اقتصاد فوق صفيح ساخن: هل تطفئ الحرب ما بقي من بصيص أمل في لبنان؟

اقتصاد وأعمال 24-04-2026 | 12:13

اقتصاد فوق صفيح ساخن: هل تطفئ الحرب ما بقي من بصيص أمل في لبنان؟

التراجع الدراماتيكي يظهر بوضوح في قطاع السياحة، الذي كان يُنتظر منه رفد السوق بنحو 7 مليارات دولار "كأوكسجين" ضروري للسيولة.
اقتصاد فوق صفيح ساخن: هل تطفئ الحرب ما بقي من بصيص أمل في لبنان؟
مرفأ بيروت الذي يستورد لبنان عبره نسبة كبيرة من وارداته.
Smaller Bigger

سارة أبو حمدان

 

 

بعيداً عن الأرقام الجافة في الميزانيات المتعثرة، يجد الاقتصاد اللبناني نفسه اليوم رهينة مباشرة للتجاذبات الجيوسياسية التي تتقاذف المنطقة. فبينما كان اللبناني يصارع للبقاء فوق سطح الانهيار المالي، جاءت الحرب لتزيد التخبّط الاقتصادي وتعمّق الفجوة؛ حيث تشير البيانات المتوفرة إلى أن ما خسره لبنان في أسابيع قليلة، عادل كل ما كان يطمح لتحقيقه من نموّ اقتصادي لعامين كاملين.

 

هذه الخسائر، التي تجاوزت عتبة الـ14 مليار دولار، ليست مجرد إحصاءات، بل هي نزف حقيقي يستنزف نحو 150 ألف دولار في كل دقيقة تمر تحت وطأة الصراع. إنه ثمن باهظ تدفعه الأجيال القادمة نتيجة ارتهان السيادة الاقتصادية لساحة تصفية حسابات، بدلاً من بناء بيئة مستقطبة للاستثمار.

هذا التراجع الدراماتيكي يظهر بوضوح في قطاع السياحة، الذي كان يُنتظر منه رفد السوق بنحو 7 مليارات دولار "كأوكسجين" ضروري للسيولة، إلا أن الواقع فرض تراجعاً حاداً قارب 80%. إن انخفاض مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي إلى حوالي 5.5% ليس مجرد رقم، بل هو انعكاس مباشر لغياب الاستقرار السياسي والشلل المؤسساتي الذي ترك البلاد مكشوفة استراتيجياً، ما أدّى إلى تبخر ما بقي من ثقة دولية وهجرة رؤوس الأموال، لينزلق الاقتصاد من "التعثر" نحو "التحلل" الممنهج.

ولم يتوقف النزف عند القطاعات الخدماتية، بل ضرب المرتكزات الإنتاجية في العمق؛ إذ تعرّض الأمن الغذائي لضربة قاسية باستهداف أكثر من 14,700 أصل زراعي، بما في ذلك القضاء على 60 ألف شجرة زيتون معمّرة. هذه ليست خسارة موسمية عابرة، بل هي تدمير لرأس مال حيوي استغرق بناؤه عقوداً، ما يعني عملياً إخراج مساحات شاسعة من الدورة الاقتصادية لسنوات طويلة. هذا التدمير رفع فاتورة الاستيراد الغذائي إلى مستويات قياسية، وتسبب بانفجار أسعار السلع الأساسية بزيادات تجاوزت 200%، ليصبح لبنان مجدداً في صدارة القوائم العالمية للدول الأكثر غلاءً في تكلفة المعيشة.

ومع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسب وضعت لبنان ضمن أسوأ الأزمات الاقتصادية عالمياً منذ القرن التاسع عشر، يواجه المجتمع نزفاً بشرياً لا يمكن تعويضه بالأرقام؛ حيث تشير التقديرات إلى أن الحرب دفعت نحو 70% من الشباب للتفكير جدياً في الهجرة النهائية. وإغلاق 15% من الشركات بشكل قطعي لا يعني إفلاساً مالياً فحسب، بل هو هدم للمنظومة المهنية والخبرات التراكمية. والمقلق أكثر هو الفجوة الجندرية التي اتسعت، حيث سجّلت النساء خسائر وظيفية تزيد بنسبة 50% عن الرجال في القطاعات المتضررة، ما يهدّد بتمزيق النسيج المهني الذي كان يُفترض أن يكون المحرك الأساسي لأيّ تعافٍ مستقبلي.

في الختام، يدرك أيّ محلل يقرأ الواقع بعين رصينة أن محاولة الفصل بين المسارين الاقتصادي والسياسي في لبنان هي نوع من الترف الأكاديمي؛ فالاقتصاد هو المرآة الحقيقية للسياسة وتجلياتها. لكن الحقيقة الأكثر إلحاحاً اليوم هي أن استمرار ارتهان لقمة عيش المواطن والقدرة الإنتاجية للدولة للتجاذبات السياسية هو "انتحار استراتيجي" كامل الأركان. إن المخرج لا يبدأ بانتظار تسويات خارجية، بل بامتلاك الجرأة لفرض "عقد اقتصادي سيادي" يحصّن القطاعات الإنتاجية ويحميها من الصدمات، عبر تمكين اقتصاد المعرفة والرقمنة كأدوات تتجاوز عوائق الجغرافيا والحدود. ومع انقشاع غبار الأزمات، يبقى السؤال: هل سنستمر في ترميم نموذج متهالك أثبت فشله، أم سنمتلك الشجاعة لبناء اقتصاد مرن يستمد قوته من كفاءة أبنائه، ليكون هو الرافعة التي تفرض الاستقرار وتصون كرامة هذا الوطن؟

 

جدارية كبيرة على مدخل بيروت.
جدارية كبيرة على مدخل بيروت.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
تحقيقات 4/25/2026 6:00:00 AM
في عيون العائلة، تختصر الحكاية كلّها. وجع صامت، ودموع تسبق الكلام. رنا، الأم والزوجة، التي كانت تضجّ حياةً، صارت اليوم ذكرى مثقلة بالفقد.