البندقية 83 - ”داو“: العبقرية في براثن الحكم الشمولي
يعود "داو" للمخرج الروسي إليا خرجانوفسكي إلى منتصف القرن الماضي، إلى حقبة حافلة بأحداث لم تستطع السينما الغربية أن تطوي صفحتها بعد. في "داو"، الملحمة الروحية والنفسية والسياسية التي تنافس على "الأسد الذهب" في مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول)، ندخل قلب روسيا السوفياتية، ذلك النظام المغلق الذي التهم أبناءه.
الفيلم عن الفيزيائي ليف لاندو (ثيودور كورنتسيس)، ومن خلاله يرسم الفيلم ملامح نحو أربعة عقود من حياته في الاتحاد السوفياتي، مفكّكاً سيرة الخضوع والتعنّت هذه، ومعيداً تركيبها أمام أعيننا، مرة بعد أخرى، بدقّة تكاد تشبه دقّة الساعاتي، وهذا كله في مشروع سينمائي إحيائي هو الأكثر طموحاً داخل المسابقة.
يبدأ "داو" في مركز الأبحاث العلمية في خاركيف، في الثلاثينات، حيث عمل داو، قبل أن ينتقل إلى موسكو، التي سيمضي فيها بقية حياته. بسترة حمراء فاقعة تشقّ الألوان المائلة إلى الرمادية، يدخل داو الكادر، ولا يغادره إلا بعد أربعة عقود وثلاث ساعات وربع الساعة من فيلم يتناول العلاقة العبقرية بالسلطة السياسية، وهو موضوع صالح لكلّ زمان ومكان.

منذ المشهد الأول، يعلن الفيلم عالمه. داو في الجامعة، محاط بطلاب يجهلون قدره، وسرعان ما يصبح عرضة لهجومهم المقيت. مشهد يختصر، على نحو مبكر، طبيعة الصراع الذي سيحكم الفيلم: صراع بين العلم والتوتاليتارية، من دون أي ضمان بأن تنتصر الحقيقة أو أن يطال الصواب أصحابه.
ينطوي الفيلم على مشاهد ذات قوة بصرية هائلة، تولّى تصويرها ثلاثة مديرين للتصوير، من بينهم لول كراولي، صاحب الصورة المدهشة في "الوحشي"، الفيلم الذي يتقاطع مع "داو" في بعض نَفَسه الأوبرالي وخياراته الجمالية، وفي ميله إلى الأشكال الهندسية وتكوينات الصورة. خرجانوفسكي هو ابن السينما السوفياتية ولكنه متحرر منها أيضاً.
يشق "داو" طريقه وسط مناخ سياسي "موبوء". الفقر والعنف والقمع حصة يومية وتتسرب آثارها ببطء إلى الشخصيات، حتى تبدو السلطة وقد حفرت نفسها عميقاً في أجساد البشر وسلوكهم ومصائرهم.
ثم تأتي المعضلة الكبرى، والصراع الذي سيدور الفيلم عليه: تطلب السلطات السوفياتية من مجموعة من الفيزيائيين، من بينهم داو، أن يكرّسوا جهودهم لخدمة الدولة، والمشاركة، من بين أمور أخرى، في تطوير القنبلة النووية السوفياتية. لكن للعلماء رأياً آخر: هذا، في نظرهم، ليس شأنهم. فالعلم، في ذاته، وطن، ولا ينبغي أن يخضع لحدود الإيديولوجيا أو لمقتضيات الدولة.

لكن إلى أي حد يمكن المرء أن يصمد دفاعاً عن مبادئه؟ وأين تنتهي الحدود التي يمكن التنازل عندها؟ ذكّرني الفيلم بحكاية "مفيستو" لكلاوس مان، حيث تُعرض على الفنّان صفقة فاوستية، شرطها أن يضع نفسه في خدمة السلطة وسرديتها. في "داو" تحاول الدولة أن تضع عبقرية العالم وموهبته في خدمة عقيدتها وتوريطه في استراتيجيتها الدفاعية. غير أن ما يملكه داو أثمن من أن تتخلى عنه، لذلك لا يبقى أمامها سوى إخضاعه، واذلاله، وترويضه، وتطويع إرادته. الرجل العنيد، الواثق من علمه، سيجد نفسه تدريجاً عالقاً في براثن السلطة، التي تعرف، في المقابل، كيف تستخدمه من دون أن تخنقه: تمنحه قدراً من الحرية، كأنها تترك له منفذاً يتنفّس منه، كي تضمن بقاءه تحت سيطرتها.
سرعان ما تنقلب اليوتوبيا إلى أجواء ديستوبية جافة، تخبو فيها الانفعالات وتُختزَل الحياة إلى منظومة من المراقبة والتعذيب الجسدي والابتزاز. سيتشكّل عالم جديد قوامه الخوف، ويتحوّل الإنسان فيه إلى كائن محاصر. أما داو، فشخصية شديدة التعقيد، يصعب تأطيره والحكم عليه. شخصية ستتطوّر مع تطوّر الأحداث، ليصبح إفرازاً لكلّ ما عاشه واختبره. "إني عبقري، لكنني لستُ مجنوناً"، يقول في أحد المشاهد، في عبارة تختصر وعياً حاداً بموهبته وبالثمن الذي قد يدفعه مقابلها. وفي مشهد آخر يقول ما يشير، في العمق، إلى جوهر الفيلم: "أبشع الأشياء قد تصبح جميلة إذا عرفتَ كيف تقاربها". أليس هذا، في نهاية المطاف، أحد مبادئ الفنّ؟
بلغته السينمائية المبهرة، التي تترجّح بين نمطي ألكسندر سوكوروف وألكسي غيرمان، وببعض الذرى البصرية التي تكاد تلامس الكمال (كمشهد خروج سائل من الأرض أو الرقص في البداية)، يتّخذ "داو" أشكالاً عدة في آن واحد: فيلم تاريخي، تريلر سياسي ودراما حميمية، من دون أن يفقد وحدته. كلّ شيء موجود، من العلم إلى البسيكولوجيا، ومن القمع إلى الحرية فالبحث عن السعادة تحت حكم شمولي.
في ذلك، يسير الفيلم على خطى فكرة قالها نيكيتا ميخالكوف ذات مرة خلال حوار جمعني به: "العالم أجمع مهموم بسؤال واحد: كيف نعيش؟ أما الروس فيؤرقهم الآتي: لماذا نعيش؟ انطلاقاً من هذا، كيف تريد الا يكون هناك طلاق إيديولوجي كامل بيننا وبين الغرب؟". قد لا يكون سؤال "لماذا" هو ما يشغل داو دائماً، لكن شيئاً من هذا الهاجس الوجودي وقلقه، بكلّ تناقضاته وغطائه السلافي، يسري في الفيلم من أوله إلى آخره.
هذا فيلم ذو بنية روحية: ثمة، مثلاً، مَن يرى أن الحيّة التي دخلت الجنّة كان هدفها جعل الإنسان شبيهاً بالله، فيما يرى آخرون أن وظيفتها تجسّدت في منحه العلم والمعرفة. هكذا انتهت الجنّة، وبدأت حكاية الإنسان.
ينشغل "داو" بوظيفة العلم، حدوده، المسؤوليات الأخلاقية المترتبة عليه. كيف يصبح العالم معنياً بالدفاع عن نظام سياسي والانخراط في مشروعه، ومتى يكون عليه أن يتراجع؟ وهل يمكن فصل العلم عن الأخلاق حين يصبح ما ينتجه جزءاً من آلة السلطة؟

داو نفسه مفعولٌ به، لكنه سرعان ما سيصبح فاعلاً في الآخرين، كأنه يعيد إنتاج ما تعرّض له. حياته العاطفية والجنسية ستتحوّل إلى ورشة مفتوحة للألم والخيانة والخيبة. داو نمر يستعصي على الترويض، ويحمله الفيلم على راحتيه، لا ليحاكمه، وإنما ليناقش خياراته وانعدام خياراته، بصوت تتردّد أصداؤه، على نحو مقلق، في روسيا البوتينية اليوم.
أما المرأة، فتدفع الثمن. إنها الطرف الأضعف في هذه المنظومة، والأكثر قابلية لأن تتحوّل إلى مساحة للتعويض والانتقام وتفريغ العنف. في أحد المشاهد، يقول داو إنه يتمنّى ألا يتذكّره أحد (أو شيء من هذا القبيل). لكن الفيلم نفسه يفعل النقيض: يعيد إلى هذه الشخصية حضورها واعتبارها، ويجعل من سيرتها مدخلاً إلى سؤال أكبر عن التخلّي عن المبادئ، أو، على حد تعبير غروتشو ماركس الساخر: "هذه مبادئي، وإذا لم تعجبك… فلديّ مبادئ أخرى".
إليا خرجانوفسكي لـ"النهار": تنازلتُ عن جوازي الروسي!
* هل ترى نفسك سليل المدرسة الجمالية السوفياتية؟
- أعتقد أن السينما لا جنسية لها. في أحد مشاهد الفيلم، يقول داو إن العلماء لا جنسية لهم. وهذا تحديداً ما أقوله بالنسبة إلى السينما، إذا كنا نتحدّث عنها على المستوى الثقافي. الفيلم يستند، في جزء منه، ولا سيما في قسمه الأول، إلى الطليعية السوفياتية في العشرينات. فالكتلة الأولى، في سان بطرسبورغ، وهي كتلة ذات طابع سوريالي إلى حد ما، مستوحاة من لوحة، ثم من أفكار تتعلّق بالألوان لدى بوبوفا، وكاندينسكي، وماليفيتش، وفيلونوف. من هنا حاولتُ أن أربط الفيلم ثقافياً بتلك المرحلة، عبر الطليعية السوفياتية. كذلك، فإن خيارات الأزياء في القسم الذي صُوِّر في موسكو استندت، مثلاً، إلى ماغريت. نحن أمام مزيج من فناّنين وأساليب مختلفة، في محاولة للعثور على المقاربة الأنسب. حاولتُ الوصول إليها بالتعاون مع مصمّمي الأزياء، وعددهم ستّة، ومع مصمّمي الديكور وعددهم ثلاثة، ومع مديري التصوير، وعددهم أيضاً ثلاثة.
* هل هذا فيلم عن الحكم الشمولي، من الاتحاد السوفياتي وصولاً إلى بوتين؟
- عندما انطلقتُ في المشروع، كان بوتين قد وصل إلى السلطة، لكن تلك كانت، إلى حدّ ما، البداية الهادئة. الآن، يقترب الأمر أكثر فأكثر من الجحيم. والجحيم موجودة بالفعل، وقد خلقها الروس في أوكرانيا. أما علاقتي بروسيا فهي بسيطة جداً: تنازلتُ عن جواز السفر الروسي. وأنا المخرج السينمائي الوحيد المدرج على قائمة أعداء الدولة، بصفتي "عميلاً أجنبياً"، مع مخرج الأفلام الوثائقية فيتالي مانسكي، والمنتج ألكسندر رودنيانسكي. هؤلاء هم الثلاثة فقط. إنها قائمة قصيرة جداً.
* ماذا تقول في شأن الغضب الذي عبّر عنه بعض الأوكرانيين إزاء عرض فيلمك هنا؟
- أعتقد أن الأمر ناجم عن سوء فهم. شعرتُ بحزن شديد عندما قرأتُ ما كُتب. الأوكرانيون يعيشون في قلب حرب مروعة ودموية. لقد دُمِّر، كما تعلم، واحد من كلّ ثلاثة مبانٍ في أوكرانيا، وسقط عدد هائل من القتلى. هذه مأساة ضخمة إلى درجة أن في امكانهم أن يخطئوا. وهذا أمر مفهوم. لذلك، عندما واجهتُ سوء الفهم هذا، تفاعلتُ معه بالطريقة التي رأيتها مناسبة، وشرحت كلّ شيء. ماذا يمكنني أن أقول أكثر من ذلك؟ إني أحب أوكرانيا. أمضيت فيها سنوات طويلة أثناء إنجاز الفيلم. وحين أفكّر في تلك السنوات، أشعر في آن واحد بالبهجة والألم. وأتمنّى، من صميم قلبي، أن يتمكّن الأوكرانيون من الصمود والانتصار في هذه الحرب، مهما تكن الطريقة.
نبض