في وداع جيروم باول: الرجل الذي قرر أن يواجه

اقتصاد وأعمال 15-05-2026 | 11:50

في وداع جيروم باول: الرجل الذي قرر أن يواجه

تحدث جيروم باول عن استقلالية المؤسسة النقدية في مواجهة الضغوط السياسية من إدارة ترامب، مشدداً على أن التهديدات لم تأتِ بسبب مخالفات قانونية، بل بسبب قراراته التي تتعارض مع رغبات الرئيس.

في وداع جيروم باول: الرجل الذي قرر أن يواجه
جيروم باول مغادراً الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يحتج جيروم باول إلى خطاب طويل كي يحدد كيف سيُقرأ اسمه في كتب السياسة النقدية الأميركية. دقيقتان تقريباً كانتا كافيتين. جلس أمام الكاميرا بخلفية زرقاء عادية، وبوجه أقرب إلى الصرامة منه إلى الانفعال، وقال للأميركيين إن التهديد بالملاحقة الجنائية لم يأتِ لأن الاحتياطي الفيدرالي خالف القانون، وإنما لأنه اختار تحديد أسعار الفائدة وفق ما يراه في مصلحة الاقتصاد، لا وفق ما يفضله الرئيس. في تلك اللحظة، لم يكن باول يرد على هجوم عابر من دونالد ترامب. كان يضع خطاً واضحاً بين البيت الأبيض والفيدرالي، ويقول إن استقلال الفيدرالي لم يعد موضوعاً نظرياً.

قبل تلك الرسالة بأيام، كانت وزارة العدل قد أرسلت مذكرات استدعاء إلى الاحتياطي الفيدرالي، بعد أشهر من حملة ضغط كثيفة قادها ترامب لفرض خفضٍ أسرع للفائدة. باول، الذي أمضى سنوات يتجنب الاشتباك العلني مع الرئيس حرصاً على صورة المؤسسة، بدا هذه المرة مختلفاً. الرجل الذي فضّل طويلاً الصمت المؤسسي قرر أن يخرج إلى العلن، وأن يتحدث بلغة لا تحتمل كثيراً من التأويل.

 

من التريث إلى المواجهة

لم تكن علاقة ترامب بباول مستقرة يوماً. منذ الولاية الأولى، كان الرئيس يهاجم رئيس الفيدرالي كلما شعر أن السياسة النقدية لا تخدم أجندته الاقتصادية. لكن الولاية الثانية حملت مستوىً مختلفاً من التصعيد. الإهانات العلنية تكاثرت، والحديث عن إقالة باول لم يعد همساً سياسياً. في الخلفية، كان فريق ترامب يفتح ملف تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي، وهو مشروع ارتفعت كلفته منذ إقراره في 2017، إلى أن تحوّل إلى أداة ضغط سياسي وقانوني في آنٍ واحد.

الصورة التي علقت في أذهان كثيرين جاءت في صيف 2025، عندما زار ترامب موقع التجديد بنفسه. وقف الرجلان جنباً إلى جنب، بخوذات سلامة فوق البدلات الرسمية، وسط حرارة عالية وعدسات لا تنتظر سوى لحظة محرجة. حاول ترامب أن يحرج باول بالحديث عن تضخم الكلفة فوق 2.5 مليار دولار. باول أخذ الورقة، وضع نظارته، وراجع الأرقام أمام الجميع، ثم قال للرئيس بهدوء إن الأرقام غير صحيحة. بدا المشهد صغيراً في حينه. بعد أشهر، صار أقرب إلى تلخيص رمزي لعلاقة كاملة؛ رئيس يريد إخضاع المؤسسة، ورئيس الفيدرالي يرفض الانحناء.

 

ترامب وباول والعداوة الدائمة. (أ ف ب)
ترامب وباول والعداوة الدائمة. (أ ف ب)

 

ثم جاء التصعيد التالي، محاولة إقالة الحاكمة ليزا كوك، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الفيدرالي الحديث، وتحقيقات أوسع حول مشروع التجديد، وصولاً إلى مذكرات الاستدعاء التي دفعت باول إلى المرحلة الأخيرة من المواجهة.

ثماني سنوات في قلب العاصفة

حتى من دون معركة ترامب الأخيرة، كانت ولاية باول واحدة من أكثر الولايات اضطراباً في تاريخ الاحتياطي الفيدرالي المعاصر. الرجل واجه جائحة شلّت الاقتصاد العالمي، وانفجاراً تضخمياً هو الأشد منذ أربعة عقود، وأزمة بنوك إقليمية هزّت الثقة في الرقابة المصرفية.

ومع ذلك، يبقى ملف التضخم البقعة الأثقل على سجله. الأسعار تراجعت كثيراً عن ذروتها من دون أن يدخل الاقتصاد في ركود حاد، وهذا نجاح لا يمكن تجاهله. لكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً بقيت حاضرة حتى نهاية ولايته؛ التضخم لم يعد إلى هدف 2%، وبقي أعلى منه خمس سنوات متواصلة. هذا وحده يكفي كي يبقى اسم باول مرتبطاً بخطيئة التقدير الكبرى التي ارتكبها الفيدرالي حين وصف تضخم ما بعد الجائحة بأنه "مؤقت".

ذلك الوصف سيطارده طويلاً. في 2021، بدا باول مقتنعاً بأن اختناقات العرض ستنحسر، وأن الأسعار ستتراجع مع الوقت من دون حاجة إلى رد نقدي حاد. لفترة قصيرة، بدت بعض البيانات وكأنها تدعم هذا الرهان. ثم عادت الأسعار إلى الارتفاع بوتيرة أقوى.

 

الرجل الذي قاد الفيدرالي في زمن الجائحة

مع ذلك، يصعب قراءة إرث باول من زاوية التضخم وحده. ففي ربيع 2020، كان واحداً من أوائل المسؤولين في واشنطن الذين فهموا حجم الكارثة الآتية. خلال أسابيع قليلة، خفض الفيدرالي الفائدة إلى الصفر، وأطلق برامج ضخمة لدعم الأسواق، وضخ سيولة غير مسبوقة، وفتح خطوط حماية للشركات والبلديات. في ذلك الوقت، كان الخوف الأكبر هو أن تتحول صدمة الجائحة إلى كساد طويل يشبه ما حدث بعد الأزمة المالية العالمية.

ومن هذه الزاوية، نجح باول في المهمة الأصعب. الركود كان عميقاً، لكنه قصير. الاقتصاد استعاد عافيته بسرعة، والبطالة عادت إلى ما دون 4% بنهاية 2021. إلا أن هذا النجاح نفسه حمل داخله بذور الأزمة التالية. الأموال كانت وفيرة، سلاسل الإمداد معطلة، العمالة نادرة، والطلب الاستهلاكي عاد بقوة أكبر من قدرة العرض على الاستيعاب. هنا بدأ الفصل الأصعب في عهد باول.

المنتقدون يرون أن الفيدرالي تأخر لأن ذاكرته كانت ما تزال عالقة في معركة العقد السابق، حين كان الهمّ الأساسي هو ضعف الطلب وركود التضخم. أنصار باول يردون بأن العالم كله أخطأ في قراءة هذه المرحلة، وأن خطأ "التضخم المؤقت" لم يكن خطأه وحده. الحقيقة ربما تقع بين الروايتين. لكن ما لا جدال فيه أن ذلك الخطأ سيبقى من أكثر لحظات عهده كلفةً على سمعته.

 

نهاية مختلفة عن كل النهايات المعتادة

ما يميز باول في النهاية ليس أنه كان رئيساً مثالياً للفيدرالي. لم يكن كذلك. سجله يحمل نجاحات كبيرة وأخطاء واضحة. ما يميزه هو أن اللحظة الأخيرة من ولايته نقلت النقاش حوله من مستوى الأداء النقدي إلى مستوى أوسع؛ الدفاع عن المؤسسة نفسها. في زمن تسعى فيه السلطة التنفيذية إلى توسيع نفوذها على حساب المؤسسات المستقلة، وجد كثيرون أن باول كان من الأصوات القليلة التي قالت "كفى" في الوقت المناسب.

هذا ما دفع جانيت يلين إلى القول إن هذا الجانب من شخصيته سيكون عنصراً أساسياً في إرثه. وهذا ما قصده مؤرخو الفيدرالي حين رأوا أن مكانه في التاريخ أصبح مضموناً، سواء من زاوية قيادته للبنك المركزي خلال جائحة كوفيد، أو من زاوية مواجهته هجوم ترامب على استقلاله.

المشهد لم ينتهِ تماماً بعد. باول قال إنه سيبقى في مجلس المحافظين لفترة غير محددة، مستفيداً من أن ولايته كعضو تمتد حتى يناير 2028. هذه خطوة غير مألوفة، وتثير جدلاً واسعاً، لكنها تعكس قناعته بأن الهجمة على الفيدرالي لم تنتهِ فعلياً، وأن خروجه الكامل الآن سيمنح ترامب فرصة أسرع لإعادة تشكيل المجلس على صورته.

قريباً، سيجلس باول حول طاولة لجنة السوق المفتوحة بصفته عضواً عادياً إذا لم تنتهي القضية القانونية، بينما يبدأ كيفن وارش فصله الخاص مع الفيدرالي. يقول باول إنه لا ينوي أن يكون "رئيساً من الظل". ربما لا يحتاج إلى ذلك أصلاً. فالرجل خرج من الرئاسة، لكنه ترك وراءه معركة كبيرة، من يحمي استقلال الفيدرالي عندما تصبح المطالبات شرسة؟ 

في هذا المعنى، قد لا يُذكر جيروم باول لاحقاً بوصفه الرجل الذي أخطأ في تقدير التضخم فقط، ولا الرجل الذي قاد الفيدرالي في زمن الجائحة فقط. سيُذكر أيضاً بوصفه الرجل الذي فهم في لحظة حاسمة، أن الدفاع عن المؤسسة جزء من وظيفته.