رئيساً لسوق المال السعودية... مازن السديري من ناقدٍ للسوق إلى مسؤول عنها
تحدي مازن السديري ليس ضبط البورصة، بل توسيعها وتعميقها بإدراجات كبرى وتشريعات وبنية رقمية وقطاعات جديدة جاذبة وتكامل بينها وبين الاقتصاد تنقلها من "أفضل عشرة" عالمياً إلى "أكبر ثلاثة".
حين وقّع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الأمر الملكي الذي وضع اسم مازن بن تركي السديري على رأس هيئة السوق المالية في 13 آب/أغسطس 2026، لم يكن أحد في الأوساط المالية السعودية بحاجة إلى تعريف بالرجل. لكن من عرفه عن قرب، لا من الشاشة أو العمود الأسبوعي فقط، يعرف أن ما يحرّك تحليله للأرقام ليس الأرقام نفسها، بل سؤال أعمق: ما الفكرة التي تقف خلف كل نظام اقتصادي وقرار استثماري؟ السديري، قبل أن يكون محللاً مالياً أو رئيساً لهيئة تنظيمية، عقل مولع بالفلسفة، ينظر إلى السوق والدولة والمال كتجليات لمبادئ فكرية أكبر منها بكثير، وهذا بالضبط ما يفسّر لماذا لم يكتفِ يوماً بعرض الرقم، بل كان يسأل دائماً: أي فكر يحرّك هذا الاقتصاد، وأي مبدأ كبير يجب أن يحققه أي نظام يستحق أن يُبنى عليه بلد؟
المفارقة أن أغلب ما انتقده السديري محللاً - ضعف الرقابة على التدقيق، تسرّب المعلومات، هيمنة تداول الأفراد، غياب قطاعات كاملة عن الإدراج - هو نفسه الملف الذي سيُقاس عليه أداؤه رئيساً. لكن، وهذا ما يستحق التوقف عنده منذ السطر الأول، مهمته الفعلية أكبر من مجرد إدارة هذا الملف: فالرقابة اليومية على السوق وتطوير أدواتها التنظيمية أنجزها سلفه محمد القويز إلى حد بعيد خلال سنوات رئاسته للهيئة، التي شهدت تشديداً ملموساً في ملاحقة حالات التلاعب بالأسعار والتداول على المعلومات الداخلية، إلى جانب تطوير الإطار التنظيمي للإدراج والإفصاح. ما يُنتظر من السديري مختلف في طبيعته: ليس ضبط السوق القائم، بل مضاعفة حجمه ليقفز من "أفضل عشرة" إلى مصاف "أكبر ثلاثة" أسواق في العالم — وهذا يتطلب أدوات لا تملكها الرقابة وحدها.
سبع ملفات من اليوم الأول
الحجم مقابل الطموح: في يوليو/تموز 2022 حدّد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الهدف: أن تصبح السوق السعودية من بين أكبر ثلاث بورصات في العالم. جزء من الطموح تحقق فعلاً؛ بلغت القيمة السوقية للسوق الرئيسية في تداول 9,452.81 مليار ريال (نحو 2.52 تريليون دولار) بنهاية يوليو/تموز 2026. لكن حتى العام الماضي كانت السوق ضمن أكبر عشر بورصات بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي لـ"تداول" خالد الحصان ذكرها في أكتوبر/تشرين الأول 2025. أي أن هناك الحاجة لمزيد من العمل للوصول إلى طموح ولي العهد.
أرامكو وحدها، بقيمة سوقية بلغت 1.7 تريليون دولار، تمثّل نحو 40% من قيمة كل الشركات المدرجة في الشرق الأوسط، بحسب قائمة فوربس الشرق الأوسط لعام 2026 — رقم يكشف اعتماداً مفرطاً على شركة واحدة أكثر مما يكشف عمقاً حقيقياً للسوق. والانتقال من "أفضل عشرة" إلى "أكبر ثلاثة" يعني منافسة هونغ كونغ وشانغهاي وطوكيو، وهو رهان لا تحسمه قيمة عملاق نفطي واحد، بل اتساع قاعدة الإدراج نفسها.
فجوة التنظيم الرقمي: مع ثورة الذكاء الاصطناعي ومع تطور أساليب التداول الرقمي والألي السلبي هناك العديد من التحديات التقنية أمام السوق الذي لا يزال يعتبر تقليدياً عند الحديث عن التحول الرقمي. في المقابل، يتّسع حجم التداول الآلي مع دخول مؤسسات أجنبية جديدة عقب فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب في فبراير/شباط 2026.
قطاعات لا تزال غائبة: يضم السوق الرئيسية اليوم أكثر من 270 شركة مدرجة (270 شركة بحلول يونيو/حزيران 2026، مقارنة بـ268 شركة في فبراير/شباط من العام نفسه)، يتصدرها قطاع الطاقة والبتروكيماويات، يليه القطاع المصرفي الذي يضم 10 بنوك مدرجة بعد عمليات الدمج المصرفي التي شهدتها السوق في السنوات الأخيرة. المقاولات الكبرى والصناعات الثقيلة غير المرتبطة بالطاقة لا تزال ممثَّلة بشكل محدود — الملاحظة ذاتها التي سجّلها السديري محللاً في مقابلة عام 2015. عقد كامل مرّ، والمشهد يحمل الملامح ذاتها إلى حد بعيد.
سيولة تبحث عن الخارج: بلغ إجمالي تداولات السعوديين (بيعاً وشراءً) في الأسهم الأميركية خلال عام 2025 كاملاً نحو 837 مليار ريال (223.2 مليار دولار)، بنمو سنوي 168% مقارنة بـ313 مليار ريال (83.5 مليار دولار) في 2024، بحسب بيانات هيئة السوق المالية. وبلغت هذه التداولات في الربع الرابع من 2025 وحده نحو 254 إلى 259 مليار ريال (67.7 إلى 69.1 مليار دولار)، وهو أعلى مستوى فصلي مسجَّل. الغالبية العظمى من هذه التداولات لا تزال متركزة في سوق الأسهم الأميركية.
سوق لا يزال بيد الأفراد: بلغ عدد المستثمرين الأفراد 7.28 مليون مستثمر بنهاية الربع الأول من 2026، بزيادة 520 ألف مستثمر سنوياً، بقيمة ملكية إجمالية لجميع فئات المستثمرين الأفراد بلغت 883.9 مليار ريال (235.7 مليار دولار)؛ منها 458.2 مليار ريال (122.2 مليار دولار) لملكية المستثمرين الأفراد المتخصصين، و259.3 مليار ريال (69.2 مليار دولار) لملكية كبار المستثمرين الأفراد. وصرّح سلف السديري، محمد القويز، في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بأن 50% فقط من التداول يمرّ عبر المؤسسات — أي أن النصف الآخر لا يزال قراراً فردياً، لا مؤسسياً.
إغراء الشركات العائلية: قال القويز إن الهيئة تعمل على إدراج نحو 50 شركة سنوياً، آملاً أن تكون الاكتتابات المقبلة لشركات تقنية ولوجستية "لا مصانع كرتون وبلاستيك" — إشارة ضمنية إلى أن كيانات كبرى في التجزئة والمقاولات والصناعات الغذائية لا تزال مملوكة عائلياً وخارج السوق تماماً.
قرار على الورق يبحث عن ثقة فعلية: ارتفعت ملكية المستثمرين الدوليين في السوق المالية من 498 مليار ريال (132.8 مليار دولار) بنهاية 2024 إلى أكثر من 590 مليار ريال (157.3 مليار دولار) بنهاية الربع الثالث من 2025 (منها نحو 519 مليار ريال أو 138.4 مليار دولار في السوق الرئيسية وحدها)، بحسب بيان رسمي لهيئة السوق المالية. وواكب ذلك ارتفاع في نسبة ملكية المستثمرين الأجانب من السوق إلى 4.72% بنهاية 2025، ثم إلى 4.83% في 22 يناير/كانون الثاني 2026، قبل أن تتراجع قليلاً إلى 4.63% بنهاية يوليو/تموز 2026. لكن حين طُبّق قرار فتح السوق فعلياً في فبراير/شباط 2026، تراجع المؤشر العام في أول جلسة نحو 1.9%، بتداولات إجمالية بلغت نحو 2.7 مليار ريال (720 مليون دولار) في تلك الجلسة. تحليلياً، هذا لا يعني فشل القرار، لكنه يكشف أن الانفتاح التنظيمي لا يُترجم تلقائياً إلى ثقة سوقية وهي المسافة التي سيُقاس عليها نجاح السديري. حدود الملكية الأجنبية لا تزال أيضاً عند 10% للمستثمر الواحد و49% إجمالاً، وهي الحدود التي أعلن القويز عزم هيئته مراجعتها.
من ضبط السوق إلى صناعة حجمها: المهمة التي تختلف عن مهمة القويز
تسعة أعوام تقريباً من رئاسة محمد القويز للهيئة تركت إرثاً واضحاً: تشديد الرقابة على التداول المشبوه والتلاعب بالأسعار، وتطوير أدوات الإفصاح والحوكمة للشركات المدرجة، وفتح تدريجي للسوق أمام المستثمرين الأجانب توّج بقرار فبراير/شباط 2026. هذا عمل تنظيمي بامتياز: ضبط قواعد اللعبة داخل سوق قائمة أصلاً.
مهمة السديري، قد تكون مختلفة في جوهرها. تحويل السوق السعودية من مصاف "أفضل عشر بورصات" إلى مصاف "أكبر ثلاث بورصات" في العالم، كما حدّده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ليس هدفاً يتحقق بمزيد من الضبط الرقابي وحده، بل يحتاج إدراج مشاريع ضخمة وشركات مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، القوة المالية الأكبر القادرة على توفير أحجام إدراج تُحدث فرقاً فعلياً في القيمة السوقية الإجمالية للسوق — على غرار ما فعلته أرامكو، التي تمثّل وحدها نحو 40% من قيمة كل الشركات المدرجة في الشرق الأوسط.
وهنا تحديداً تصبح خلفية السديري في "لجنة الاستثمار" التابعة لمجلس إدارة الصندوق، لا مجرد سطر في سيرته الذاتية، بل مفتاحاً لفهم سبب اختياره لهذه المهمة تحديداً. فمن جلس على طاولة تراجع قرارات توظيف رأس المال السيادي، إلى جانب محافظ ساما أيمن السياري ورئيس اللجنة وزير الدولة إبراهيم العساف ووزير الاقتصاد فيصل الإبراهيم ومحافظ الصندوق ياسر الرميان، يعرف من الداخل أي شركات مملوكة للصندوق باتت جاهزة تشغيلياً ومالياً للطرح العام، وأيها لا تزال بحاجة لإعادة هيكلة قبل أن تتحمّل شفافية السوق المفتوحة. هذه المعرفة المزدوجة — بمعايير الهيئة التنظيمية للإدراج من جهة، وبجاهزية الأصول المرشحة للطرح من الداخل من جهة أخرى — هي بالضبط ما لم يكن يملكه أي من رؤساء الهيئة السابقين بالقدر نفسه، وهي قد تكون السبب الحقيقي وراء اختياره لهذا الموقع في هذه المرحلة تحديداً، لا مجرد امتداد طبيعي لمسيرته التحليلية.
سنوات بلجيكا وفرنسا: حيث تشكّل عقله الاقتصادي والفكري معاً
لا يمكن فهم طريقة تفكير السديري بمعزل عن السنوات التي قضاها بين بلجيكا وفرنسا. بعد بكالوريوس الهندسة الصناعية من جامعة الملك سعود عام 2003، انتقل إلى فرنسا لدراسة الماجستير في العلوم المالية بالمعهد العالي للإدارة (ISG) عام 2008. الإقامة الفرنسية لم تكن محطة أكاديمية بحتة؛ فالفرنسية التي يجيدها السديري بطلاقة فتحت له باباً مباشراً إلى تراث فكري فرنسي واسع لم يتخلَّ عنه لاحقاً، بل عاد يستحضره كلما ناقش أسئلة تتجاوز الأرقام إلى بنية النظام نفسه.
هذا التكوين الفرنكوفوني ليس تفصيلاً هامشياً في قراءته الاقتصادية. مدرسته الفكرية في الاقتصاد ليبرالية بالمعنى الكلاسيكي، تنطلق من "ثروة الأمم" لآدم سميث — وهو كتاب لا ينفصل تاريخياً عن فرنسا نفسها: تأثر سميث بمدرسة الفيزيوقراطيين الفرنسيين الذين عاصرهم أثناء إقامته في فرنسا قبيل تأليف الكتاب، وهم من أوائل من طرحوا أن الثروة تنبع من الإنتاج الفعلي لا من تكديس الذهب والفضة، وأن التدخل الحكومي المفرط يعطّل هذا الإنتاج بدل أن يخدمه. السديري القارئ الفرنكوفوني لم يقرأ سميث بمعزل عن هذا الأصل الفرنسي، بل من خلاله؛ وهذا ما يفسر إيمانه العلني المتكرر بأن القطاع الخاص، لا الإنفاق الحكومي، هو المحرك الحقيقي لأي سوق مالية ناضجة.
لكنها ليبرالية مشروطة لا مطلقة. فمن عرفه عن قرب يلمس أن قراءته لسميث لا تتوقف عند "اليد الخفية" وحدها، بل تمتد إلى القناعة بأن كفاءة السوق تحتاج حارساً — ومن هنا انسجام دعوته المتكررة لتشديد الرقابة على مكاتب التدقيق ومكافحة تسرّب المعلومات مع إيمانه بالسوق الحرة وبالدور التنظيمي الفاعل للدولة داخل السوق الحرة، لا خارجها أو بديلاً عنها.
الفيلسوف خلف المحلل
من يجالس السديري في نقاش يتجاوز الرقم اليومي للسوق يكتشف سريعاً أن اهتمامه بالفلسفة ليس زخرفة ثقافية طارئة، بل عدسة يقرأ من خلالها كل شيء تقريباً: السوق، الدولة، القانون، وحتى سلوك المستثمر الفرد. من أبرز ما يعود إليه في أحاديثه اسما زكي نجيب محمود وعبدالرحمن بدوي، عَلَمان من أجيال مختلفة في الفلسفة العربية الحديثة، وإعجابه الفكري بمواقف فقهية لابن تيمية يصفه بأنه "مفكر سابق لزمنه" — وصف يكشف نزعته إلى قراءة التراث لا بوصفه ماضياً مغلقاً، بل مصدر أسئلة لا تزال حية.
حين سُئل علناً في حلقة بودكاست "فنجان" عام 2021 عن الكتب التي أثّرت في تكوينه، لم يذكر مرجعاً واحداً في التمويل التطبيقي، بل ثلاثة نصوص كلاسيكية في الفلسفة السياسية والاقتصادية: "ثروة الأمم" لآدم سميث، و"من صفر إلى واحد" لبيتر ثيل، و"روح القوانين" لمونتسكيو. هذا الاختيار ليس تفصيلاً عابراً في سيرته، بل مفتاح لفهمه: فالسديري لا يرى في الاقتصاد علماً تقنياً مغلقاً على نفسه، بل تطبيقاً لمبادئ أكبر عن كيف تُبنى الأنظمة التي تسمح للأفراد والشركات بالازدهار دون أن تنزلق إلى الاستبداد أو الفوضى.
قراءته لمونتسكيو، تحديداً، هي الأكثر كشفاً. "روح القوانين"، الصادر عام 1748، هو النص الذي أرسى نظرية الفصل بين السلطات، محذّراً من أن اجتماعها في يد واحدة يقود حتماً إلى الاستبداد. محلل يستحضر هذا الكتاب بدل نص اقتصادي بحت لا يهمّه فصل السلطات كنظرية سياسية مجردة فقط، بل كأساس للحوكمة داخل أي سوق مالية: استقلالية الجهة الرقابية عن الجهات التي تراقبها. وهذا الهاجس ينسجم مباشرة مع دعوته المتكررة لتشديد الرقابة على مكاتب التدقيق الكبرى تحديداً لأن تركّزها يخلق تضارب مصالح، ومع الأحكام التي يتضمنها نظام السوق المالية والتي تحدّ من ممارسة رئيس الهيئة وأعضائها أي عمل خاص أو تقديم استشارات للقطاع الخاص أثناء توليهم المنصب — فصل حرفي بين موقع القرار وموقع المصلحة الخاصة.
هذه القراءة الفلسفية العميقة هي ما يفسّر أن السديري لم يكتفِ يوماً بعرض الرقم وحده، بل كان يربطه دائماً بسؤال أكبر عن طبيعة الدولة والسوق والفرد: من مقارنته بين نموذج الصندوق السيادي النرويجي المموَّل بالضرائب ونماذج خليجية الممولة بالفائض، إلى مقارنته بين حصة القطاع المصرفي في مؤشري السوق الأميركي والبريطاني عبر أكثر من قرن، إلى استحضاره المتكرر لتجربة سنغافورة كلما نوقشت جدوى الإصلاح الاقتصادي العربي. هذا النمط في التفكير وهو اللجوء الدائم إلى مبدأ فكري أو مثال دولي مضاد قبل إصدار أي حكم على الحالة السعودية نتيجة وأثر مباشر لسنوات تكوينه بين بلجيكا وفرنسا والرياض، ومناعة نسبية ضد الخطاب الترويجي المحلي الذي يقارن الإنجاز بالماضي فقط لا بالمبدأ أو بالمنافس الفعلي.
نمط متكرر: التصحيح لا المجاملة
في مقابلة تلفزيونية عام 2015 مع الإعلامي راشد الفوزان، صحّح السديري رقماً شائعاً بأن نسبة تداول الأفراد كانت قرابة 70%، لا 90% كما تردّد. وفي مقال منشور، ردّ بالاسم على كاتب استند إلى خلط شائع بين أصول مؤسسة النقد العربي السعودي واحتياطي الحكومة العام. وهذا يعكس حرص السديري على المعلومة الصحيحة ورغم ذلك في كثير من مواقفه كان هناك توازن بين اتخاذ موقف وترك مساحة لمن يخالفه، ينسجم مع قراءته لمونتسكيو أكثر مما ينسجم مع منطق الولاء المؤسسي الأعمى.
القناعة التي تلخّص عقدين من كتاباته أوجزها بنفسه: "المشكلة ما هي في السوق ولا من المنظّم، المشكلة في اقتصادنا اللي ما حاول يزاوج بينهم". أي أن ضعف انعكاس الاقتصاد الحقيقي على مؤشر الأسهم، في تحليله، ليس قصوراً تنظيمياً بحتاً، بل نتاج بنية اقتصادية لا يزال القطاع العام محركها الأول — رغم أن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت إلى 51% في 2025، متجاوزة المستهدف السنوي البالغ 47%، مقارنة بـ44% عند إطلاق رؤية 2030، بحسب التقرير السنوي لرؤية 2030 الصادر في أبريل/نيسان 2026.
مسيرة صنعت شبكة قبل أن تصنع منصباً
بدأ محللاً في بنك ديغروف ببلجيكا (2008-2009)، ثم محللاً لقطاعي الطاقة والبتروكيماويات في سامبا كابيتال (2010-2011) — محطة صنعت جزءاً من هويته المهنية عبر متابعته الدائمة لسابك وأرامكو. ترأس أبحاث المبيعات في الاستثمار كابيتال بين 2012 و2017، ثم قاد إدارة الأبحاث في الراجحي المالية من 2017 حتى 2024، أطول محطاته وأكثرها ظهوراً إعلامياً، قبل أن يُعيَّن مستشاراً بالأمانة العامة لمجلس الوزراء بالمرتبة الممتازة في مايو/أيار 2024.
الاختبار الذي لا تحسمه السيرة ولا الفلسفة
خلفية السديري التحليلية تمنحه فهماً دقيقاً لآلية عمل السوق من الداخل، وشبكة علاقات مباشرة مع كبرى الشركات المدرجة، ومقعده السابق في لجنة استثمار الصندوق يعني معرفة مباشرة بطريقة تفكير أكبر مستثمر مؤسسي في السوق وبجاهزية أصوله المرشحة للطرح. حضوره الإعلامي الطويل — من مجلس تحرير "العربية" إلى عمود "وضوح" في صحيفة الرياض — يمنحه أداة نادراً ما امتلكها رؤساء الهيئة السابقون: القدرة على مخاطبة السوق لا التحدث فوقه.
لكن الفلسفة التي تمنحه عمقاً في التشخيص لا تمنحه بالضرورة أدوات الحل، وميراث القويز في ضبط السوق يمنحه أساساً تنظيمياً صلباً ولا يعفيه من مهمته الأكبر. الفجوة بين ما كان يقوله محللاً مستقلاً، وما سيقدر على تنفيذه رئيساً ملزماً بالتنسيق مع وزارة المالية وصندوق الاستثمارات العامة وسياسات أوسع من صلاحياته المباشرة، تبقى فجوة حقيقية.
المشكلة التي شخّصها بنفسه قبل عقد كامل — أن "تقاطع الاقتصاد مع السوق" هو جوهر القصور، لا أداء الهيئة وحدها — لا تزال قائمة بالحرف تقريباً. وربما يكون هذا هو الاختبار الأدق لرئاسته: ليس ما إذا كان سيصدر لوائح جديدة تعكس فصل مونتسكيو بين السلطات أو حرية سميث في الأسواق، بل ما إذا كان قادراً، من داخل الموقع الذي لطالما رآه عاجزاً وحده عن الحل، أن يقنع بقية الاقتصاد السعودي بالمزاوجة التي طالما نادى بها من خارجه — وأن يحوّل مقعده السابق على طاولة الصندوق إلى إدراجات فعلية تنقل السوق من "أفضل عشرة" إلى "أكبر ثلاثة".
نبض