هرمز مجدداً: هل تفرض إيران رسوماً على كابلات الإنترنت البحرية؟
تطرح إيران فكرة فرض رسوم على كابلات الإنترنت البحرية العابرة في قاع مضيق هرمز. فهذه الكابلات تدعم معاملات مالية ضخمة تتجاوز قيمتها 10 تريليونات دولار يوميًا،
مخطئ من يظن أن مضيق هرمز، عنوان الأزمة العالمية اليوم، هو مجرد ممرّ بحري يحدّد نبض أسواق النفط والغاز، إذ يُطرح اليوم بوصفه "نقطة اختناق رقمية" أيضاً. فبعد النقاش المستمر بشأن حق إيران في فرض رسوم عبور على السفن والناقلات النفطية التي تعبر المضيق، ثمة سؤال جديد يطرح اليوم: هل تستطيع إيران تحويل الكابلات البحرية العابرة في قاعه إلى مصدر رسوم وسيادة ونفوذ؟
منطق الاختناق
بدأت القضية مع طرحٍ، نشرته وسائل إعلام إيرانية قريبة من الحرس الثوري، خصوصاً وكالة "تسنيم"، يدعو إلى تحقيق إيرادات من كابلات الإنترنت البحرية في قاع مضيق هرمز. وبحسب ما نقلته "إيران إنترناشونال" عن "تسنيم"، فإن كابلات الألياف البصرية المارة في المضيق موسومة بتعاملات مالية رقمية تفوق قيمتها الـ 10 تريليونات دولار يومياً، "ولا تحصل إيران على أيّ عائد من هذه البنية التحتية التي تمر قرب مياهها"، وفقاً لـ "تسنيم". لذلك، تقترح هذه الدوائر فرض تصاريح ورسوم وتجديدات سنوية على مشغلي الكابلات والشركات الكبرى المستفيدة منها.
ما يمر في قاع المضيق، عبر الكابلات البحرية وأليافها الضوئية 10 تريليونات دولار من المعاملات المالية يومياً، و20% من حركة الإنترنت العالمية. وما هو معرّض فعلياً للخطر 7 كابلات من الألياف الضوئية، ضمنها: AAE-1 و Falcon.

لا تكمن أهمية الطرح في ما يمكن أن تحصّله إيران، بل في انتقال منطق «نقطة الاختناق» من الطاقة إلى البيانات. فالمضيق يُقرأ تقليدياً بوصفه عنق زجاجة في المجال النفطيّ، وأيّ اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والشحن والتأمين والتضخم. أما اليوم، فإن إيران تلمّح إلى أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الناقلات فوق الماء وحدها، إنما أيضاً في الألياف التي تحمل حركة الإنترنت بين آسيا والخليج وأوروبا. وبحسب رويترز، تمر عدة كابلات ألياف ضوئية في قاع المضيق، رابطة الهند وجنوب شرقي آسيا بأوروبا عبر دول الخليج ومصر.
اللافت أن الأسماء المستهدفة بتقرير "تسنيم" ليست شركات اتصالات تقليدية فحسب، فالتقارير تشير إلى أن شركات مثل Google وMeta وMicrosoft وAmazon قد تكون ضمن دائرة الاستهداف السياسي والمالي، لأن هذه الشركات باتت من أكبر المستثمرين أو المستخدمين لشبكات الكابلات البحرية عالمياً. ووفق "راديو أوروبا الحرة/راديو الحرية"، يهدد الطرحُ الإيراني بتحويل هرمز إلى "نقطة اختناق رقمية" بفرض رسوم أو تنظيم أو حتى التلويح بتعطيل الكابلات التي تحمل خدمات يعتمد عليها مئات ملايين المستخدمين، ما دامت تستخدم للنيل من إيران، بأي طريقة من الطرق.
المسألة القانونية معقدة
القانون الدولي للبحار لا يُعطي الدولة الساحلية المشاطئة للمضيق حرية مطلقة في التحكم بالكابلات البحرية لمجرد أنها تمر في مناطق بحرية قريبة منها. في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حرية مدّ الكابلات البحرية، مع مراعاة حقوق الدولة الساحلية المشاطئة في الموارد والبيئة والسلامة. كما أن الإطار الدولي يميّز بين الكابلات التي تدخل الإقليم أو المياه الإقليمية للدولة، حيث يمكن فرض شروط، وبين الكابلات العابرة في مناطق أوسع من قاع البحر حيث تكون حرية المدّ والصيانة أقوى قانونياً.
لذلك، قوة التهديد الإيراني ليست قانونية بقدر ما هي جيوسياسية. حتى لو كان فرض رسوم دائمة على شركات التكنولوجيا صعب التنفيذ دولياً، فإن التلويح بإمكانية تعطيل الكابلات يرفع كلفة المخاطر. فالكابلات البحرية هي العمود الفقري لشبكة الإنترنت العالمية؛ وأي قطع أو تعطيل متزامن في ممر ضيّق مثل هرمز قد يؤثر على المصارف ومراكز البيانات والتداول المالي والخدمات السحابية وشبكات الاتصال في الخليج وخارجه.

ورقة تفاوض
من الزاوية الإيرانية، يمكن فهم هذا الطرح بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع: تحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوض. تحت العقوبات والضغط العسكري والمالي، تبحث طهران عن أدوات غير تقليدية للردع والتحصيل. فهي تعرف أن إغلاق معبر النفط مكلف وخطر، وقد يستدعي رداً عسكرياً، أما التلويح بالكابلات فيخلق منطقة رمادية: لا حرب مباشرة، لكنه تهديد لبنية حساسة يصعب حمايتها بالكامل. لهذا تبدو الرسالة الإيرانية موجهة إلى واشنطن ودول الخليج العربي وشركات التكنولوجيا في آن واحد.
أما عالمياً، فالتداعيات قد تظهر على ثلاثة مستويات: أولاً، ارتفاع كلفة التأمين والحماية والصيانة للكابلات البحرية في الخليج؛ ثانياً، دفع الشركات إلى تنويع المسارات الرقمية، كما فعلت أسواق الطاقة سابقاً مع خطوط الأنابيب البديلة؛ ثالثاً، تسريع عسكرة قاع البحر، حيث لم تعد البنية التحتية الرقمية محايدة أو غير مرئية، بل أصبحت جزءاً من ميزان القوة بين الدول.
أخيراً، قد لا تستطيع إيران بسهولة تحويل هرمز إلى "بوابة دفع" لشبكة الإنترنت العالمية، لكنّها نجحت في كشف هشاشة أساسية: الاقتصاد الرقمي، كالاقتصاد النفطي، يعتمد على ممرات مادية ضيّقة يمكن تهديدها. وإذا كان القرن العشرون قد جعل هرمز رمزاً لأمن الطاقة، فإن القرن الحادي والعشرين قد يجعله أيضاً اختباراً لأمن البيانات. وهنا تكمن خطورة التطور: ليس في الرسوم نفسها فقط، بل في الفكرة التي أطلقتها إيران، وهي أن من يملك القدرة على تهديد القاع، يستطيع التأثير في السحابة.
نبض