16-03-2024 | 14:31

محمد الفخراني يتخيّل انهيار الأرض ونهاية الانسان... روائياً

"البيت ركننا في العالم، إنّه وكما قيل مراراً، كوننا الأول، كونٌ حقيقيٌّ بكل ما للكلمة من معنى". هكذا يصف الناقد الفرنسي غاستون باشلار علاقة الكاتب أو الفنان بالمكان.
محمد الفخراني يتخيّل انهيار الأرض ونهاية الانسان... روائياً
Smaller Bigger
"البيت ركننا في العالم، إنّه وكما قيل مراراً، كوننا الأول، كونٌ حقيقيٌّ بكل ما للكلمة من معنى". هكذا يصف الناقد الفرنسي غاستون باشلار علاقة الكاتب أو الفنان بالمكان.
هذا ما عمل عليه بتوهّجٍ وطلاوة، الروائي المصري محمد الفخراني، في روايته الأحدث "حدث في شارعي المفضّل" (دار العين). 
فيها يطرح علاقة الإنسان/ الراوي بالأرض والمكان، حيث أنّ الأرض هنا هي الكرة الأرضية التي خربتها البشرية بالقتل والدمار والحروب. 
 
 
تخييل وفانتازيا
في هذه الرواية ثمة محاكمة للبشرية عبر غرائبية تتأرجح ما بين التخييل والفانتازيا، في سردية محكمة البناء ودقة الوصف والوقفات واللغة المختلفة جذرياً. 
هنا تجد الكثافة والتقشف، وقوة الحدس قبل الحدث، فتشعر أنّ الرواية مكتوبة بلغة بصرية وبصيرية، عبر معالجات حيوية وفاعلة واثقة. 
 
في روايته هذه، يبلور الكاتب ركام تجربته أو مشروعه الكتابي المغاير، والذي بدأه في كتابه "غذاء في بيت الطباخة". فالمكان مهمّ في أعماله، وكما يؤكّد باشلار "إنّ المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكاناً لا مبالياً، ذا أبعاد هندسية وحسب. فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تميز. إننا ننجذب نحوه لأنّه يكثف الوجود في حدود تتسمّ بالحماية".
 
 

الأسئلة الوجودية
رواية "حدث في شارعي المفضل"، هل هي إضافة لتجربته أم تدشين جديد في مشواره السردي؟ عن هذا السؤال يجيب الكاتب: "كل عمل جديد أكتبه أعتبره إضافة إلى أعمالي السابقة. 
ورغم كل ما بينها من اختلاف في العوالم أو اللغة أو أساليب الكتابة، فإنّ هناك روحاً داخلية تجمع بينها، وهي تُشَكّل معاً رؤيتي للعالم، وللكتابة نفسها، وتساؤلاتي عنهما". 
 
وعن المشترك بين روايتيّ "غداء في بيت الطباخة" "وحدث في شارعي المفضّل"، يقول الكاتب: "إنّ كلاًّ منهما تحمل فكرةً تتعلّق بالحالة الإنسانية، والعالم الذي نعيش فيه. وتحديداً عن الكرة الأرضية، وهي تلك الصيرورة، وما آلت إليه أحوال كوكب الأرض والبشر، هل تعتبر الرواية محاكمة للبشر أم هي صرخات رفض". 
 
يرى محمد الفخراني أنّ روايته، "ليست محاكمة بأي حال، لا للبشر، ولا للأرض، بالتأكيد ليست للأرض، وفي كل الأحوال، أبتعد في كتابتي، كما في حياتي وتعاملاتي اليومية، عن الأحكام". 
 
في رواية "حدث في شارعي المفضل" نجد حالةً وأفكاراً عمّا هو متاحٌ لنا بشكلٍ مجاني، ونحن نفرّط فيه، ونفقده، ويضيف: "أفكر دوما أنّ أجمل وأغلى ما في العالم يُقدَّم لنا بشكلٍ مجاني، يوميًّا، حتى أننا لا نكاد نراه، رغم أنّه ليس كذلك، ومع أقلّ غياب لأحد هذه الأشياء المجانية فإننا نعرف قيمتها، ونعرف أنّها ليست مفروغاً منها".   
ومن بلاغة تعدد التأويل والبناء اللغوي، يتجاذب المؤلف كلاماً مع الراوي، حديثٌ يمزج ما بين الحسي والصوفي، وما بين الباطني والظاهري، فنجد الكثير من التجليات، فكأنّ الرواية تطرح أيسر الطرق للتعامل مع هذا الكوكب ومخلوقاته، عبر التسامح والنسيان. 
ومن خلال هذين المسارين في الرواية، يتعدد التأويل الذي يدلّل عليه الكاتب: "سأفكر أنّ لكل شخص طريقته وأسلوبه وما يناسبه في التعامل مع الكوكب ومخلوقاته".
 
في الرواية، نرى شخصية واحدة، فتاة في الخامسة والعشرين، تمشي في العالم، بينما تنهار الأرض من حولها، وتختفي كل الموجودات، لتبقى هي وحدها على كوكب الأرض، تمشي وتمشي، حتى تصل إلى ذلك البيت الطيني، وتعيش فيه ستة عقود بمفردها. 
هي هنا في رحلة، مع الأرض، والبشر الذين تفقدهم طوال الوقت، مع قصة حب تخصّها، هي في رحلتها مع أفكارها وذكرياتها ومشاعرها ومخاوفها وأحلامها، وفي نهاية الرواية يبدو الأمر وكأنّها ستبدأ رحلة أخرى جديدة.
 
 
 
 
قد يتخيّل المتلقي أنّ رواية "حدث في شارعي المفضّل" هي رواية سيرة لشخص وعائلة وجماعة، ولكن ما دقّة هذا الاعتقاد؟ وهل يتفق المؤلف مع هذا التأويل؟ 
يجيب الفخراني أنّ رحلة هذه الشابة يمكن أن تكون لأيّ شابة أخرى في هذا العالم، وفي الوقت نفسه هي رحلة خاصة جداً، وخلال الرحلة نرى أحوالًا عن البشر وكأنّهم جماعة واحدة أو أسرة. وكأنّ هذه الشابة المشّاءة تمشي داخل الرواية، مع فارق بسيط، هو أنّ الأرض تنهار من حولها، وكل شيء يختفي، كل شيء، فارق بسيط كما قلت".
 
لا تخلو كتابة الفخراني من ألوان وروائح وأصوات وموسيقى ما، وهذا ما يصرّح به هو نفسه معتبراً انّه لا يختار هذا الاسلوب تعمُّدًا لأجل خَلْق رؤية تشكيلية، هذه الحالة التشكيلية تأتي بشكل تلقائي عندما تتوافر عناصرها داخل النصّ بطبيعة الحال.
قد يُخيَّل الى قارئ رواية "حدث في شارعي المفضّل" أنّ الخطاب السردي يتمّ من خلال ثلاث شخوص أو شخصيتين داخل الرواية، هل هذه حقيقة أم أنّه سارد واحد؟ 
 
يقول المؤلف إنّه سارد واحد، الشابة، هي تتنقّل في الزمن، بين الحكي عمّا قبل انهيار الأرض، وأثناء الانهيار، وعن حياتها في البيت الطيني، وفي الوقت نفسه، نقرأ ما يحدث في العالم حولها. الشابة التي نراها في عمر الخامسة والعشرين، حتى تصل إلى الخامسة والثمانين، وهناك يحدث ما يحدث.
عن تلك الأبعاد الحسيّة والنفسية والوجودية، نلاحَظ أنّ هناك أكثر من مستوى للتلقّي يخصّ الرواية. فهل يتفق الكاتب مع هذا الرأي، "تَعَدُّد المسارات"؟ 
"ربما"، يجيب، لأنّ البطلة ستكون لديها أفكار أو مشاعر خلال انتقالاتها العمرية، أو حتى أنّها تستعيد من ماضيها، وعلاقتها التي تتغيّر قبل انهيار الأرض، مروراً بالهرب من هذا الانهيار، ثم وصولها إلى البيت الطيني، لتعيش فيه كل هذا العمر بمفردها، ولا شيء غيرها على الكوكب، سنرى طبقات في هذه الشخصية، حتى وإنْ كانت هذه الطبقات تمتزج معاً.  
 
 
 
عن الألوان في الرواية، ثمة ألوان بعينها كالأصفر والبرتقالي والبُنّي، كيف تختار الألوان داخل رواياتك؟ يجيب: "الأمر يحدث بهذه السهولة، فقط يحدث، وأعرف أنّه دومًا سيحدث، كذلك، الألوان تعرف هذا عني وعنها، كما أنّ، ومثلما هو معروف، الألوان تؤثر في عقل ونفس مَنْ يراها، أو يقرأ اسم اللون، فعندما يقرأ "أصفر" أو "أحمر" أو "أزرق"، فإنّه سيشعر بشيء خاص مع كل لون. تحضر الألوان بسهولة، لكن في الوقت نفسه هناك خطة كاملة لحضورها، في "حدث في شارعي المفضل"، ليس هناك بديل للّون الأصفر، اخترتُه لأنّه اللون الذي يتمّ التنمّر عليه في الحياة العادية، بأنّه لون للمرض أو غيره، كما أنه من النادر أن يكون هو اللون المفضّل لشخصٍ ما، أيضًا اخترته لجماله الخاص، وأسلوبه، هو بالنسبة لي شخصية لونيّة ثريّة للكتابة عنها، في هذه الرواية "حدث في شارعي المفضّل"، يغيب اللون الأزرق بتعمّد، وهو لوني المفضّل، وفي روايتي "لا تمت قبل أن تحب"، يحضر اللون البنّي بزيادة عن غيره، وفي رواية "ألف جناح للعالم"، تَحْضُر تشكيلة كبيرة من الألوان، وفي كل حالة هناك خطة لتوزيعها داخل النصّ، وتنسيقه .
ثم، هناك العلاقات السريّة والخاصة التي تنشأ بيننا نحن البشر وبين مفردات العالم عندما نعاملها بطريقة خاصة، وحقيقية، نعاملها بما تستحق، ونثق أنّها تدرك جيدًا وتشعر بالطريقة التي نعاملها بها، وأنها سترُدّ بالمِثْل، هناك الكثير من الحكايات الصغيرة واليوميّة عن هذا، تبدو كأنّها مصادفات غريبة، لكنها ليست مصادفات، من هذه العلاقة مع اللون، الشارع، الموسيقى، الشجرة، مع الأشيء وكل شيء.
 
في النصف الثاني من الرواية تتماس وتمتزج الكثير من المفاتيح الفلسفية لدور "الحَدْس" بأبعاده الواقعية والباطنية والنفسية، فهل هناك دوافع واقعية حدثت من قبل في المناخ كانت دافعًا إلى هذه الثنائيات، من الوجود والعدم/ الموت والحياة/ البداية والنهاية؟ 
يقول المؤلف: "هناك ما يُسمّى تَغَيُّر المناخ يحدث حولنا، لكن الرواية لها حكاية تخصّها في هذا، وتفتح الفكرة على آفاق أكثر اتساعًا، وفي الوقت نفسه تهتم بالتفاصيل الصغيرة، مثل علاقة كل واحدٍ منّا بالأشياء من حوله، وإحساسه بها، حتى أنّ الرواية وهي تحكي عن انهيار الأرض لم تُقدِّمه في شكل الديستوبيا، لا باللغة، ولا بالمشاعر، ولا برؤية الشخصية داخل الرؤية لما يحدث حولها، إنما كان المُهمّ هو المرور في الحكايات التي تجمعنا معًا، نحن البشر، وتجمعنا بالأرض، وتجمعنا بالمفردات من حولنا".
 
الرواية تُقَدِّر كل شيء في العالم وتحبه، وهذا حقيقي، كل لون له وجه، الشجرة لها وجه، كل كلمة لها وجه، الشارع له وجه، البحر والنهر والصحراء. رواية الفخراني "حدث في شارعي المفضّل" هي دعوة للتسامح وحب الأرض. 
 

الأكثر قراءة

مجتمع 5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.