حسن كامي في ذكراه الخامسة... فنان قضى حياته بين المسرح والمكتبة
عندما تأملتُ صورتي في مرآةِ ملعقة بلاتينوم كان أهداني إياها الفنان الراحل حسن كامي الذي شاركته في مسرحية "دلع الهوانم" للمخرج سيد راضي، استعدتُ ذكريات جمعتني به مطلع التسعينات، وشعرتُ بغصّة على نهاية فنانٍ عاش نهاية حياته في عزلةٍ بعدما اختار أن يبتعد عن الفن.
في فيلته في المريوطية، أعد لنا الشواء وراح يغني بصوته الأوبرالي الصدّاح بطلب من الفنانة الجميلة بوسي.
عندما تأملتُ صورتي في مرآةِ ملعقة بلاتينوم كان أهداني إياها الفنان الراحل حسن كامي الذي شاركته في مسرحية "دلع الهوانم" للمخرج سيد راضي، استعدتُ ذكريات جمعتني به مطلع التسعينات، وشعرتُ بغصّة على نهاية فنانٍ عاش نهاية حياته في عزلةٍ بعدما اختار أن يبتعد عن الفن.
في فيلته في المريوطية، أعد لنا الشواء وراح يغني بصوته الأوبرالي الصدّاح بطلب من الفنانة الجميلة بوسي.
يومها أهدى كل منا ملعقتين من البلاتينوم، واحدة كبيرة للطعام وأخرى صغيرة للشاي. في تلك الفترة كان حسن كامي قد صار من خلال مسرحية "دلع الهوانم" أيقونةً للفنّ المرح الذي يُشبه شخصيته الخاصة جداً.
كان يحضر بعربته المرسيدس قبل موعد العرض بساعة واحدة، أي في التاسعة تماماً ليدخل إلى الكواليس بخفّة الفنان وثقل الأرستقراطي. وهو التينور الذي كان قد عاد لتوّه من باريس ليتفق على عرض "أوبرا عايدة" على مسرح دار الأوبرا المصرية في أيام عزّها ومجدها.
وكان حسن كامي مبهراً بأدائه الفني الأوبرالي، لكنه كان أيضاً متفرداً بلغته وحديثه واختيار مفرداته الثابتة والتي تعبر عن رقي وثقافة عتيدة فخمة.
وهذا ليس غريباً على من اختار أن يكون مُحاطاً معظم وقته بالكتب. ولعلّ سبب اقترابي منه هو الكتاب، بحيث عرضت عليه نصاً قصصياً قرأه وكان فاتحة معرفة جميلة بفنانٍ لا يشبه أي فنان آخر.
انتقل حسن كامي من الغناء إلى التمثيل، بحيث قدم عشرات الأفلام التي راكمت تجاربه، هو الذي أسس شركته الخاصة في شارع شريف، معقل البرجوازية الكبرى في القاهرة التي وعاها حسن كامي وفهمها، فاختزل حسها وتناقضاتها وولعها بالجديد الفريد في الفن.
كان الراحل موهوباً في ما يخص تواصل الفنون كلها، مسرح وسينما وموسيقى وأوبرا ودراما مرئية. وتفنن على خشبات مسارح مصر في القاهرة والعديد من مسارح العالم التي قدم عليها أوبرا عايدة في عام 1988.
وكان الراحل يجيد التحدث مع رموز ومسؤولين ثقافيين في العالم بما يعود على بلده وثقافته بأشكال ثمينة من فنون تروج للبلد في أشد الفترات السياسية ارتباكاً.

في مرة، جاء كامي على عجل لعتبات مسرح "الهوسابير" وأخبرني عن شبه بطولة له في فيلم "سمع هس" مع ليلى علوي وشريف عرفة، قدّم أشكالاً من التجريب والفانتازيا التي تبوح ولا تصرح، بتناقضات جمة في ما يخص الإعلامي والسياسي والاجتماعي الفني والإبداعي والتى ساهمت في بروز تيار سينمائي فانتازي لم تمهله صناعة السينما لكي يتبلور. وذلك بعدما جاءت سينما المقاولات لهدم الجيد الهادف وطمسه والإعلاء من قيمة التافه بموضوعات.
في"سمع هس"، بدا الراحل متعدد المواهب وصاحب معرفة عميقة بمسار الفن والمغزى الجمالي منه. كيف لا وهو صاحب منمنمات تشكيلية حتى في ديكورات شركته وملابسه واختياره لألوان مكتبته الكبيرة المتعددة المعارف واللغات القابعة في شارع ثروت والتي لا نعلم ما هو مصيرها بعد رحيله، بعد استغاثات للوزارة بضرورة شرائها من أجل الحفاظ على الكتب وكنوز التراث التي تحملها.
بعد عملي معه وبفضل وجود صديقنا المشترك المخرج سيد راضي، صرنا أصدقاء، وصار يخصني بجديده فور التعاقد على هذا العمل أو ذاك.
ذات مرة اتصل بي وقت التصوير ليعطيني صوراً فوتوغرافية من فيلم "سمع هس" تجمعه ببطلته ليلى علوي وممدوح عبد العليم.
وفتح الألبوم لتسقط الصور وأرى في تحديقة عابرة لقطة لسيدة مدهشة فائقة الجمال طاغية المظهر، أسأله لمن هذه الصور فيقول باستحياء وهو يقبض على يدي ويقول: نجوى. وأستشعر من رده أنه حريص على الاحتفاظ بخصوصياته في حياة رومنطيقية قويمة تجمعه بها، بحبه وعشقه الذي لم ينزو ولم يفتر للزوجة ومن قبلها الصديقة والعاشقة والحبيبة التي رحلت قبل وفاته بشهور قليلة لتتجلى التفاصيل الشخصية للفنان حسن كامي.
ومن يعرفه كان يعلم من تكون نجوى في حياته، هي الزوجة التي كانت تشاركه هواياته وطرائق عمله وعشقه للفنون والسفر، هي الضاحكة والحاضرة بخفة هانم تنتمي إلى زمن مخملي ماض.

توفي حسن كامي في كانون الأول/ ديسمبر من عام 2018 حاملًا معه مئات الأسرار من كواليس الذاتي والشخصي والفني وحتي الاجتماعي، وتحديداً في إطاره الذاتي، وهو المولود في عام 1936.
وبين المولد والوفاة كان حب الناس والفن وعشق الحياة مذهبه وطريقه للتعامل مع الناس في خطاب مؤدب ومثير للإعجاب.
ومما يثير التأمل في ما يخص مرايا الراحل المتعددة الظلال لحظات الحزن التي نجح كثيراً في إخفائها، وكان منها رحيل ابنه البكر الذي دمّر حياته فجعل منها غرفاً ثلاثاً تفصل بينها ستائر كثيفة، فالفن في جانب هو غرفة في ذاته، والعمل في غرفة أخرى، وغرفة ثالثة تخصه وحده مع الذكريات المؤلمة. ولكن واجهة كل ذلك إصراره على المودة وحب الجميع.
قدم كامي عشرات الأعمال الدرامية ما بين السينمائية والمسرحية والتلفزيونية، كان أبرزها أفلام "سمع هس" ومسلسلات "بوابة الحلواني" و"أنا وأنت وبابا في المشمش" و"رأفت الهجان" ليحيى العلمي و"الخواجة عبد القادر" للكاتب عبد الرحيم كمال، إضافة إلى فوازير "إحنا فين" مع سمير صبري وسماح أنور وشيرين سيف النصر، عدا مشاركته في بطولة العشرات من الأعمال الأوبرالية، وتولى رئاسة فرقة الأوبرا وكان مستشاراً ونائباً فنياً لرئيس دار الأوبرا في عام 90.
كان يتنقل بعربته ما بين الإستديوهات وخشبات المسرح وإداراته لفرقة أوبرا القاهرة، ولا ينتهي إلا بعد منتصف الليل، وهكذا ترك لنا عشرات الأعمال الجميلة والكثير من الحب لدى كل من عرفوه.
الأكثر قراءة
مجتمع
5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير
5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
نبض