"التسويات الدولية" يحذّر من حمى ذهب الذكاء الاصطناعي.. ما الحل؟

اقتصاد وأعمال 29-06-2026 | 14:27

"التسويات الدولية" يحذّر من حمى ذهب الذكاء الاصطناعي.. ما الحل؟

يحذر بنك التسويات الدولية من مخاطر ديون خفية تمول طفرة الذكاء الاصطناعي، مع توسع شركات التكنولوجيا في مراكز البيانات عبر هياكل خارج الميزانية قد تهدد الأسواق إذا خابت العوائد المتوقعة.

"التسويات الدولية" يحذّر من حمى ذهب الذكاء الاصطناعي.. ما الحل؟
بنك التسويات الدولية (أ ف ب)
Smaller Bigger

طفرة الذكاء الاصطناعي ما زالت قادرة على دعم النمو والأسواق، لكنها أصبحت أيضاً رهانا مالياً ضخماً على أن المستقبل سيولد تدفقات نقدية كافية لتبرير الديون التي تُبنى اليوم في الظل.

 

ما هي "حمى الذهب" المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؟

حذر بنك التسويات الدولية (BIS)، المؤسسة المعروفة بدورها كـ"بنك للبنوك المركزية"، من أن موجة الاستثمار الهائلة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد تحمل مخاطر مالية أكبر مما تعكسه الميزانيات العمومية لشركات التكنولوجيا الكبرى.

يرى البنك أن "فرط الحماسة" المحيط بالذكاء الاصطناعي قد ينتهي بركود استثماري طويل إذا لم تحقق هذه التكنولوجيا العوائد التجارية التي تراهن عليها الشركات والمستثمرون، وفق ما نقلته عنه فايننشال تايمز.

ووصف البنك التوسّع في تمويل شركات الذكاء الاصطناعي عبر الديون بـ"حمى ذهب"؛ لأن الجميع يركض وراء مكاسب الذكاء الاصطناعي قبل التأكد من أن المناجم ستنتج ذهباً فعلاً، بينما يجري تمويل هذا السباق بديون متزايدة وبعضها مخفي عن الأنظار.

يقول هاني صبحي، المتخصص في أسواق المال العالمية، لـ"النهار"، إن التحذير لا يعني أن أزمة وشيكة تطرق الباب، لكنه يضع سؤالاً أساسياً أمام الأسواق، وهو ماذا يحدث إذا كانت المليارات التي تُنفق على مراكز البيانات والكهرباء والرقائق أسرع بكثير من قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد أرباح نقدية مستدامة؟

فورة بناء ممولة بالديون

في مراجعته الربع سنوية الصادرة في آذار (مارس) 2026، ركز بنك التسويات الدولية على شركات الحوسبة السحابية العملاقة، أو ما يعرف في القطاع باسم (Hyperscalers)، وفي مقدمتها أمازون وألفابت ومايكروسوفت وميتا وأوراكل.

هذه الشركات قادت خلال العامين الماضيين واحدة من أكبر دورات الإنفاق الرأسمالي في تاريخ التكنولوجيا، مدفوعة بالحاجة إلى بناء مراكز بيانات ضخمة قادرة على تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لكن اللافت، وفق البنك، أن التمويل لم يعد يعتمد فقط على التدفقات النقدية الداخلية الضخمة لهذه الشركات، بل أصبح يميل أكثر فأكثر إلى الاقتراض.

100 مليار دولار ديون في 2025

أصدرت شركات الحوسبة السحابية الكبرى سندات تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار خلال 2025، معظمها بآجال استحقاق تزيد على خمس سنوات، ما يعني أن الرهان على الذكاء الاصطناعي لم يعد قصير الأجل، بل تحول إلى التزام مالي ممتد لسنوات.

محللو بنك أوف أميركا رفعوا توقعاتهم لإصدارات الديون الجديدة من كبار مشغلي مراكز البيانات في 2026 إلى 175 مليار دولار، بعد موجة إصدارات ضخمة شملت أمازون وألفابت وميتا وأوراكل، وفق رويترز.

 

عمالقة التكنولوجيا يتسارعون لتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي (أ ف ب)
عمالقة التكنولوجيا يتسارعون لتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي (أ ف ب)

"اقتراض الظل" خارج الميزانيات

يقول صبحي إن مصدر القلق الأكبر لا يتعلق بالسندات التقليدية وحدها، بل بالتمويل الذي لا يظهر بوضوح في الدفاتر المحاسبية.

ويشير بنك التسويات الدولية إلى استخدام متزايد لهياكل خارج الميزانية العمومية، تشمل كيانات ذات غرض خاص، ومشروعات مشتركة، وتمويلاً من الائتمان الخاص، واتفاقات تأجير أو شراء طاقة حوسبة طويلة الأجل.

ويوضّح خبير أسواق المال أن هذه الترتيبات تعمل كديون، حتى إن لم تُسجل دائماً كديون مباشرة على ميزانية شركة التكنولوجيا، حيث تستبدل الشركة الإنفاق الرأسمالي الفوري بالتزامات تشغيلية ممتدة، بينما تتحمل كيانات خارجية الجزء الأكبر من الاقتراض.

ويشير إلى أن هذا ما يسميه بنك التسويات الدولية "الاقتراض الموازي" أو "اقتراض الظل"؛ لأنه يخلق التزامات مالية شبيهة بالدين لكنها موزعة بين شركات التكنولوجيا، وشركات الائتمان الخاص، وشركات التأمين، والبنوك التي توفر خطوط تمويل لهذه الهياكل.

ميتا مثالاً على الهندسة المالية

يُعد مشروع مركز بيانات "هايبرين" التابع لشركة ميتا في لويزيانا، والبالغة تكلفته نحو 27 مليار دولار، مثالاً واضحاً لهذا الاتجاه، حيث نُقل المشروع إلى هيكل تمويلي مشترك مع (Blue Owl Capital)، مع احتفاظ ميتا بحصة أقلية، ما سمح بعدم إدراج المركز والديون المرتبطة به بالكامل ضمن ميزانية الشركة، وفق خبراء استطلعت وول ستريت جورنال آرائهم.

ورغم أن مدقق حسابات ميتا، إرنست آند يونغ، قبل المعالجة المحاسبية، فإنه صنفها كمسألة تدقيق حرجة، في إشارة إلى حساسية الأحكام المستخدمة في إبقاء المشروع خارج الميزانية.

يرى صبحي أن مثل هذه الترتيبات لا تعني بالضرورة وجود مخالفة محاسبية، لكنها تجعل الصورة المالية أقل بساطة للمستثمرين الذين يعتمدون على نسب الدين التقليدية لتقييم المخاطر.

وول ستريت تدخل سباق مراكز البيانات

ولفت صبحي إلى تحركات وول ستريت نحو إعادة صياغة قواعد تمويل مراكز البيانات، بعدما تضخمت الصفقات إلى عشرات المليارات من الدولارات، ودخلت بنوك مثل غولدمان ساكس وجيه بي مورغان ومورغان ستانلي، إلى جانب شركات مثل (KKR) وأبولو، في سباق لتصميم هياكل تمويل جديدة.

ويقول "لم تعد مراكز البيانات تُعامل كأصول عقارية عادية، بل أصبحت أقرب إلى مشروعات بنية تحتية معقدة، تتطلب تمويلاً طويل الأجل، وتأميناً للطاقة، وسلاسل توريد للرقائق، واتفاقات شراء حوسبة من عملاء ذوي تصنيفات ائتمانية قوية".

 

وول ستريت (أ ف ب)
وول ستريت (أ ف ب)

ويضيف أن هذا التطور يوسع قاعدة المستثمرين المعرضين لطفرة الذكاء الاصطناعي، فبدلاً من أن تتركز المخاطر في أسهم التكنولوجيا، باتت تنتقل إلى السندات، والقروض المهيكلة، والائتمان الخاص، وشركات التأمين، وصناديق المعاشات.

الخطر: عدوى مالية لا تبدأ من وادي السيليكون فقط

يرى بنك التسويات الدولية أن المخاطر المباشرة على الاستقرار المالي ما زالت "محدودة" في الوقت الحالي، لكنها مشروطة بتحقق أرباح قوية من استثمارات الذكاء الاصطناعي، لكن إذا خاب الرهان، عندها قد يتراجع الطلب على تمويل مراكز البيانات، وتتسع هوامش الائتمان، وتتراجع قيم الأصول المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، وتُفعّل ضمانات كان المستثمرون يفترضون أنها بعيدة الاحتمال.

ولفت البنك في تقريره إلى أن الأخطر أن مقرضي الائتمان الخاص قد يتحركون بصورة مسايرة للدورة الاقتصادية؛ أي إنهم ينسحبون في اللحظة نفسها التي تتدهور فيها الظروف، ما يزيد الضغط بدلاً من امتصاصه، وهذا ما يجعل فورة الذكاء الاصطناعي مختلفة عن دورات التكنولوجيا السابقة؛ فالمخاطر لا تتوقف عند تقييمات الأسهم، بل تمتد إلى شبكات تمويل معقدة يصعب تتبعها بالكامل.

بين ثورة حقيقية وفقاعة محتملة

يوضح خبير أسواق المال أن بنك التسويات الدولاية لا يشكك في الإمكانات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي؛ فالتكنولوجيا قد ترفع الإنتاجية، وتخلق نماذج أعمال جديدة، وتعيد تشكيل قطاعات كاملة، لكن التاريخ المالي يوضح أن التقنيات التحولية يمكن أن تكون صحيحة اقتصادياً ومبالغاً في تمويلها في الوقت نفسه. حدث ذلك في السكك الحديدية، ثم الاتصالات، ثم فقاعة الإنترنت.

ويضيف الفارق أن الذكاء الاصطناعي اليوم لا يمول فقط من أسواق الأسهم، بل من طبقات أوسع من الدين والائتمان الخاص والهياكل الموازية.

ماذا يعني ذلك للمستثمرين وكيف يمكن تجنب الخطر؟

بالنسبة للمستثمرين، يرى صبحي أن الرسالة الأساسية هي أن نسب الدين الظاهرة لم تعد كافية وحدها لتقييم الانكشاف الحقيقي لشركات التكنولوجيا الكبرى.

وينصح صبحي بضرورة النظر إلى عقود التأجير طويلة الأجل، واتفاقات شراء الطاقة والحوسبة، والضمانات، والمشروعات المشتركة، والالتزامات المستقبلية المرتبطة بمراكز البيانات، أما الجهات التنظيمية، فقد تجد نفسها مضطرة إلى توسيع الرقابة خارج البنوك التقليدية، لتشمل الائتمان الخاص والكيانات ذات الغرض الخاص التي تمول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة 6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟
رياضة 6/28/2026 1:34:00 AM
فرضت كولومبيا التعادل على البرتغال من دون أهداف وتقدمتها في صدارة المجموعة 11 في كأس العالم 2026 ضمن الجولة الثالثة الأخيرة من دور المجموعات