هل رواية "السيرة قبل الأخيرة للبيوت" رواية ذاتية تخص الكاتبة أم رواية عائلية أم رواية طبقية؟
هذا سؤال قد نطرحه ونحن نقرأ رواية مريم حسين عبد العليم التي تكتب سيرةً ذاتية او ربما عائلية، جعلت من حكاية الأب بؤرة عميقة لمحاكمة التاريخ والسياسة والجغرافيا.
وهي تقدّم أيضاً محاكمة للطبقية وعنفها، من خلال التوقف عند محطات أثيرة بل وأسيرة للأسى واللوعة، وبلغة ترجرج ماهيات السخرية والتهكم وتفتّت بنيان اللغة الفصيحة لتهشيم البناء الحكائي واللغوي عبر مفردات عامية حيّة.
وبهذه اللغة، تتميز مريم حسين عبد العليم في روايتها الأولى والصادرة عن "دار المرايا للثقافة والفنون"، والتي تحيل الى ثيمات الوطن والعائلة وأنظمة الحكم وقبل كل ذلك "الأب".
قد يكون الأب هو الدافع الرئيس للكتابة في هذه الرواية/ السيرة، التي تحكي عن عائلة تتنقل، مرغمة أو برضاها إلى بيوت عدة، وباختلاف الظروف تختلف الطبقات الاجتماعية التي تنتمي اليها، مما يسبب لهم ارتباكاً في التعامل مع الأوضاع المستجدة.
أما عن كونها ذاتية أم لا، فمن المهم ألاّ يُشغل القارئ نفسه بتلك النقطة كثيراً لأنّه لن يصل الى جواب، وأن ينشغل بالنص نفسه ويتفاعل معه، لأنّه دائماً هناك ستار شفيف بين ما هو ذاتي وما تخييلي.
ولعلّ أول سؤال يمكن أن نطرحه على الكاتبة هو ما يتعلق بالأماكن. بين شتيل والفيوم وظلال فيصل، وغيرها من الأماكن التي ورد ذكرها في الرواية... فهل هي رؤى لتوديع كل مرحلة أم حرص على مراحل عمر الساردة وشخصياتها؟
عن هذا السؤال تجيب الكاتبة مريم حسين عبد العليم: "على حسب علاقة الإنسان بالأماكن. هل أكتب لأتخلص من زخمها في عقلي وروحي، ذلك الزخم الذي لازمني في بعض الأماكن بشخوصها لأكثر من ثلاثين عاماً؟ أم أكتب لأرسخها وأحتفظ بها مرتّبة واستعيدها بسهولة؟ في مراجعتي النهائية جلست فرحة أمام صفحات الرواية كأنني قتلت شخصاً ما واستعد لدفن جثته. ومع قراءة أول صفحة مددت يدي له لينهض لنكمل حكاياتنا مبتسمين. ليس هناك أدنى شك من تلك الحميمية وظلال الدم والدموع في ما يخص سيرة الأب، حدثينا عن ذلك.
أي إنسان يفقد حبيباً يصير يتحدث عنه بحميمية ايا كانت صلته به. فشخصية الأب في الرواية شخصية غنية جريئة مبدعة. الأب هنا له فلسفته في التعامل مع معطيات حياة اختارها واصرّ على اختياراته فيها مهما كلّفه الأمر. هي شخصية صاحبة مبدأ بل وتنفذه طوال الوقت على أرض الواقع ضاربةً بأراء الآخرين ومحاولاتهم للتدخّل في حياته عرض الحائط، لينسحب كلّ الى حياته واضعاً لسانه في فمه. أن تكون شخصية كهذه أب وبكل هذا القدر من الحميمية والقوة. فإنّ أثرها نافذ وبالتالي فقدها غائر".
تكتب مريم القصة القصيرة وصدر لها من قبل ثلاثة أعمال تتميز بأنّها تجمع ما بين التقشف اللغوي والسيولة في التهكم. ولكن ما سبب الانتقال الى الرواية؟ الكاتبة تحدثت عن السبب الأساسي لكتابة الرواية، فقالت: "كنت اكتب قصة قصيرة عن بيت يقع على بحيرة، لأقع في بحر استرسال لم يتوقف من دون التوقف عند بيوت مرّت عليّ. ارتبكت لكبر القصة. انا كاتبة قصة قصيرة احبها ومخلصة لها. ولا أود التورط في رواية! ابتعدت قليلاً لأجد تساؤلاً يلح عليّ ماذا تعني كلمة بيت؟ وفي الأثر من الأقوى: الإنسان أم المكان؟ من يصنع تفاصيله أولا؟ وهل أثر من مروا على المكان يسهم في العلاقة الجديدة بالسكان الجدد؟ كل تلك الأسئلة استدعت المزيد من الحكي لأجدني أتورط في الرواية عن طيب خاطر".

في الرواية التي تتأرجح ما بين الأسى والصوفية نجد أنّ ثمة خروجاً عن المألوف في ما يخص إطارات أوسع للعامية. كيف كان التفكير في لغة الرواية؟ توضح الكاتبة بالقول: "لكي اقدر على القول بأنني امتلك لغة الشخصية التي أكتبها فلا بدّ أن أعي جيداً المساحة التي سأتركها لها في النص. وأعي جيداً المساحة التي سأتركها لنفسي للتعايش وللاقتراب من شخصياتي. متى اندمج تماماً مع الشخصيات وأنحي نفسي ولغتي جانباً كي أتشرّب لغتهم ومتى أقرر أنّه يكفي. لأنني في النهاية الساردة. كما أنني أتعامل مع لغة الشخصية بفضول وحب، فهي ليست دراسة لكتابة نص. انّها تعايش حقيقي وواعٍ. وقد أسمهت دراستي للسيناريو في إحكام ما يخصّ لغة الشخصيات وتعدّد أصواتها وضمائرها. جعلني السيناريو أتعامل مع الزمن في الأدب بشكل أكثر جرأة وتجريب. هناك الكثير من إشكاليات التناقض في العمل بخاصة على مستوى الحدث. مثل الفقر والغنى، النشوة والألم، الموت والحياة"
الكاتبة ترى في روايتها هذه الحياة كاملةً. تلك الحياة التي تتكون من مزيج متناقض طوال الوقت. قد يرمي الانسان من طائرةٍ ما صندوق مساعدات ليأكل غيره ويمتكنوا من البقاء على قيد الحياة. ومن الطائرة نفسها قد يلقي قنبلة لكي يقتلهم!
الرواية هي تعبير هادئ حيناً وصارخ احياناً، شأنها شأن الحياة عن تجربة إنسانية لعدد من الشخصيات وقعت في تناقض، فهل هذا مقصود أو غير مقصود؟ تقول مريم حسين عبد العليم: "الاشكالية الأساسية في الرواية هي الاختيار...
اختيار الأب لأسلوب حياته اختيار الأم للاستمرار معه اختيار يوسف الانسحاب للبحيرة و قرار الانتحار. اختيار ميمي لصالح، اختيار جينا للسفر. حتى الأطفال اختاروا اللعب على سلالم في شتيل بدلاً من سلالم الحي الراقي حيث ينزعج السكان الارستقراطيون من القصص التي يقومون بتمثيلها على الدرجات الرخامية الفاخرة".

رغم طغيان روح الأب على الساردة إلاّ أنّ اللغة مختلفة كل الاختلاف عن لغة مريم... ليتكِ تتحدثين عن مدى الاستفاده منه بخاصة في مسارات اللغة وطريقة السرد وشكل البناء. تجيب الكاتبة: "كلامك يسعدني جداً . هو بابا .. أنا أعشقه، عندي آخر أثر لضروسه على "لبانة سمارة"، ريقه على فلتر آخر سيجارة دخنها. أتماهى فيه للنخاع. لكن في الكتابة لا مفرّ من الانفصال. لكل مبدع بصمته وهو لن يكون سعيداً إن تشابهت لغتي معه".
حسين عبد العليم، والد مريم، كاتب كبير شديد الحرفية والسلاسة يعرف تماماً ما يريد أن يقول ولا حرف أكثر. يتعامل مع الرواية بذكاء شديد وتكثيف لا ينقصه حدث أو شخصية. تكثيف يجعل القارئ يخرج من عالم رواياته ممتلئاً تماماً بها برغم صغر حجمها. تلك هي لعبته التي مارسها بحرفية وسلاسة شديدة. مارسها بعامية حواري بولاق كما في رواية "موزاييك" ورواية "بازل"، مارسها بلغة بين العامية والفصحى، لغة تأرجحت على سلك بمهارة، ووصلت لغايتها تتهادى. مارسها بشكل بنّاء اقترب من السينمائي مثل رواية "رائحة النعناع". ومزج بحذر بين احداث تاريخية وحيوات شخصيات واقعية في روايات أخرى مثل "سعدية" وغيرها...
أمّا عن استفادة الإبنة/ الكاتبة من منهجية ولغة وحرفية وموهبة الأب" حسين عبد العليم، تجيب: "لعلّ تجربتي في إعادة كتابة اعماله الكاملة التجربة الأحب والأكثر استفادة من نصوصه كلها لو كنت اعرف النص جيداً وأحبه فإنّ قراءته تختلف تماماً عن كتابته. الاندماج مع الشخصيات يختلف، استقبالي للحدث يختلف.
وفي النهاية اقول "يا ريتني أبقى في رُبع حرفنة حسين عبد العليم".

قد نشعر أحيانا أنّ هذه الرواية هي استعادة لأشخاص وأيضاً هي مرثية للبيوت. هذا ما تؤكّده الكاتبة وتضيف: "هي بالطبع مرثية لفترات زمنية مضت. الثمانينات والتسعينات من الفترات التي تركت أثراً كبيراً على الشخصية الرئيسة وعلى معظم الشخصيات. بدءاً من لون الشعر النسائي "الميش" مروراً بانتشار الجماعات الإسلامية و محاولات الاغتيال السياسي وزلزال 92 والتغيّرات الطبقية التي حدثت واربكت العائلة".
الكاتبة مريم ترى في بنات/ كاتبات جيلها، الكثير من الأسماء الواعدة في القصة والرواية، وتؤكّد على ذلك بالقول: "مع انّ هذا السؤال من المفترض ألاّ يختص بجنس معين، لكني أرى سيدات وفتيات يافعات قابضات على عوالمهن ولغتهن، وبمرور الوقت والتجربة والخبرة سيزددن ثقلاً أدبياً، ولترسم الخريطة لمن يستحق منهن: هالة صلاح الصياد، هبة الله أحمد، آية طنطاوي، مي أبو زيد، أميمة صبحي، هبة عبد العليم، ويوجد الكثير ممن لم أقرأ لهن بعد".
الرواية فيها الكثير من الأسى والحزن لكنها تحوي ايضاً الكثير من التهكّم والسخرية والتهشيم. تقول الكاتبة: "انا شخص كئيب جداً ومرح جداً ورومانسي جداً ومتطرّف الانفعالات جداً. كل ما احاوله هو أن أضبط انفعالاتي التي هي جزء من انفعالات شخصياتي. والنجاة بها بأقل قدر من الألم. ودائماً ما تداهمني السخرية في أشدّ المواقف جدّية وغضباً وليس ألماً. فأنا اعطي الألم حقه على مضض".
الأكثر قراءة
مجتمع
5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير
5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
نبض