02-03-2024 | 10:57

إبراهيم عبد المجيد في مواجهة "القاهرة" وتحولاتها

يظهر الروائي إبراهيم عبد المجيد في روايته الأحدث " قاهرة اليوم الضائع" كفنان رؤيوي تخاتله ذكرياته، بل وعلاقاته بالأمكنة التي أحبها وعاش فيها، مستحضراً أماكن سكنته بعدما سكنها، ومتسائلاً: من فينا يسكن الآخر، نحن أم الأماكن؟
إبراهيم عبد المجيد في مواجهة "القاهرة" وتحولاتها
Smaller Bigger
يظهر الروائي إبراهيم عبد المجيد في روايته الأحدث "قاهرة اليوم الضائع" كفنان رؤيوي تخاتله ذكرياته، بل وعلاقاته بالأمكنة التي أحبها وعاش فيها، مستحضراً أماكن سكنته بعدما سكنها، ومتسائلاً: من فينا يسكن الآخر، نحن أم الأماكن؟ 
 
ليس غريباً أن يمتلك الكاتب الكثير هذا الكمّ من الذكريات التي لامست شغاف قلبه قبل قارئه، وذوت في فترات الصبا والشباب فكانت خير ملاذ للحكي والسلوى بل والكتابة عنها، ما بين مقالة ورواية وقصة، فزادت من تأجيج ماهيات وجنوح ومخاتلة "الحنين"،  Nostalgia.
 
يدلف الكاتب/ السارد/ الحكاء، عبد المجيد تلك الأبواب المخاتلة المراوغة في أحدث أعماله الصادرة عن دار المتوسط في مئة وخمسين صفحة من القطع المتوسط. يوسع الكاتب ويزيد من عمق تعلقه بجدل الثورات وانعكاساتها على الجماهير، وتحديداً الشعب المصري، الذي شهد حلمه وقد تجسد في الخروج الكبير يوم الخامس والعشرين من يناير. 
 
هو الحلم "الثورة" معششاً في ذاكرة الكاتب رغم ما آلت إليه تلك الثورة مع نزول "الإخوان" والعسكر، والسطو على ثورة وحيدة اجترت تاريخاً تليداً للقاهرة من بعد ثورة 1919. 
 
من باب الثورات، يدلف إذاً الكاتب ليتعامل مع ما جد من شائعة انطلقت في عام 2022 وهي دعوة للتظاهر والنزول إلى الشارع، وهو ما لم يحدث نتيجة الخوف ليتضخم الحدث ويزيد من قلق الكاتب، خصوصاً أنه في السنة السابقة أي عام 2021 كانت هناك الكثير من الحشود والتي صادفت يوم لقاء كروي بين فريقي الأهلي وفريق آخر أعقبت دعوة عام 2022_ لتبدأ الأحداث بيوم غير معتاد في الحادي عشر من نوفمبر وتفور الفكرة في رأس السارد والذي تمثل له الشارع والنزول بخفة وانفلاته من جلسته مع الزوجة ليهبط الى وسط القاهرة في حالة تشبه المسرنم، ما بين الحلم والتخييل أو الخيال. وهو ملاذ الكاتب الدائم والطاغي، يبلور معظم كتاباته وتقنياته في القص والروي وحتى في حكيه الشفاهي.
 
 
بلا فواصل
"قاهرة اليوم الضائع" رواية بدأت وانتهت في سردية واحدة بلا عنونة لفصول ولا هوامش، ليضعنا الراوي الذي يتنقل بخفة وحرية ما بين تيمات الحكي بضمير المتكلم أو راوٍ عليم أو مخاطب ليفسح للقارئ / المتلقي مجالات عدة للتأوييل بل والمشاركة في الأحداث بلا حواجز . 
 
عبد المجيد ينزل الى وسط القاهرة يوم الحادي عشر من نوفمبر تاركا زوجته وهو لا ينوي على شيء، بل والأحرى أنه لا يعلم ولا يعي إن كان بالفعل قد نزل أم ان خياله صوّر له هذا وأججت طموحاته تلك النزعة الثورية لكاتب متمرد شارك وشاهد الكثير من الحروب والثورات ولم يزل يحلم بتغير الأحوال وتسليم الحكم تحت آليات أخرى أكثر حرية وعدلاً ومساواة ولكن هيهات. 
 
يقابل الكاتب كوثر في صورة حلمية يراها وقد تمثلت له صبية لطيفة وجميلة وتعرفه من قبل حتى ولو حسياً، مثلما يناور الكاتب من حين لآخر فيبدآن في الترجل صوب كل الأماكن التي سكنها الكاتب فسكنت روحه وشكلت مراوحات فتية في حصده لعتبات كوزموبوليتانية وأجواء كرنفالية وليال من الفن والسحر والسهر والسمر القاهري الذي لم يغب إلا بعدما تصدر المشهد حكام دولة يوليو. ويبرهن الكاتب على هذا النزوع والحراك بالقول الحزين لرفيقته في رحلة الاستعادة للتاريخ والزمن الفتي بالقول على مسمع "كوثر"، وهي التي قابلها في هذا اليوم العجيب الغرائبي: "دنيا عجيبة!... سكتنا ومشينا أكثر. عبرنا شارع فؤاد إلى ميدان التوفيقية، وكانت قد مسحت دمعها بيدها. طبعاً سينما "ديانا" مغلقة والمطاعم كلها، لكن لا بأس، أن نقف وحدنا وسط العمارات نتطلع إليها. الميدان الصغير الخالي الذي كان يضج بالزحام والأصوات والضحك بالمطاعم والمقاهي والباعة الجائلين.... رأيت واجهات العمارات يزينها طلاء جديد هو اللون البيج. رحت أتطلع إلى الشرفات المربعة والدائرية للعمارات والنوافذ المستطيلة العالية كعادة مباني القاهرة الخديوية كلها..؟ كل هذه العمارات والبنايات يذكرانني مثل غيرهما بباريس التي كلما سافرت إليها لا أنسى القاهرة.. (ص52)، فأين ذهبت طلة المصريين على أوروبا! لترد عليه كوثر (ص 53) (ليه زعلان فلن نجد أحداً يواسينا). 
 
 
استعادة الماضي
هكذا هي الحكاية والعقدة وذروة الحدث حيث انصهر الكاتب أو الراوي العليم بالحكاية، وصار وصال وجال يتطلع للعمائر ويستعيد ما كان. 
 
يطوف الراوي بـ"كوثر" وهي رمز للجنّة والعشق والمباغتة والبراءة. تلك لا تعرف لماذا لبت نداء العامة في هذا اليوم الحادي عشر من نوفمبر والذي مثّل قطعة القماش الحرير أو الكانفاه التي زخرفها الكاتب بالحنين والحب والجوى والخيال ليقابل في رحلته على مدار ساعات اليوم المعنون بالكثير من المصادفات القدرية والعجائبية، من وسط البلد في قاهرة المعز مروراً بالقاهرة الخديوية حتى ميدان رمسيس وكلود بك وحانات "مصر والسودان و"العباسية" ومصر الجديدة... 
 
في الطريق إلي مصر الجديدة، يبدأ الراوي في تلمس خطاه كتابة ووعياً. وما بين الخيالي والغرائبي والتخييلي، يلملم السارد مبتغى السرد بحمولة منفرة تعكس آليات السلطة في القبض على زمام الأمور: "كله تمام. والأمن مستتب". 
 
بداية من الصفحة المئة، يعود الكاتب إلى تلك المباني والشرفات والشوارع التي عاش فيها وكانت هي محصلة قطار العمر والذكريات، حيث تفعيل الخيالي وانطلاق أصوات فنانات الزمن الجميل ليلى مراد وشادية وفاتن حمامة وعبد الحليم وغيرهن/ وغيرهم كثر. 
 
فهل كان السارد "ينعى" زمناً ما مضى أم تراه يودع قاهرته التي ذكر كثيراً أنه لم يحبها إلا بعد مرور ستة عقود من عمره قضى معظمها في الإسكندرية؟
 
أم نراه يحاكم السلطة والبشر وآليات الهدم من خلال وقوفه القليل عند محطات بعينها، ساهمت في تفتيت القاهرة الزاهية بجماليات "الحكي بالهدم والبناء"، وهي تلك التيمة التي ساهمت في انفتاح الحاضر على الماضي وربط كلاً منهما بما وصل إليه أحوال المدينة وكذاك مستقبل كل تلك الحطام. 
 
في "قاهرة اليوم الضائع" يختلط واقع مصر الآن من وجهة نظر الكاتب، وارتباطه بخطأ السياسي والاقتصادي والعمراني والثقافي مع نفض ذاكرة الراوي بحكايته الدائرية الأثيرة التي جعلت من المراوحة/ المخاتلة تقنيتين للتقدم والتأخر بالأحداث مع البقاء على تلك المصادفة القدرية يوم حدث النزول الذي لم يفصح الكاتب عن ولاقعيته المفرطة في التنقل اللغوي ولا البنية الدائرية. 
 
ولا عن تلك الخيالات التي تجنح للمسكوت عنه، حيث تدخين الحشيش والتهام البطاطا المشوية في ميدان رمسيس أو حتى كل هذا الإرث المغدور بفرزه والتعاطي معه، تشبه السردية هناإصطباغ العديد من رؤى التداخل الزمني إلا من نهار واحد يتأمل فيه الكاتب/ السارد الراوي العليم، أرجحة قارئه على محك التنوير حيث _ هنا وهناك _كانت دولة ليبرالية تضاهي أفخم عواصم العالم رقياً في الملبس والعمارة والفن والتحضر والرفعة التي تلاقي كل جزء وحانوت أو بكية في مصر الخديوية ما قبل يوليو، مع التوسع في زخرف وجماليات المكان" The aesthetics of the _place" 
 
حتى مع الارتحال والتوديع، نجد ثمة سيولة في الزمن السردي حيث انفتاح الواقعي واليومي الآني على الماضي بيسر، في قاهرة اليوم الضائع يحار القارئ في الجدوي، من الحكي والشجون والحزن بل والأسى واللوع الذي بغلف روح الراوي حتى وقت خروقاته والسعي نحو خلاص ما يسعي من خلاله، الراوي وبرفقته " كوثر" والتي ترمز للجنةوقد خلدت أمكنة الكاتب وزمنه وألهبت مخيلته ليبقى وحيدا في دروب المتاهة مع المدن التي تسكننا/ ونسكنها فلا مناص من تفجير ألغام الذكريات التليدةبجدوى التعامل بصيرورة مع خفقات الزمن وحصاد سنوات العمر. 
 
في رواية "قاهرة اليوم الضائع" تتكسر كل سبل تؤدي لليقين في التعاطي مع تلك المعضلة الممثلة فيما آلت إليه الأحوال في مدينة القاهرة بناسها وتاريخ البشر مع الأماكن.
 
وكذلك ينحو السرد سيالاً دافقاً للربط بين البدايات وذروة الحدث والنهايات الملتاعة والخبايا، لتسطع الحكاية بتوليفة روائية لا تقف عند رصد الموبقات ولا أسباب الخفوت والتراجع والاضمحلال، بل هي مساءلة للنفس والضمير الجمعي قبل الفرداني الذي يهمس به الكاتب في تراكات هارمونية تشبه رحلة دون كيشوت مع طواحين الهواء، أم تراها مرثية لزمن ولى وكاتب/ إنسان، لا يؤبد الحنين/ النوستالجيا، بقدر ما يفتت تلك البقع الغائرة، بمخاتلات الكر والفر وتقدم السرد بوحشية والعودة إلى جوهر القضية، "الحدث الرئيس" الذي يسأل الماض عن الحاضر، والحاضر الأسود الجهم_ عن المستقبل الغامض. "قاهرة اليوم الضائع" تضيف نقاطاً جد منيرة، ومثيرة وملتاعة، عن رحلة الكاتب وخطاه في المدينة التي شهدت مجده، وأكلت الروح وألهمت السارد، الكثير من فرجات النور والضوء الشحيح، في تلك الرحلة الغرائبية متخذاً من حدث "الدعوة لثورة جديدة في الحادي عشر من نوفمبر2022 محطة لمراجعة النفس والبشر وآليات السلطة والحكام"...