هبوط جديد لسندات لبنان السيادية: السبب ليس مفاجئاً!

اقتصاد وأعمال 31-03-2026 | 15:56

هبوط جديد لسندات لبنان السيادية: السبب ليس مفاجئاً!

جذور الأزمة تعود إلى قرار التخلف عن سداد الديون بالعملات الأجنبية في آذار 2020
هبوط جديد لسندات لبنان السيادية: السبب ليس مفاجئاً!
مصرف لبنان. (أ ف ب)
Smaller Bigger

بعد تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتآكل الثقة بالمسار الإصلاحي، تعود سندات لبنان السيادية إلى الواجهة، في مشهد يعكس ترابط العوامل السياسية والمالية بعمق. فالسوق لا تتفاعل فقط مع الأحداث الأمنية الآنية، بل تعيد تسعير مخاطر متراكمة منذ سنوات، في غياب أي معالجة فعلية لأزمة الدين العام.

 

أول من أمس، تراجعت سندات لبنان السيادية بما يصل إلى 1.7 سنت، في أكبر انخفاض يومي لها منذ عام 2022، تزامناً مع استمرار التصعيد العسكري في جنوب لبنان. وبحسب بيانات "تريدويب"، انخفضت الديون المتعثرة بما بين 1.4 و1.7 سنت، لتراوح أسعارها بين 24.5 و24.9 سنتاً للدولار، بعدما كانت قد سجلت أعلى مستوياتها في 6 سنوات خلال 2026، مدفوعة بآمال المستثمرين في إمكان تحقيق تقدم سياسي يفضي إلى إعادة هيكلة الدين.

 

الخبير الاقتصادي والمالي نسيب غبريل يضع هذا التراجع في سياقه الطبيعي، معتبراً أن "ما يحصل لا يحمل عنصر مفاجأة، إذ إن تدهور الوضع الأمني والحرب القائمة أديا إلى تجميد مسار الإصلاح بالكامل، بما يشمل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وخطط إعادة هيكلة القطاع المصرفي، والإطار المالي المتوسط الأجل. وهذه الملفات، وفق مقاربته، أصبحت مؤجلة عملياً إلى ما بعد انتهاء الحرب، علماً أن التحديات كانت قائمة حتى قبل التصعيد الأخير".

 

وفي قراءة لحركة الأسواق، يلفت غبريل إلى أن "موجة التفاؤل التي رافقت ارتفاع أسعار السندات في الأشهر الماضية لم تكن في محلها، إذ جرى التعامل مع هذا الارتفاع كإشارة إلى تحسن جذري في الآفاق، بينما الواقع أن الأسس الاقتصادية والمالية بقيت على حالها، من دون أي معالجة فعلية. فالارتفاع الذي أوصل السندات إلى نحو 30 سنتاً للدولار، لم يكن يعكس تحولاً بنيوياً بقدر ما كان رهانات ظرفية".

 

في رأيه أن جذور الأزمة تعود إلى قرار التخلف عن سداد الديون بالعملات الأجنبية في آذار 2020، حين كانت السندات لا تزال قريبة من قيمتها الإسمية. فمنذ إعلان التعثر، واصلت هذه السندات تراجعها تدريجاً حتى وصلت إلى مستويات متدنية قياسياً عالمياً قاربت 0.06 دولار. ويُعدّ عدم التفاوض مع حاملي سندات اليوروبوند من أبرز أخطاء الحكومة التي أعلنت التعثر، وهو قرار كان سياسيا بامتياز، وليس تقنيا أو ماليا. وكذلك الحال مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، التي توصلت إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي تضمن إعادة هيكلة هذه السندات، من دون أن تتخذ أي خطوات عملية في هذا الاتجاه. أما الحكومة الحالية فقد بدأت بزخم ملحوظ، وكان من أول إجراءاتها طلب استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بهدف التوصل إلى اتفاق جديد وبرنامج تمويلي إصلاحي. ومع ذلك، لم يتحقق حتى الآن أي تقدم في مسار التفاوض مع حاملي سندات اليوروبوند.

 

وحتى في آذار 2025، عندما بلغت الاستحقاقات المتراكمة آجالها، مع ما ترتب على ذلك من احتمال فقدان الدائنين حق المطالبة بها، وظهور مخاطر رفع دعاوى ضد الدولة اللبنانية، مددت وزارة المال هذه الآجال لثلاث سنوات. ومنذ ذلك الحين، لم يحدث أي تطور يذكر في مسار التفاوض، ربما في انتظار التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد.

 

كذلك يبرز التأخر الواضح في هذا الملف عند مقارنته بدول أخرى تعثرت لاحقاً، مثل سري لانكا وغانا وإثيوبيا، التي تمكنت خلال فترة زمنية أقصر من التوصل إلى اتفاقات مع دائنيها، فيما لا يزال لبنان خارج أي مسار تفاوضي فعلي، ما يجعله، إلى جانب فنزويلا، في وضع استثنائي من حيث استمرار التعثر من دون معالجة.

 

أما في ما يتعلق بالتراجع الأخير، فتبرز عوامل إضافية مرتبطة بالأسواق العالمية، من بينها توجه صناديق التحوط والمستثمرين ذوي الشهية المرتفعة للمخاطر إلى تسييل جزء من استثماراتهم، في ظل توقع توقف المصارف المركزية عن خفض أسعار الفائدة، وارتفاع العوائد على سندات الخزينة الأميركية، ما يزيد جاذبيتها مقارنة بالسندات اللبنانية التي تتراكم فوائدها من دون سداد.


العلامات الدالة