الانهيار الذي كان يمكن تجنبه: القطاع اللبناني الذي لم يُبنَ يوماً (2 من 3)
د. محمد أحمد أبو هميا*
نعرض هنا كيف يمكن لقطاع خارجي منتج ومصدر وراسخ، إن بُني اليوم، أن يكسر آلية الانهيار نفسها من جذورها، لا أن يكتفي بمعالجة نتائجها بعد وقوعها. والنقطة التي يبدأ منها هذا الأثر ليست لحظة الأزمة القادمة، بل سعر الفائدة نفسه، من اليوم الأول لبناء هذا القطاع. فما دامت العملة الأجنبية التي يحصل عليها الاقتصاد آتية أساساً من تدفقات الودائع والاقتراض الخارجي، لا من صادرات فعلية، يبقى المصرف المركزي مضطراً إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة باستمرار. لا فقط في لحظات الدفاع عن سعر الصرف، بل كسياسة دائمة لجذب تدفقات جديدة من الدولارات تعوّض غياب أي مصدر تصدير لها، كما كانت الحال فعلياً طوال العقدين اللذين سبقا عام 2019.
أما إذا بدأ لبنان ببناء قاعدة تصديرية حقيقية، فإن أول أثر ملموس لهذا البناء لن يظهر بعد سنوات طويلة، بل في مسار الفائدة نفسه بمجرد أن تبدأ العملة الصعبة بالتدفق من التجارة الفعلية لا من الودائع وحدها. إذ يخف تدريجياً اضطرار المصرف المركزي إلى إبقاء الفائدة مرتفعة لجذب تدفقات تعويضية. وهذا التحوّل ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو كسر مباشر لآلية الانهيار الذاتية التغذية التي حكمت لبنان طوال عقدين. غياب القطاع الخارجي فرض الاعتماد على تدفقات الودائع. والاعتماد على تدفقات الودائع فرض إبقاء الفائدة مرتفعة لجذبها. وارتفاع الفائدة بدوره أغلق الباب أمام أي استثمار إنتاجي كان يمكن أن يبني القطاع الخارجي الغائب أصلاً. وبقدر ما يتوسع القطاع التصدير، تضعف كل حلقة من حلقات هذه السلسلة تباعاً. بدل أن تبقى الفائدة المرتفعة أداة دائمة تمنع لبنان من الخروج من الفخ الذي وقع فيه أصلاً.
حين تتدفق عائدات التجارة بدل رأس المال: الآلية المعكوسة
وكلما ازداد اعتماد الاقتصاد على التجارة الفعلية بدل استقطاب الودائع، كلما ابتعد المصرف المركزي عن الحاجة إلى جذب تدفقات مستمرة من الخارج للدفاع عن عملته، لأن الصادرات نفسها توفر له المطلوب من العملة الصعبة، ويصبح بإمكانه أن يترك سعر الفائدة عند مستويات تعكس التكلفة الحقيقية لرأس المال في اقتصاد منتج. وهي مستويات أقل بكثير مما شهده لبنان طوال العقدين الماضيين.
وهذا الانخفاض في كلفة الاقتراض لن يبقى مجرد رقم في نشرة مصرفية، بل سيغيّر اتجاه رأس المال نفسه. إذ يتجه رأس المال، بحكم منطق العائد والمخاطرة ذاته الذي دفعه سابقاً نحو المصارف والعقارات، نحو الاستثمار الإنتاجي متى أصبح هذا الاستثمار هو الخيار الأكثر جدوى، لا الأقل جدوى كما كانت الحال فعلياً. ومن هذا التحوّل تحديداً يمكن أن ينبثق نمو اقتصادي أعلى ومستدام. لا نمو موسمي مرتبط بدورة ثقة قابلة للتبخر، بل نمو قائم على استثمار حقيقي في قطاعات منتجة. وهو وحده القادر على خلق فرص عمل لائقة ومستقرة، لا وظائف هشة مرتبطة بالاستهلاك الممول بالدين. وهذا بالتحديد هو الفارق الجوهري بين ازدهار حقيقي، قائم على إنتاجية فعلية وقابل للاستمرار عبر الزمن، وازدهار زائف، قائم على تدفقات مالية هشة وثقة نفسية قابلة للانهيار بين ليلة وضحاها. وهو الازدهار الزائف نفسه الذي عاشه لبنان لعقدين قبل أن ينهار بالكامل في 2019.
ونمو حقيقي من هذا النوع لن يبقى أثره مقتصراً على القطاع الخاص، بل سينعكس مباشرة على قدرة الدولة نفسها. فالنشاط الاقتصادي المتنامي في الصناعة والزراعة والخدمات التصديرية يولّد، بحكم اتساعه وتكراره، قاعدة ضريبية حقيقية ومتجددة، ترتبط بحجم الإنتاج والتصدير الفعلي لا بحجم الودائع أو أرباح المصارف والعقارات. وهذه القاعدة، بخلاف الريع المصرفي الذي ينكمش هو نفسه في اللحظة التي تحتاجه الدولة فيها أكثر ما تحتاج، كما حدث فعلياً في 2019، تمنح الدولة هامشاً مالياً مستقلاً وقابلاً للنمو مع نمو الاقتصاد نفسه، لا هامشاً يتقلص مع كل أزمة ثقة. وهذا الاستقلال المالي هو ما سيغيّر بدوره سلوك مصرف لبنان عند وقوع أي عجز تجاري لاحق. فبدل أن يضطر إلى تمويل عجز الدولة بطباعة الليرة، لأن القاعدة الضريبية الهشة لم تترك أمامه خياراً آخر كما حدث فعلياً، سيكون بإمكانه تقليص الكتلة النقدية فعلياً عند الحاجة. من دون أن يدفع الدولة نفسها نحو العجز عن سداد التزاماتها أو يدفع المصارف نحو أزمة سيولة فورية. أي الانتقال من انكماش نقدي جزئي ومتأخر، كما جرى فعلياً، إلى انكماش حاسم وفوري يعالج الاختلال في وقته بدل تأجيله إلى أن يتفاقم.
وهذا الانكماش الحقيقي، حين يقع، سيغيّر طبيعة التضخم نفسه أيضاً. فبدل أن يصطدم الطلب المنكمش بأسعار مستوردة يُعاد تسعيرها فحسب، كما حدث فعلياً، سيصطدم بأسعار منتجين محليين يتنافسون فيما بينهم على سلع فعلية يُنتجها الاقتصاد. فينتج عن ذلك انكماش سعري حقيقي، لا تضخم مستورد يضرب القدرة الشرائية من دون أي كابح محلي يوازنه. وبذلك تُغلق الحاجة إلى الأداة الأكثر تدميراً في الحلقة الأصلية، وهي رفع الفائدة الحاد للدفاع عن سعر الصرف عبر حساب رأس المال، لأن انخفاض تكاليف الإنتاج المحلي مقروناً بالانكماش السعري سيرفع تنافسية الصادرات ويزيد المعروض من العملة الصعبة من مصدرها الطبيعي، أي التجارة، لا من حساب رأس المال، حتى في ظل تثبيت سعر الصرف. وهنا تكتمل حلقة معاكسة تماماً لما شهده لبنان فعلياً. فائدة منخفضة تولّد نمواً حقيقياً. والنمو الحقيقي يولّد إيرادات تتيح انكماشاً نقدياً حاسماً حين يلزم. والانكماش الحاسم يصطدم بأسعار محلية حقيقية فينتج انكماشاً سعرياً بدل تضخم مستورد. وكل ذلك مجتمعاً يبقي الفائدة منخفضة أصلاً، بدل أن يفرض رفعها بشكل مدمّر كما حدث فعلياً.

وهذا الفارق الشامل في مسار الفائدة والنمو والإيرادات سينعكس أخيراً على طبيعة القطاع المصرفي نفسه، لا فقط على أداء الاقتصاد الحقيقي. فالنموذج المصرفي اللبناني الفعلي كان قائماً على جذب الودائع بفوائد مرتفعة لتمويل عجز الدولة والدفاع عن سعر الصرف. أي أن المصارف كانت في جوهرها أداة تمويل للريع والدين العام، لا وسيطاً بين المدخرين والقطاعات المنتجة. وهو ما جعلها شديدة الانكشاف على الدولة والعملة في آنٍ واحد. حين تعثرت الدولة وانهارت الليرة، انهارت المصارف معها دفعة واحدة، لأن أصولها الأساسية، أي سندات الدين السيادي وتوظيفاتها لدى مصرف لبنان، كانت مرتبطة عضوياً بالمخاطر نفسها التي أسقطت الدولة. أما في اقتصاد يملك قطاعاً خارجياً منتجاً وفائدة أقرب إلى تكلفة رأس المال الحقيقية، فإن الطلب على الائتمان المصرفي سيأخذ شكلاً مختلفاً جوهرياً. تمويل رأس مال عامل للمصانع والمزارع التصديرية. وتمويل تجاري لعمليات التصدير والاستيراد المرتبطة بالإنتاج. واعتماد مستندي لشركات تبيع فعلياً في أسواق خارجية. وهذا النوع من الائتمان سيُبقي أصول المصارف مرتبطة بأداء اقتصادي حقيقي وقابل للتنويع عبر قطاعات وأسواق متعددة، بدل أن تكون كلها رهينة قرار سيادي واحد أو عملة واحدة.
وبذلك تنخفض العلاقة العضوية الخطرة بين مخاطر الدولة ومخاطر القطاع المصرفي التي كانت السبب المباشر في انهيار المصارف اللبنانية بمجرد انهيار الدولة والعملة معاً. وهذا الانعكاس الشامل في مسار الفائدة والنمو والإيرادات والقطاع المصرفي معاً ليس سيناريو نظرياً بعيد المنال، بل هو الأساس الذي يقوم عليه كل من مبرر إعادة بناء القطاع الخارجي اليوم، ومسار العمل لبنائه.
حين يتحوّل الانهيار الاقتصادي إلى تهديد للسلم الأهلي
أن الانهيار الاقتصادي في لبنان لا يمكن فصله عن البنية السياسية العميقة التي يقوم عليها النظام اللبناني. فالنظام التوافقي القائم على تقاسم السلطة والموارد بين المكونات الطائفية، وهو نظام له مبرراته التاريخية في الحفاظ على التوازن الأهلي، أنتج بمرور الوقت حوافز اقتصادية معينة. توزيع الفرص والموارد عبر شبكات محلية مرتبطة بكل منطقة أو طائفة على حدة، بدل آليات وطنية موحدة. وهو ما جعل من الصعب بلورة مشروع اقتصادي جامع يخدم لبنان ككل بدل أن تديره كل مجموعة أو منطقة بشكل منفصل عن الأخرى. فكل مكوّن يدير حصته من الموارد المتاحة ضمن نطاقه الخاص، بينما يبقى التخطيط لاقتصاد إنتاجي موحد يستفيد منه اللبنانيون جميعاً، بصرف النظر عن انتمائهم، مشروعاً لم يحظَ يوماً بالأولوية الكافية.
وحين يتقاطع هذا الانقسام البنيوي مع الفقر المتصاعد، يكمن الخطر الحقيقي. فتتوافر عندها كل مقومات الانفجار الاجتماعي. وهذا ليس افتراضاً نظرياً، بل درساً علّمته التجربة اللبنانية للعالم عام ١٩٧٥ بقسوة. أن الفقر والتضخم الجامح لا يبقيان في دائرة الاقتصاد، بل يتحولان بسرعة إلى وقود للعنف حين ينعدم الأفق الاقتصادي أمام جيل كامل من الشباب. فلم يكن كل من حمل السلاح آنذاك مقاتلاً أيديولوجياً. بل كان كثيرون شباناً عاديين يبحثون عن أجر في اقتصاد أغلق أبوابه أمامهم. واليوم، وبعد خمسة عقود، تتكرر المعادلة نفسها بمكوناتها كلها. شباب بلا عمل، وعائلات فقدت مدخراتها، ودولة عاجزة، وسط بنية مجتمعية قابلة، في غياب مشروع اقتصادي جامع، لأن تتحول فيها الضائقة الاقتصادية إلى احتقان إضافي بدل أن تتحول إلى مطالبة وطنية موحدة بالإصلاح.
وإذا كان هذا هو حجم الخطر، فإن بناء قطاع خارجي منتج يكتسب معنى يتجاوز كونه سياسة اقتصادية تقنية، ليصبح مشروعاً وطنياً قادراً على معالجة الآلية نفسها التي تغذي هذا الاحتقان. فمصادر الدخل التقليدية في لبنان، من الريع المصرفي والعقاري إلى السياحة، توزّعت تاريخياً عبر شبكات محلية واجتماعية متعددة أكثر مما توزّعت عبر آليات وطنية موحدة قائمة على الكفاءة والإنتاجية. ما جعل الاقتصاد نفسه امتداداً لأنماط التنظيم الاجتماعي القائمة بدل أن يكون مجالاً منفصلاً للمصلحة الوطنية المشتركة. والنتيجة العملية لهذا النمط أن المواطن يجد نفسه غالباً مرتبطاً اقتصادياً بشبكته المحلية أو الاجتماعية أكثر من ارتباطه بالمؤسسات الوطنية الجامعة. فحين يكون الوصول إلى فرصة عمل أو تمويل أو خدمة مرتبطاً بهذه الشبكات، يتشكل لدى الفرد إدراك بأن نجاحه الشخصي مرتبط بنجاح شبكته المحلية أكثر من ارتباطه بنجاح الدولة ومؤسساتها، وهو نمط يجد في تكراره عبر الزمن ما يعمّق الانقسام بدل أن يخفف منه.
وهنا يكمن الفارق الذي يجعل من اقتصاد منتج ومصدر أداة معالجة لهذا النمط، لا مجرد بديل اقتصادي عنه. فالمصنع الذي يصدّر إلى الخارج، والشركة التي تتنافس على عقد دولي، لا يمكنهما البقاء والنمو عبر شبكات محلية ضيقة وحدها، لأن السوق العالمية لا تعترف بالانتماء المحلي أو الاجتماعي، بل بالجودة والسعر والموثوقية. وهذا يفرض، بحكم الضرورة الاقتصادية لا الأخلاق وحدها، معايير توظيف وإنتاج قائمة على الكفاءة. فالمصنع الذي يريد أن يصدّر وينافس دولياً يحتاج إلى أفضل الكفاءات المتاحة بصرف النظر عن خلفيتها، لأن الفشل في المنافسة الدولية يعني ببساطة خسارة السوق والإفلاس.

تحوّل غير تلقائي
وهذا التحوّل، وإن بدا اقتصادياً بحتاً في ظاهره، يحمل أثراً اجتماعياً أعمق بكثير. فحين يجد شاب من أي منطقة أو خلفية فرصة عمل حقيقية بفضل كفاءته في شركة تصدير ناجحة، تتشكل تدريجياً لديه مصلحة اقتصادية مباشرة في استقرار لبنان ونجاح مؤسساته الوطنية، بصرف النظر عن انتمائه المحلي. وحين يتكرر هذا النمط عبر آلاف الوظائف والشركات في مختلف المناطق، يبدأ التراكم في تشكّل ما يشبه "مصلحة وطنية مشتركة" حقيقية. مصلحة كل اللبنانيين، بصرف النظر عن انتمائهم، في أن يبقى الاقتصاد الوطني منتجاً ومستقراً ومنفتحاً على العالم، لأن مصدر رزقهم بات مرتبطاً بنجاح هذا الاقتصاد ذاته، لا بنجاح شبكة محلية بعينها.
وهذه، تحديداً، هي المصلحة المشتركة التي غابت طويلاً عن لبنان، وأتاحت للانقسامات القائمة أن تتمدد لتؤثر في السياسة والاقتصاد معاً. غيابُ مشروعٍ اقتصادي وطني جامع يمنح كل اللبنانيين حافزاً حقيقياً ومباشراً للتعاون بدل التنافس على تقاسم موارد متضائلة عبر خطوط محلية. وبقدر ما يبقى الاقتصاد اللبناني معتمداً على هذا النمط من التوزيع، سيبقى الانقسام القائم قادراً على إعادة إنتاج نفسه. وبقدر ما يتحوّل الاقتصاد نحو الإنتاج والتصدير القائمين على الكفاءة، يضعف الأساس المادي الذي يقوم عليه هذا النمط نفسه، ويُفتح المجال تدريجياً أمام هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات المحلية نحو المواطنة الاقتصادية المشتركة.
غير أن هذا التحوّل لا يحدث تلقائياً، وهذه هي النقطة الحاسمة التي يبني عليها القسم التالي حجته كاملة. فالافتراض الضمني الذي حكم لبنان طوال عقود، أن السوق، إذا تُرك لحاله، سيكتشف من تلقاء نفسه أين تكمن الفرص التصديرية الحقيقية، ومتى يستثمر فيها، وكيف يبني القطاعات اللازمة لاستغلالها، ثبت فشله عملياً بأوضح ما يكون. فالقطاع الخاص اللبناني، حين تُرك لخياراته الحرة على مدى عقود، تركّز في الأنشطة الأسرع ربحاً والأقل مخاطرة. المصارف والعقارات والاستهلاك الممول بالدين. لا لفشل أخلاقي من رجال الأعمال، بل نتيجة منطقية لحوافز السوق حين تُترك من دون توجيه من الدولة. وهو بالضبط السؤال الذي يأخذه القسم التالي إلى مداه الكامل.
* مدير تنفيذي في منظمة التكامل التجاري العالمي
نبض