كتاب جديد للروائي إبراهيم عبد المجيد يكون غالباً بمثابة حدث ثقافي يحتفل به قراؤه ومحبّوه. وهذا ما تكرّر هذا العام في مشهدٍ جميل جمع كلّ الأصدقاء للاحتفاء بـ"قاهرة اليوم الضائع" (منشورات المتوسط)، الصادر تزامناً مع معرض القاهرة للكتاب.
عن الحب والعشق... عن محطات العمر والخيال والحلم بالكتابة فوق الواقع... وعن متلازمات الفقد والحزن والاغتراب وصراع الهويات والتاريخ والجغرافيا بين القاهرة والإسكندرية...
هذه المواضيع وغيرها يتناولها الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد، الحاصل على العديد من الجوائز أخرها جائزة النيل.
وفي مناسبة هذا العمل الصادر حديثاً، التقيناه وكان لنا هذا الحوار معه:
* عن روايتك الأخيرة "قاهرة اليوم الضائع" وتلك العلاقة الشائكة بالمدينة... ماذا مثلت لك مدينة القاهرة في الأدب وفي الحياة؟
- هي مراحل في حياتي. في سن السادسة عشرة فُتنت بها بسبب قراءة أعمال نجيب محفوظ الأولى: الثلاثية وزقاق المدق وخان الخليلي. لا أنسي كيف أتيت في رحلة مدرسية عام 1964 وعادت الرحلة من دوني، حيث تخلفت عن العودة وأردت الحياة في منطقة الجمالية. أمشي بحثاً عن شخصيات نجيب محفوظ لعلي أقابلها، وبعد يومين نفدت نقودي القليلة، ونمت خلالهما في مسجد الحسين الذي كان مفتوحاً، ولم يكن قد ظهر في حياتنا الإرهاب.
عدت وأرجأت القدوم إلى ما بعد الدراسة الجامعية. حين بدأت أنشر في نهاية الستينات وبداية السبعينات في مجلات أدبية مثل المجلة والهلال والطليعة، كنت أحضر لاستلام المكافأة، وأبيت ليلة عند أحد الأصدقاء ثم أعود، ولم أزد عن جلسة في مقهى ريش مع الكتاب فلم أرها جيداً.
بعدما استقر بي العمل عام 1974 في قصر ثقافة الريحاني رأيتها غير محتملة من الزحام، فصارت جولاتي بها ليلاً ونومي بالنهار. قادم من الإسكندرية حيث الفضاء والبحر، فكيف أمشي في مدينة سكانها مليونان!!
الآن زادوا على العشرين مليوناً. كان السهر هو القاهرة في ميادينها ومقاهيها من مصر الجديدة إلى الحسين والجمالية إلى ميدان السيدة زينب وظلت الإسكندرية تمشي معي.
ما أبقاني في القاهرة هو رغبتي في أن أكون قريباً من الكتّاب والمجلات. لم تكن هناك سوشيال ميديا ولا تليفونات تعمل ولا رسائل مضمونة الوصول بالبريد.
غابت القاهرة عن كتاباتي حتى عام 2005 حين كتبت رواية "برج العذراء" ثم جاءت "عتبات البهجة" ثم "هنا القاهرة" وغيرها. كان ما رأيته ليلاً جميلاً لم يغب عن روحي، ثم رأيته يضيع هو أيضاً من الزحام والفوضى، فجاءت الكتابة عنها كحلم ضاع.
لم يعد ممكناً تركها لكني ما زلت أتحاشى المشي فيها نهاراًَ، واكتفيت بما رأيته في ليال رائعة وحدي أو مع أصدقائي.
* وكيف استدعيت القاهرة في روايتك الجديدة؟
روايتي الأخيرة جولة في يوم احتشد فيه البوليس توقعاً لتظاهرات دعا إليها بعض من في الخارج فلم يخرج أحد، وهو يوم معروف هو الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2022.
أخذني الخيال لينزل بطل الرواية بينما لا يزال جالساً في بيته، ليرى القاهرة بلا زحام، ويتذكر مبانيها وكيف كانت يوماً ومن مرّ عليها، وما يمكن أن يحدث له من قوات الشرطة، ومن يمكن أن يقابلهم من الموتى الذين امتلأ بهم الفضاء، فلا وجود للأحياء إلا قوات الشرطة وغير ذلك من الأحداث الخيالية، كأنه يقول هذه هي القاهرة الضائعة.

* وهل صالحتك القاهرة بالتغلب على الشعور بالسكينة أم زادتك اغتراباً؟
- الاغتراب يمشي معي منذ قرأت في الفلسفة. يزيده ما يحدث في المدن ومصر عموماً من إهمال وتغيير عشوائي في المباني وغيره مما حولنا. أعرف الأسباب السياسة وأكتب عنها المقالات، لكنّ قضية الاغتراب أعمق، ولذلك أظل اكتب المقالات عن قضايانا السياسة، بينما أخلق عالماً أجمل في الروايات أعيشه باعتباره الحقيقة الوحيدة.
* ولماذا كانت معظم أعمالك الأخيرة يتوالي صدورها من خارج مصر؟
- السبب بسيط جداً وهو أن الجو العام خانق، وربما يجد الناشر ما يمكن أن يسبب له الأذى لأن بيننا من لا يدرك أن الرواية خيال وليست رأياً، فأعفي الناشرين من الحرج من التردد أو الخوف من بعض الأحداث، أو ما تقوله الشخصيات وليس أنا.
أنا أعرف ما حولنا ولماذا يتردد الناشرون. ثلاثية مثل "الهروب من الذاكرة" عن المحبوسين احتياطياً في هذا الزمن مثلاً، وكيف حاولوا الحياة بعد الخروج من السجن. كذلك رواية مثل "العابرة" عن فتاة تتحول إلى رجل، وما تلاقيه من أهوال من المجتمع، والحمد لله رغم ذلك تدخل الروايات مصر.
* عن رحلة الحب والدم والدموع والتي بدأت منذ نصف قرن، كيف تفسر للقارئ مفاهيمك الآنية تلك عن الوطن والحرية والمواطنة؟
- باختصار حب الوطن محفور في أرواحنا، لكنّ القضية هي شكل الحكم وعلاقة الحكام بشعوبهم. هم الذين يتصورون أنهم أصحاب الرأي الوحيد لا يقيمون وطناً، بل مستعمرة عقاب، حتى لو بدون سجن. التدهور في الحياة الاقتصادية والصحة والتعليم الذي يعانيه أغلب الناس لا يجعل الوطن حقيقياً.
المواطنة تعني أن ينعم المواطن بما يدفعه من ضرائب أو يقوم به من عمل، في شكل خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم.
الحرية تعني حرية الرأي وأن يدرك الحكام أنهم ليسوا أصحاب الرأي الوحيد، وأن يعترفوا بأخطائهم ويغيروا طريقتهم في الحكم أو يعترفوا بعجزهم ويتركوا الحكم لغيرهم. نحن نعيش في زمن غريب ليس للحكام فيه غير لوم الشعب واعتبارهم سبب هذه الأزمات، بينما الشعب خارج الحكم.
* في كتاباتك هناك الكثير من ركام الخيال والاغتراب والوحدة، فما دوافع اقتحام تلك المواضيع ببعدها الواقعيّ والمعيشي وكذلك الفلسفي؟
- في صباي وشبابي فتنتني القراءة في التراث الشعبي فقرأت ألف ليلة وليلة وحكايات أبو زيد الهلالي وغيرها. في الجامعة درست الأنثروبولوجيا بين الشعوب وفتنت بالأساطير وبملاحم مثل الإلياذة والأوديسا، ومن ثم أدركت أن الخيال هو عالم الفن.
في فترة مبكرة حدث اندفاع في الرؤى الواقعية بسبب ضغط السياسة، لكنني عدت بسرعة إلي روحي برواية المسافات التي نشرت عام 1980 وهكذا لم يعد يفارقني الخيال.

* تلاحظ في كتاباتك الأخيرة وجود الكثير من مساحات الفقد والحزن وتبدد العمر فحدثنا عن شعورك الآني بجدوى الكتابة/ سنوات العمر.
- شعوري يخصني وحدي وهو يختلف من شخص إلى آخر. مصدره ليس التقدم في العمر فقط، ولكن أن تنظر حولك فترى وطناً لم يعد وطناً. ولكن تظل الكتابة هي صناعة الأوطان الحقيقية للكاتب ومعينه على الحياة.
* عن الحب والعشق وبدد العصف بالرومانسية في طموحات الكاتب/ الفنان إبراهيم عبد المجيد... ماذا يبقى من رحلاتك تلك واقعياً؟ وهل صار الحب حلماً غير قابل للتحقق إلا في الإبداع؟
- الحب هو الإبداع في أعظم درجاته. تظاهرة لا تتوقف عند الشباب لكنّ التجارب السابقة تظل نهراً للكاتب. والتجارب ليست ما يمر بك فقط، لكن ما تراه أو تعرفه ممن حولك أو حتى تقرأ عنه. ولأن الحب هو البرزخ الرائع بين السماء والأرض فسحره لا ينتهي، ويزداد السحر كلما تقدم الزمن. مهما رأيت أو سمعت من تجارب سيئة أو فاشلة يتسع الفن لها بالغفران. في الفن درجة عالية من الزهد تكاد تصل إلى الفناء في قلب المحبوب أو جسده أو خياله وذكراه.
* ما بين القاهرة / الإسكندرية وتلك الأمكنة الأثيرة التي كتبت عنها في متونك السردية وأخرحت رواية قاهرة اليوم الضائع... ماذا يتبقى من تلك الأمكنة وماذا صنعت في واقعك الآني؟
- هذه الأمكنة مهما جرفها وشوهها الزمن والفساد محفورة في الروح، فما تراه في الصغر كالنقش في الحجر لا يضيع، ومن ثم تملك فضاء الإبداع ويزداد تملكها مع تقدم العمر. الكتابة هنا بناء لوطن الحقيقي: رثاء أو محبة.

* الكاتب الروائي العتيد إبراهيم عبد المجيد، وبعد أكثر من أربعين رواية... كيف ترى إلى الكتابة اليوم؟
- مؤكد تأتي لحظات يأس لكن السبب ليس الكتابة. السبب هو أن معظم من يحكمون لا يقرأون. لكن في النهاية يأتي اليأس بعمل جديد. روح الكاتب لا تعرف الشيخوخة، وقلبه يظل قلب طفل يأخذه إلى برزخ الجمال.
* بعد كلّ هذه الأزمات المحيطة بنا والحروب عبر الهوية والجغرافيا... كيف ترى مستقبل الفن/ الفكر/ الأدب؟
- الإجابة من التاريخ. كم من حروب شاهدها العالم وكم من مجازر ارتكبها المجرمون، فهل ضاع الأدب والفن؟ كل شيء صار روايات أو أشعاراً أو لوحات فنية على جدران المعابد والبيوت والمعارض. هكذا الفن لا يعترف بالنهايات.
* وعن مفهومك لجدوى الخلاص/ النشوة/ السلوى... هل ينتهي حلم الكاتب بالخلاص كمعنى وجودي وفلسفي... بعد أن ينتهيَ من كتابة نصه الأدبي؟
- لا أظن أن الكاتب يفكر في هذا أثناء الكتابة. بعد الكتابة يظل عالقاً في ما كتب أو أظل أنا كذلك، ويصبح ما كتبته هو عالمي الحقيقي، ومن ثم إذا خرجت إلى الشوارع أجد نفسي أبحث عن شخصياتي غير مدرك أنها أوهام، ويظل ذلك حتى أدخل رواية جديدة. لا خلاص بأي معنى وإلا كنت توقفت عند رواية واحدة.
* في سياق جوائز الكتابة والإبداع... حدثنا عن علاقة الجوائز بالكتابة ودورها في حياة الكاتب؟
- الجوائز لا تزيد عند الكاتب الموهوب عن كونها دفعة ثقة في ما يكتب، ومبلغاً مالياً يستعين به على الحياة. كم من عظماء لم يحصلوا على جوائز.
لذلك لا ينبغي أن تكون الجوائز استهدافاً من الكاتب. أنا لم أتقدم لأي جائزة غير أول جائزة حصلت عليها من نادي القصة في الإسكندرية عام 1979، وكانت على مستوى الجمهورية ونشرت كاملة علي صفحة في جريدة الأخبار مع مقدمة لمحمود تيمور عنوانها "هذا قصاص موهوب". حجم الثقة كان بحجم الفضاء.
بعد ذلك كل ما حصلت عليه من جوائز كان بترشيح من دور النشر أو هيئات ثقافية. جاءت النقود وضاعت وبقيت شعارات الجوائز تزين الحيطان وأنساها لأنها خلفي.
* زرت الكثير من عواصم العالم في الشرق والغرب... فماذا تتذكر أهم محطاتك في تلك المدن، وماذا بقى في ذاكرتك؟
- الكثير كتبته في كتابي "أين تذهب طيور المحيط" وفي غيره من المقالات. لو كان للإبداع ميزة واحدة فهي هذه الزيارات والدعوات. لكل بلد دهشته في روحي. إنما تظل فرنسا والمغرب في مقدمة الروح. بلاد إذا وصلت إليها لا تتوقف قدماي عن المشي، ولا عيناي عن الرؤية، ناسياً كل مشكلات البشر، جارياً وراء الجمال في كل مكان.
* وكيف ينظر المبدع القدير إبراهيم عبد المجيد لتلك الأنشطة الثقافية في الدورة الجديدة لمعرض القاهرة الدولي في دورته الحالية؟
- لم أعد أتابع الأنشطة بحكم الانشغال والعمر، لكن هي فرصة طيبة للفن والجمهور، وكتبت أكثر من مرة راجياً أن يتسع المعرض لدعوات الكتاب العرب، وهو ما كان يحدث من قبل. أكثر من يأتون من الكتاب العرب يأتون على نفقتهم. وأتمنى أن يكون لغزة وفلسطين حضور كبير في المعرض، ندوات أو أشعار أو شاشات تلفزيونية في الطرق عليها صور الشعراء والكتاب الفلسطينيين.
* موقفك الإنساني والفكري مما يحدث في غزة والضفة لشعب فلسطين... كيف ترى الحدث ومستقبل تجلياته العاصفة على العالم ومفاهيم العدالة والعيش السوي؟
- في البداية كانت الصدمة من هذه الإبادة الجماعية للفلسطينيين التي تقوم بها الدولة الصهيونية، وتؤازرها حكومات دول قذرة مثل أميركا وإنكلترا وألمانيا، وصمت عربي وعالمي كأنّ ما يحدث قصة في كتاب قديم يقرأونه. ولكن الآن بعد أكثر مئة يوم من الفشل الإسرائيلي، صرت على يقين بأن العالم سيتغير، والعالم العربي سيتغير، وستضطر إسرائيل إلى التوقف ويبدأ تفككها من الداخل، وسيكون سؤالهم كيف خذلنا "يهوا" - وهذا اسم إلههم – في تحقيق دولتنا من النيل إلى الفرات، وستنفجر هجراتهم الجماعية إلى حيث أتوا. غزة وأهلها يعيدون تشكيل العالم.
* أخيراً هل ما زال يتملكك الإحساس بالحزن على ما آلت إليه أحوال العمارة في "إسكندريتك"؟ ليتك تحدث القارئ عن تلك المساحات انطلاقاً من تلك الأماكن التي تلامست مع روحك وذاكرتك وحياتك الواقعية؟
- طبعاً لا يزال يتملكني الحزن إلى درجة انقطاعي عن زيارة المدينة إلا نادراً وبسرعة لأني أعود باكياً.
رواياتي ومقالاتي وكتبي حافلة بما تلامس مع روحي وضاع. آخرها كتاب "رسائل إلى لا أحد"...
لا تنتهي كتابات أدباء الإسكندرية ومفكريها من كل الأجيال عن الجمال الضائع من المدينة. الأسماء كثيرة تتوزع بالعشرات بين مصطفى نصر وسعيد سالم وغيرهما وأجيال جديدة مثل هبة خميس ومَيْ المغربي وغيرهما كثير من الأدباء، إلى الدكتور محمد عوض أستاذ العمارة وحارسها العظيم.
هناك أيضاً مواقع إلكترونية عظيمة مثل إسكندرية زمان أو حواديت إسكندرية أو جمعية الإسكندر الأكبر التي يديرها المستشار معتز عامر وغيرها، لا تكف عن تخليد القديم والباقي منه وتعيد الإسكندرية لتملأ فضاء الميديا والروح.
نبض