اقتصاد العيش المنفرد... سوق تكبر مع تغيّر شكل الأسرة
يدفع ازدياد أعداد من يعيشون بمفردهم الشركات إلى تطوير وجبات وعبوات وأجهزة ومساكن وخدمات مصممة لشخص واحد، لكن هذه السوق تثير أيضاً أسئلة عن الأسعار المرتفعة ونفايات التغليف و"ضريبة العيش وحيداً".
لم يعد الشخص الذي يعيش وحده مجرد مستهلك يضطر إلى شراء منتجات مصممة للعائلات. تأخر الزواج، وارتفاع متوسط العمر، وانتقال الشباب إلى مدن أخرى للعمل أو الدراسة، كلها عوامل ساهمت في ظهور ما يسمى "اقتصاد العيش المنفرد"، وهو سوق تمتد من الوجبات الصغيرة إلى الأجهزة المنزلية والشقق المصغرة والسفر وخدمات الرعاية.
تستند هذه السوق إلى قاعدة ديموغرافية متنامية. في الولايات المتحدة، بلغ عدد الأسر المؤلفة من شخص واحد 39.7 مليون أسرة في عام 2025، أي 29 في المئة من مجموع الأسر، مقارنة بـ20 في المئة في عام 1975. وفي الاتحاد الأوروبي، تجاوز عدد الأسر المكوّنة من بالغ واحد من دون أطفال 76 مليوناً في عام 2025، أو نحو 37.5 في المئة من الأسر. وقد نما عددها 19.2 في المئة منذ عام 2016، في مقابل زيادة نسبتها ستة في المئة فقط في إجمالي عدد الأسر.
ويبدو التحول أكثر وضوحاً في آسيا. في كوريا الجنوبية، بلغ عدد الأسر المكوّنة من شخص واحد نحو 8.05 مليون في عام 2024، وشكلت قرابة 36 في المئة من مجموع الأسر. وفي سيول وحدها، ناهز عددها 1.66 مليون أسرة، أو نحو 40 في المئة من أسر المدينة.
أما في اليابان، فشكلت الأسر الفردية 38 في المئة من الإجمالي في عام 2020. ومن المتوقع أن يرتفع عددها إلى 23.3 مليون بحلول عام 2050، بما يعادل 44.3 في المئة من الأسر، وأن يكون نحو نصف أفرادها في سن 65 سنة أو أكثر. وهذا يجعل اقتصاد العيش المنفرد مرتبطاً بالشيخوخة بقدر ارتباطه بالشباب وتأخر الزواج.
صناعة الأغذية
ظهر أثر التحول أولاً في قطاع الأغذية. يتوسع إنتاج الوجبات الجاهزة والحصص الفردية وعبوات الحليب والعصير الصغيرة، إلى جانب خدمات توصيل الطعام ومكونات الطبخ المقسمة مسبقاً. وبحسب تقديرات شركة "غراند فيو ريسيرش" البحثية الأميركية، بلغت قيمة سوق عبوات الحصة الواحدة نحو 10.4 مليار دولار في عام 2024، وقد تصل إلى 15 ملياراً في عام 2030. ويقيس هذا الرقم العبوات فقط، لا مجمل إنفاق من يعيشون بمفردهم.
لكن السوق تتجاوز الطعام. تعرض الشركات ثلاجات وغسالات وأفراناً وأجهزة طهو أصغر حجماً، بينما ينتج قطاع الأثاث قطعاً قابلة للطي والتعديل لتلائم المساحات المحدودة. ويتزايد الطلب أيضاً على المكانس الروبوتية وخدمات التنظيف والصيانة والتخزين، لأنها تؤدي مهمات كان يمكن توزيعها على أكثر من شخص داخل الأسرة.
قطاع العقارات
وفي العقارات، يتسع الاهتمام بالشقق الصغيرة المفروشة ومشاريع السكن التي تجمع بين وحدة خاصة ومرافق مشتركة. كذلك تطور شركات السياحة رحلات وتجارب مخصصة للمسافر المنفرد، بدلاً من التعامل معه دائماً وكأن ثمة نصفاً آخر له. وبالنسبة إلى كبار السن، تنمو الحاجة إلى أجهزة الاستغاثة والحساسات المنزلية وتوصيل الأدوية والطعام وخدمات الرعاية عند الطلب.
غير أن العيش منفرداً يحمل ما يوصف بـ"ضريبة الفرد الواحد". يتحمل شخص واحد الإيجار والكهرباء والإنترنت والتأمين من دخل واحد، بينما تتقاسم الأسرة الأكثر عديداً هذه النفقات. وتكون العبوات الصغيرة أغلى عادة عند احتساب سعر الكيلوغرام أو اللتر، بسبب ارتفاع تكلفة التغليف والتوزيع لكل وحدة.
وتظهر مفارقة بيئية بدورها: قد تقلل الحصص المناسبة كمية الطعام المهدور، لكنها تستخدم مواد تغليف أكثر من العبوات العائلية. ولذلك سيكون التحدي أمام الشركات هو توفير أحجام صغيرة بعبوات قابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير، ومن دون تحميل المستهلك علاوة سعرية مبالغاً فيها.
في العالم العربي
في العالم العربي لا تزال الأسرة الممتدة أكثر حضوراً، كما تظل البيانات الإقليمية عن العيش المنفرد محدودة. لكن السوق مرشحة للنمو في المدن الكبرى التي تستقطب الطلاب والمهنيين وبعض فئات العمالة الوافدة المقيمة في صورة فردية، بالتزامن مع تأخر الزواج وارتفاع عدد كبار السن.
بيد أن الفرصة العربية لا تكمن في بيع عبوة أصغر بسعر أعلى، بل في تقديم منتج يقلل الهدر ويوفر الوقت ويحسن استخدام المساحة. فمن يعيش وحده لا يبحث عن نسخة ناقصة من المنتج العائلي، بل عن سلعة أو خدمة مصممة منذ البداية على قياس حياته.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟
نبض