31-10-2023 | 22:50

علاء خالد يتأمّل سينما الثمانينات بعين داود عبد السيد

عن دار "المرايا للثقافة والفنون"، صدر للشاعر والكاتب الروائي علاء خالد كتابه "داود عبد السيد... سينما الهموم الشخصية"، وهو محاولة جادّة وحادّة ووحيدة في مسألة تماهي المؤلف مع عوالم المخرج داود عبد السيد وفلسفته.
علاء خالد يتأمّل سينما الثمانينات بعين داود عبد السيد
Smaller Bigger

عن دار "المرايا للثقافة والفنون"، صدر للشاعر والكاتب الروائي علاء خالد كتابه "داود عبد السيد... سينما الهموم الشخصية"، وهو محاولة جادّة وحادّة ووحيدة في مسألة تماهي المؤلف مع عوالم المخرج داود عبد السيد وفلسفته.

المعروف عن المخرج داود عبد السيد انّه مختلف في رؤيته لدور السينما في إبراز الوعي الفردي، قبل الجمعي، والذي جعل من جيل سينما الواقعية الجديدة جيلاً قادراً على المقاومة وإرساء الأمل، عبر وسائط فكرية وتقنية وحوارية ساهمت في التنوير وفي نقل هموم المواطن المصري المكبّل بالتناقضات.

وتميّز أصحاب هذا الجيل بأدوات سينمائية تأرجحت ما بين الواقعية المباشرة والمطّعمة بتقنيات تتماس مع الواقع اليومي لتناقش وتبحث في آثار الهزيمة، وحصاد النصر، والحرب... وهذا ما نجده مطروحاً من زاوية عاطف الطيب، أو سينما الشارع وحراك الطبقة الوسطى وجدوى شريط الصوت كما هو متوفر بدقّة وتراتبية في عالم محمد خان، أو حتى سينما الفانتازيا والغرائبية في شرائط المخرج رأفت الميهي، أو تلك الإرهاصات الشفيفة السحرية التي أصدرها خيري بشارة في أعمال سُمّيت بـالتأرجح ما بين الواقع الحي وآفاقه، علوية وسفلية...

 

سيرة مشتركة

المخرج داود عبد السيد واحد من هذا الجيل، هو الذي يجمع في سينماه همّاً واحداً، وهو الذي طفى على السطح عقب هزيمة يونيو 1967، فكانت الفرادة والاختلاف في رؤيته وعوالمه.

وفي كتاب "سينما الهموم الشخصية عند داود عبد السيد"، حاول علاء خالد إجترار الزمن عبر الصورة، ليس تأبيداً للحنين/ النوستالجيا، بل لحتميةٍ تطغى على رؤية المخرج، كالإنطلاق من مكان واحد، الأسكندرية، مدينة البحر والحلم والحب والموت، بل والخرس أيضاً، حيث انّ صوت الموج والرياح وعنفوان البحر هو المقلب في ضمائر ومصائر ابطال عبد السيد، وهي الرؤية الغالبة في معظم أفلامه.

وبهذا يقول علاء خالد: "بداية، الدافع الأهم في نشر الكتاب، هو توضيح نقاط التماس بين طريقة داود عبد السيد في الرؤية وما أثاره داخلياً من تساؤلات وشغف. يسعى الكتاب لاكتشاف هذه المساحة المشتركة بيني كمتفرج أو قارئ ومحب للسينما، وبين هذا النص السينمائي. أعتقد أنّها قراءة تقوم على رسم خريطة فكرية لتأثير رؤيته السينمائية على خيالي، بوصفى واحداً من  المتلقّين".

ويُضيف: "الكتاب سيرة مشتركة للأفكار، بشكل ما، وأي اكتشاف أتوصل إليه لأي نقطة جوهرية في هذا النص السينمائي هو بدوره يحوي كشفاً موازياً لنقطة شبيهة في مساري الفكري والإنساني. أعتقد أنّ أي علاقة فكرية متبادلة تنتج بدورها سلسلة من التفاعلات الجانبية لأنّها مع الوقت تفقد شخصنتها، وتتحول إلى نص/ حوار مفتوح أو وثيقة تتجاوز القارئ والنص السينمائي معاً".

وعن الكثير من تلاقي رؤى التماهي بين المؤلف علاء خالد والمخرج داود عبد السيد، ينفي المؤلف ذلك قائلاً ان ليس هناك علاقة تبني أو تماه، وانما علاقة حوار وجدل وانجذاب، فالجاذبية تتولّد احياناً من القرب الظاهري، وأحياناً من الاختلاف الموضوعي.

 

حياة الفرد

ويؤكّد أنّ القضية الكبرى التي يتفق معها في رؤى داود هي طريقة تناوله للفرد وجوانيته في أعماله، وهي جزء أساسي من همّه الشخصي. فالفرد عند داود ليس فقط كائناً اجتماعياً، يشغل وظيفة أو دوراً داخل حياة محدّدة، وتقليدية، ولكنه وإن كان جزءاً من هذا الحيز، فله دوماً حيّزه الخاص الوجودي الذي يعنيه وحده، ويمنحه كينونته.

الفرد عند داود يتخطّى مأزقه الطبقي، ويتحول إلى باحث ومتأمّل في الحياة، أو بقول آخر يصبح أحد ادوات الحياة التي تثبت بها جدارتها، من خلال إنصافه ووقوفه معه داخل حكايته.

هذا الحسّ الوجودي المتجاوز للطبقة الاجتماعية هو مصدر من مصادر الوعي الشخصي للمخرج، هو أيضاً أحد مبادئ الحياة عند الكاتب نفسه.

 

بين داود ويوسف ادريس

في هذا العمل، يتوقف الكاتب عند بعض التيمات والتوافقات الفكرية والوجودية بين المخرج داود عبد السيد والكاتب يوسف إدريس.

ويؤكّد خالد مكانة الكاتب يوسف إدريس وأهميته بالنسبة الى المخرج دواد. ولكن، في حين يبدو إدريس غير منفصل عن الحياة، بل متورطاً فيها، وبتجاربها المتعددة، فإنّ الأستاذ داود يأخذ مسافة المراقب للحياة، كعادة أبناء الطبقة المتوسطة، وهذا يسبب خسارة جزئية له تنقّص من عمق تجربة العيش، فمثلما الاقتراب فيه خسارة ومكسب، أيضاً المراقبة فيها خسارة ومكسب.

 

الهمّ الشخصي

في سينما الهموم الشخصية، يطفو عالم نجيب محفوظ كرمز  لحجب تفاسير كلّ من الفن والادب. فهل من تشابه واختلاف بين الكاتبين؟ وماذا عن علاقتهما بفكرة الوجود والعدل؟

هذا ما يفسّره لنا الكاتب بالقول: "ربما نظرة داود ليوسف إدريس تقودنا الى طبيعة نظرته لنجيب محفوظ. هما أيقونتان في الوسط الثقافي ولكل منهما دلالات ترتبط به، وقد تحوّلا إلى رمزين واضحين. اعتقد أنّ تمثيل اليسار المصري أو مجتمع الثقافة في الستينات كان يتخذ من يوسف إدريس نموذجاً للتمرّد الثقافي، وكان داود أحدهم بالطبع".

ويُكمل: "في رأيي الشخصي أنّ هناك تقارباً داخلياً بين محفوظ وإدريس، فالاثنان يسعيان للإمساك بلحظة وجودية غارقة في تجربة الحياة، بشكل ما، وكلاهما يصل إليها، سواء بمشهد حياتي سريع كما عند إدريس، أو بتحليل وتأمّل شعري وفلسفي كما عند محفوظ. فمحفوظ ليس ابن الطبقة المتوسطة المتامّل فقط، ولكنه المغامر أيضاً في تجربته الفكرية، أكثر من تجربته الحياتية، وربما يتشابه مع داود في تقاطعات فكرية وفلسفية عديدة، لذا هناك هذه المساحة الغامضة في رصد تجربته. بالطبع هذا تفسير شخصي غير مُلزم للأستاذ داود".

 

يعرض الكتاب في بدايته رؤى تفسيرية عن سينما داود، ثم ينطلق في قسمه الثاني "المحاورات" في استحضار رؤى مكمّلة لعوالم المخرج، عبر اختراق ظلال الأفكار عند كلا من المصمم ومهندس الديكور أنسي ابو سيف. الّا انّ هناك استدعاءً ثالثاً مهمّاً هو الموسيقار راجح داود.

يفسّر علاء خالد انّه قسّم الكتاب الى فصلين أحدهما للكتابة عن الأفكار الأساسية الموحّدة في أفلام/ نص داود السينمائي، بينما خّصص الفصل الثاني للحوارات مع فريق العمل المكوّن من المخرج، ومهندس المناظر أنسي أبو سيف، والمؤلف الموسيقي راجح داود.

مفهوم فريق العمل أساسي في أفلام داود باختلاف مكان كل فرد منه.

وعن علاقة داود بمدينة الإسكندرية، وما اذا كان هناك تطابق او تجاور في رؤية الإسكندرية مع ما قدّمته سينما يوسف شاهين انطلاقاً من اعتبار الإسكندرية هي مدينة الحلم؟

يرى مؤلف الكتاب، أنّ العلاقة في "رسايل البحر" تتمّ داخل إطار الحلم المثالي أو المكبوت النفسي، فالإسكندرية لها رمزيتها المتعددة، وهي مكان الإنقاذ والخلاص، فقد طبّق عليها سمات شخصية لتكون حاضناً للبطل من اجل تجاوز أزمنته، كونها تملك مقومات هذا التجاوز والتحرّر والتعدّد بحكم تاريخها.

في "قدرات غير عادية"، اتجّه نحو رمزية أوسع، وكان البحر هو الأهم من المدينة، وأصبح تعدّد المدينة موجّهاً لاحتضان القدرات غير العادية، وليس للعجز كما في "رسايل البحر".

استعار الأبطال والفكرة سمات المدينة ونقلتها لمكان إنساني جديد بجانب هذا الحس الفانتازي في صياغة الحكاية كأننا في ملهاة فيللينية.

أما إسكندرية يوسف شاهين فقد كانت أكثر شخصنة للمدينة، مدينة على مقاس فردٍ، وهناك تداخل بين السيرتين، شاهين والمدينة، لذا هناك سكون ما، أو جدل غير متطور، ولكنه خلق عالماً أكثر ارتباطاً بالماضي الخلاصي كما عند داود.

يطرح علاء خالد شرعية إنتماء داود لجيل الثمانينات، ويوضح الفارق في الرؤية والشكل، وحتى اختلاف  الطرح عند كل من مجايلي داود مثل عاطف الطيب وخيري بشارة ومحمد خان وكذلك رأفت الميهي.

فهو يرى أنّ جيل الواقعية الجديدة هو الجيل الذي جاء ليردّ على هزيمة 67، كما كانت ريادته في إيطاليا كردّ فعل على الحرب والفقر والديكتاتورية.

لذا، في سينما هذا الجيل بأشكاله المختلفة، هناك إحساس خفي بالرفض والتمرّد على المألوف ورغبة في المصارحة. بجانب أنّ الشارع جزء أساسي من سينما هذا الجيل التوثيقي، وفكرة البحث، سواء البوليسي كما عند خان في "ضربة شمس"، أو رحلة الاستنارة للبطل كما عند داود في "البحث عن سيّد مرزوق"، أو مسؤولية الفرد الذي يلعب دور الجماعة، كما عند عاطف الطيب في "سواق الاوتوبيس"، وأصالة مواجهته للأزمات الاجتماعية والسياسية من حوله بسبب تبدّل المجتمع وتنكّره لنفسه، وصياغة هذه الأفكار الاجتماعية والسياسية والطبقية نفسها، ولكن داخل قوالب سينمائية فانتازية، جديدة ومرحة، كما عند خيري بشارة.

سواء اتفقنا أو اختلفنا، هناك ثوابت سعى الجيل إليها: حضور الواقع في الشارع بكثافة. ليس هناك قصص حب، بل أزمات في الوعي بالآخر. شعرية الصورة، الاهتمام بالهامش وبتفاصيل حياته بشكل عام، سواء طبقياً أو غير طبقي. ويعتبر أهم ما في هذا الجيل في رأيي، هو إحساس الأمل والمقاومة للهزيمة حتى ولو كان فيه سقوط للبطل، ولكنه ليس السقوط الشاهيني كما في الاختيار، ولكنه سقوط من دون صراخ، وهو نادر الحدوث ما عدا أفلام قليلة جداً... بجانب حضور فكرة السلطة والتعامل في أسلوب كل منهم، هناك سلطة كونية مجردة عند داود، وسلطة الطبقة الاجتماعية عند خان، والسلطة السياسية المباشرة عند عاطف الطيب، وميل خيري بشارة لمعالجة السلطة السياسية في قوالب جديدة ساخرة أو غنائية. ويقيم المؤلف

رحلة او مشوار أو مسار وتجليات المخرج داود عبد السيد سينمائياً فيقول...

"هي رحلة بالفعل، لها مراحلها، وأسئلتها التي طرحها كتعبير عن همومه، كما يظهر من أفلامه، وضيقه من القيود، أو السلطة ألاخلاقية، وصدامه النفسي معها سواء كانت أجتماعية، أو ذاتية.

انّها رحلة كشف للأفكار والمقاومة أيضاً من خلال السينما، ومحاولة التغيير في علاقة الفرد بالجماعة، أيضاً هي رحلة لإثبات أهمية الفرد وحياته وهمومه داخل السينما وداخل الحياة. رحلة تماهت فيها الفواصل بين الاثنين، بين سيرته الفكرية وسيرة الأنا، فهي شاهد على حياته أيضاً. رحلة خرجت من قلب هزيمة، وبدأت تبني أدوات مقاومتها، وأسلوبها، وطريقة تمرّدها الخاص".

الأكثر قراءة

مجتمع 5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.