21-12-2023 | 17:06

عمّار علي حسن يعارك الاغتراب والحنين في ديوانه "غبار الطريق"

في رحلة معاكسة لما اعتدناه في السنوات الأخيرة من هجرة الشعراء إلى الرواية، يعود عمار علي حسن بديوان شعر جديد بعد أربع عشرة رواية وسبع مجموعات قصصية ومسرحية وسيرة ذاتية سردية وثلاث كتب عابرة للأنواع الأدبية ومثلها في النقد الثقافي. عنوان الديوان المقصود هنا هو "غبار الطريق" وقد صدر عن دار العين للنشر بالقاهرة في مائة وعشرين صفحة من القطع المتوسط. كان عمار قد بدأ مساره الأدبي شاعرا، لكنه لم ينشر قصائده القديمة إلا قبل ثلاث سنوات حين صدرت في ديوان "لا أرى جسدي"، وكنا نحسبه قد ارتضى بتوزيع الشاعرية، مجازات وصور ومفارقات وخيالات، على أعماله السردية، لكن يبدو أن حنينه إلى الشعر لم ينته، أو أن هذا اللون الأدبي المغاير قد جذبه، فلم يستطع منه هروبا أو ابتعادا.
عمّار علي حسن يعارك الاغتراب والحنين في ديوانه "غبار الطريق"
Smaller Bigger
في رحلة معاكسة لما اعتدناه في السنوات الأخيرة من هجرة الشعراء إلى الرواية، يعود عمار علي حسن بديوان شعر جديد بعد أربع عشرة رواية وسبع مجموعات قصصية ومسرحية وسيرة ذاتية سردية وثلاثة كتب عابرة للأنواع الأدبية ومثلها في النقد الثقافي. عنوان الديوان المقصود هنا هو "غبار الطريق" وقد صدر عن دار العين للنشر بالقاهرة في مئة وعشرين صفحة من القطع المتوسط. 
 
كان عمار قد بدأ مساره الأدبي شاعراً، لكنه لم ينشر قصائده القديمة إلا قبل ثلاث سنوات حين صدرت في ديوان "لا أرى جسدي"، وكنا نحسبه قد ارتضى بتوزيع الشاعرية، مجازات وصور ومفارقات وخيالات، على أعماله السردية، لكن يبدو أن حنينه إلى الشعر لم ينته، أو أن هذا اللون الأدبي المغاير قد جذبه، فلم يستطع منه هروباً أو ابتعاداً.
 
شكل مختلف
يأخذ الديوان سمتاً مختلفاً في شكله أو تركيبه، إذ إنه يمثل قصيدة واحدة، وهو فيها ليس بجديد، إذ شهدت الساحة الشعرية العربية على مدار تاريخها دواوين لشعراء كثر كانت عبارة عن قصيدة طويلة، لكن الاختلاف في ديوان "غبار الطريق" أنه يجمع بين أكثر من لون شعري.
 
فالديوان/ القصيدة ينقسم إلى ثمانية مقاطع، كل مقطع منها عبارة عن مشهد أو لوحة شعرية، تعاد ثلاث مرات، وفي كل مرة تأخذ شكلاً أو نوعاً شعرياً مغايراً، الأول يكون وفق "شعر التفعيلة" والثاني يأتي على هيئة قصيدة نثر، والثالث عبارة عن سرد شعري مكثف، وكأنه نوع من القصيدة القصة، أو الشعر المنثور.
 
وبذلك لا عناوين فرعية في الديوان، بل هو فقط عنوانه الرئيسي. وتقسم العناوين الفرعية هذه بين المقاطع والألوان الشعرية، التي تأخذ جميعها سمتاً سردياً لافتاً، بحيث نرى العناوين هي (1/ أ) ثم (1/ ب) وبعدها (1/ج)، حتى نصل إلى الرقم (8) فيتوزع على الحروف الثلاثة السابقة، ويضيف إليها في النهاية حرف (د) حيث تتفاعل فيه الأنواع الشعرية كلها.
 
ينطوي "غبار الطريق" على حكاية واحدة عن قطار الصعيد، البسيط المجهد، الذي عركه الشاعر نفسه، كما دلت إلى ذلك سيرته الذاتية التي صدرت تحت عنوان "مكان وسط الزحام". إنه حلم السفر الذي كان، ولا يزال يراود، كثيرين ممن ضاق بهم العيش، فيكون القطار هو طوق النجاة الذي يلقى إليهم في الصبا، ليأخذهم من قرى ضاق فيها الرزق، ولم تستوعب الرغبة في التحقق، أو تستجيب للطموح الذي يمكن للمدينة أن تفسح له طريقاً.
 
 
عمّار علي حسن.
 
وجع الغربة والاغتراب
يتعدى الديوان كونه رحلة سفر ليبدو بحثاً عن الوجود، ونبشاً في الذاكرة المجهدة، وتعبيراً عن الذات المعذبة من الشعور بالاغتراب في المدينة، وهو في هذا يتماس أو يتفاعل مع تجارب شعرية أخرى وجدناها عند صلاح عبد الصبور في "مسافر ليل" وعند أحمد عبد المعطى حجازي في "مدينة بلا قلب" وعند محمد الماغوط في قصائده التي تعبر عن شقائه بالمدينة، وعند محمود درويش في حنينه إلى لسع الزنابق على سياج الحدائق، وبدر شاكر السياب في غربته على شطآن الخليج، وجوعه الجارف إلى قريته العزلاء المنسية، أو حتى في سرد يوسف إدريس في قصته "النداهة".
 
تبدأ الرحلة في قطار الدرجة الثالثة، الذي يبدو في نظر من يراه من بعيد كأنه دودة تتلوى بين الزراعات. إنه القطار المزدحم بأحلام الذين يهاجرون من الصعيد إلى القاهرة، من الجنوب إلى الشمال، ليتوحد عذاب النفس المسافرة مع وقت مفارقة القرية عند الغروب، ليزيد الليل القادم من الشعور بالغربة:
"قطار الصعيد
قافلة مجهدة 
تمشي تحت جناح شمس ذابلة
فتجرح الأصيل
أما هنا بين ساقيّ 
فتصير حشرة بائسة
تنبض في شراييني
وترمي عيوناً عابسة 
مقددة كشفتي تائه
أرهقه ترديد السؤال 
عن عنوان مجهول
وشوارع مائسة"
 
روح سردية ومشهدية
يتسربل الديوان بروح سردية أو مشهدية عن فتى عصامي غادر القرية في ميعة الصبا وجاء إلى المدينة، ورغم أنه قد وجد لنفسه مكاناً وسط الزحام، فإنه لا يزال يحن إلى قريته، وإلى أبيه الواقف في وسط الزرع يرفع فأسه ملوحاً لقطار يعتقد أن ابنه قد صار راحلاً في جوفه. 
 
يتحول النص في تقلبه بين عذابات المدينة بزحامها، والتوق إلى السكينة في رحاب قرية بعيدة، إلى صور متلاحقة، عن جسد يعاني، وروح مشبوبة بالخوف والأمل والرجاء، وعيون ترى الناس في إقبالهم على الحياة: "هنا فأس أكلها الصدأ
قسوته لا يلين لها لون زرع بهيّ
وطعم شهيّ
وعطر يضوع
يملأ أنف الكادحين تحت جسر عال
ونسيم عليل
سد هو بين القريب والبعيد
لا يحجب العيون الناظرة إلى أفق خفيض
يحط على دودة الحديد
الذاهبة إلى القاهرة
الماهرة
في اصطياد أحلام الساعين إليها غافلين
لكن بعض أصدقاء القمح والدود
ومالك الحزين
لا يرونها إلا علبة ليل وضجيج 
وقتل على مهل"...
 
يبدو الديوان فريداً في إزاحته لكثير من التفاصيل المسكوت عنها، والتي يستنتجها القارئ ضمناً، من واقع خبرته أو تجربته، وكذلك في دائريته التي يمتثل فيها لطبيعة الزمن، أو الإيمان بفكرة العود الأبدي، وهو هنا ليس انتقال الروح من بدن إلى آخر، بل ذهابها وإيابها من مكان إلى مكان، وهو تقطير لحكاية طويلة، أو بالأحرى حكايات كثيرين.
 
في كل هذا يفضح الشاعر تناقضات المدينة، وإصرارها الدائم على إنتاج القهر والاغتراب، ليدخل معها في تحد شديد، وكأنه ينازلها جسداً لجسد، وإرادة لإرادة. وبينما يريد الذين أرسلوه إلى المدينة أن يعود إليهم ذا جاه ومال، يختار هو معركته بعيداً من كل هذا. إنها معركة الوعي والبحث عن المعنى في كل هذه الحياة:
"يا أبي الذي أرسلتني إلى حيث أريد
جامعة وجامع
صرت ضالًا
بلا علم ولا هداية
مع خواء جيبي لا شيء يملأ رأسي سوى ثمن القوت
أنت هناك تقول للناظرين إليك في حسد
بينما الماء يجري بين قدميك إلى زرعك الشاحب:
سيعود من رحلته موظفًا كبيرًا
يجالس المكاتب الفاخرة في دواوين الحكومة
تقول هذا ولا تدري أبدًا وجهتي
فأنا أريد أن أعود إليك سابحًا في بحار من معنى 
هائمًا في شرود طويل
تعلمت بعضه على مقاعد الدرس
وبعضه من كلم آخر ليس في الكتب
أذني مشنفة إلى من فتحوا أمامي نافذة العلم فابتلعتني
لم تنقذني منها فسحة المدى
ذلك المطروح فوق القرى الغافية"
 
نهاية حزينة جداً
يبدو الديوان رحلة انكسار، فالطموح الفردي للشاعر، والذي يعبر عنه من خلال مجازات مستوحاة من تراث البلاغة العربية، وهضمه لكثير من الشعر المعاصر، عربياً كان أو أجنبياً، سرعان ما يغلبه السياق العام المشبع بالفساد والاستبداد، والذي هو قادر على تعذيب كل صاحب نفس رهيفة، مهما اقترب من تحقيق أحلامه، أو اقتنص من الحياة صيداً ثميناً. ويعود هنا إلى القطار ليتوسل به في تقدير كل ما يخصمه العام من الخاص، وما تجنيه السياقات على الفرد:
"ليست عربة طائشة هي
تجاوزت هذا بعيدًا 
قطار لا عيون له
 ولا بريق
معطلة أبواقه التيتصرخ معلنة عن قدومه
فلا زعيق
لا محطات تبكي على كتف انتظار
لا سيمافورات تطعن الفضاء
 تحدد الطريق
 لا كبسولات تعانق القضبان
تدوي ساعة الخطر
فالسرعة فاقت الحدود
جنونية هي
والوقت ليل
على باب المضيق
السائق لا يسمع سوى صدى صوته
ولا يرى دخان الحريق".
 
إن "غبار الطريق" أمثولة للاغتراب والحنين، وهو محطة تأمل لرحلة حياة امتدت بصاحبها إلى مدينة الموت الجميل، التي يبحث فيها الحالمون عن بقعة ضوء في ليالها حالكة الظلام.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

مجتمع 5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.