل ينشأ في مناخ نفسي مشبع بالتوتر، وقد يعيد بدوره إنتاج هذا القلق في حياته المستقبلية.

 

 

لبنانيون يفترشون الطرقات في  بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)
لبنانيون يفترشون الطرقات في بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)

 

كيف تظهر الصدمة عند الأطفال؟


أمّا عند الأطفال، فقد تظهر آثار الصدمة بطريقة أكثر وضوحاً. فالأعراض النفسية قد تتمثل في الخوف الشديد والتعلق بالأهل وعدم الرغبة في الابتعاد عنهم، أو البكاء المفاجئ عند تذكّر حادثة معينة. كما قد يعاني الطفل اضطرابات في النوم، مثل البكاء أثناء النوم أو التبول اللاإرادي، إضافة إلى تراجع الشهية للطعام.

أما على المستوى السلوكي، فقد يظهر الإفراط في الحركة أو على العكس الخمول وقلة النشاط، وقد يكرر الطفل اللعب بلعبة واحدة أو يرسم مشاهد مقلقة تعكس ما يختزنه من توتر وخوف.

 

 

لبنانيون يفترشون الطرقات في  بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)
لبنانيون يفترشون الطرقات في بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)

 

 

التعافي ممكن… لكن يحتاج إلى دعم


ورغم صعوبة التعافي من الصدمات النفسية، تؤكد صرّوف كعدي أن الأمر ليس مستحيلاً، خصوصاً عندما يحظى الشخص ببيئة داعمة ومحيط حاضن. وتشير إلى أن الدعم النفسي يبقى من أهم الوسائل التي تساعد الأفراد على تجاوز آثار الصدمة.

وفي ظل الأزمات المتكررة، تقدّم الاختصاصية مجموعة من النصائح الأساسية لحماية الصحة النفسية، منها تقليل الوقت الذي يُقضى أمام الشاشات وخصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة الأخبار، لأن الإفراط في متابعة الأحداث قد يزيد من حدّة التوتر. كما تشدد على أهمية الحفاظ على الروتين اليومي، وممارسة النشاطات والرياضة، وتخفيف الحديث المستمر عن الحرب.

وتلفت أيضاً إلى ضرورة التحدث مع الأطفال بصدق حول ما يجري، ولكن بطريقة تتناسب مع أعمارهم وقدرتهم على الاستيعاب، ومع مراعاة طبيعة البيئة التي يعيشون فيها.

 

 

لبنانيون يفترشون الطرقات في  بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)
لبنانيون يفترشون الطرقات في بيروت بعد التهجير من منازلهم بسبب الحرب 2026 (تصوير: نبيل اسماعيل)

 

 

الحروب في لبنان ذاكرة لا تزال حيّة


هكذا، يبدو أن الحروب في لبنان لم تنتهِ تماماً بانتهاء المعارك، بل بقيت حاضرة في الوعي الجماعي للمجتمع. فالذاكرة التي تشكّلت خلال سنوات العنف ما زالت تؤثر في طريقة رؤية اللبنانيين لأنفسهم ولمستقبلهم.

وبين التاريخ وعلم النفس والاجتماع، تنكشف حقيقة واحدة، أنّه في بلدٍ عرف الحروب طويلاً، يصبح التعافي ليس فقط مسألة إعادة إعمار الحجر، بل أيضاً مصالحة الذاكرة مع الماضي.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي 3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
المشرق-العربي 3/6/2026 6:00:00 AM
إلى أي مدى تمتلك إيران القدرة العسكرية على إصابة هذا الموقع الحساس، وما التداعيات المحتملة إذا تعرّض المفاعل فعلاً لهجوم مباشر؟
المشرق-العربي 3/6/2026 11:36:00 AM
منذ بدء الحرب بهجوم أميركي-إسرائيلي مشترك على إيران يوم السبت، حضت الحكومات الأجنبية مواطنيها على مغادرة دول الشرق الأوسط