أمين الريحاني ديبلوماسيًّا... قراءة في كتاب "مهمّتي السلمية في الحجاز"
لطالما اقترن اسم الكاتب اللبناني أمين الريحاني باهتمامه بالقضايا العربية. وهو ما تعكسه عناوين كتبه "ملوك العرب"، "قلب العراق"، "تاريخ نجد الحديث"، "المغرب الأقصى"، وغيرها. ولعلّ آخر تمظهرات هذا الاهتمام صدور كتاب جديد له بعنوان "مهمّتي السلمية في الحجاز"، بالتزامن مع الذكرى المئة والخمسين لولادته.
الكتاب، في الأصل، عبارة عن مخطوطة مكتوبة بالإنكليزية، عثر عليها في أرشيفه ابن شقيقه وحافظ متحفه الدكتور أمين ألبرت الريحاني، فقام بتحقيقها، وترجمتها إلى العربية، وكتابة مقدّمة لها باللغتين العربية والإنكليزية، وأصدرتها "أكاديميا فيليب سالم" والجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، في حلّة أنيقة. ومن خلاله، يمكن التعرّف إلى بُعد آخر في شخصية الريحاني المركّبة، هو البعد الديبلوماسي الذي يُضاف إلى أبعاد الأديب والشاعر والفيلسوف والرحّالة والصحافي والمصلح الاجتماعي والمناضل السياسي وغيرها. وكثيرًا ما تتمظهر هذه الأبعاد في كتب الريحاني، فيتجاور فيها أدب الرحلة والكتابة السياسية والتأليف الفلسفي والرواية والمسرح وغيرها من الحقول المعرفية، على ما جاء في المُقدّمة. وهو ما نراه في الكتاب الذي تتجاور فيه الرحلة والتاريخ واليوميات والرسالة والمذكّرة السياسية.
مهمّة ديبلوماسية
في كتابه الجديد، يوثّق الريحاني وقائع مهمّة ديبلوماسية، قام بها في عشرينيات القرن الماضي، في محاولة منه لفضّ النزاع بين سلطان نجد عبد العزيز بن سعود وملك الحجاز الشريف حسين الذي اندلع على خلفية سحب مصطفى كمال أتاتورك اعتراف الجمهورية التركية بمنصب الخلافة، ما جعل الشريف حسين يخطو إلى إشغال المنصب، وأثار حفيظة سلطان نجد عبد العزيز الذي اشترط تأييد مسلمي الشام للخطوة كي يوافق عليها.

فن التفاوض
إزاء هذا الانقسام، يبادر الريحاني إلى مهمّته السلمية بين الطرفين مقترحًا تقاسم السلطة بينهما، بحيث يتبوّأ عبد العزيز السلطة السياسية، ويشغل حسين السلطة الدينية. والمعروف عن الريحاني تقديمه المشورة الدائمة بشأن معاهدات السلام بين مختلف الأطراف في الجزيرة العربية، يخطّها بنفسه ويقوم بمناقشتها بندًا ببندًا مع أصحاب العلاقة. وإذ تنجلي الخطوات الأولى للمبادرة عن ميل الطرفين للقبول بالتسوية المقترحة، يأتي تدخّل بعض الأطراف ليحول دون أن تبلغ تلك المبادرة خواتيمها المنشودة. هذه الوقائع يوثّقها الريحاني بالإنكليزية في عشرين صفحة، يعتبرها المحقّق الدكتور ألبرت "بمثابة عشرين فصلًا سياسيًّا، ترتكز على فنّ التفاوض بين خصمين، والمساهمة في وضع الحدود الفاصلة بينهما، وما يرافق هذا التفاوض من مدٍّ وجزر ...".
ثلاثة مفاوضين
يقوم الريحاني بمهمّته بين تموز 1924، تاريخ بدء التراسل مع ابن سعود لاستطلاع رأيه في المهمّة المزمع القيام بها وآب 1925، تاريخ تلقّيه رسالة من وزير خارجية علي بن حسين يعلمه فيها بتواصل الفرنسيين مع ابن سعود. وبذلك، تستمرّ عامًا كاملًا. يتواصل خلاله الريحاني مع طرفي النزاع بالبرقية والرسالة والمذكرة والعريضة واللقاء المباشر وإرسال مندوب عنه. ومن خلال هذه الأدوات يحاول إقناع الطرفين بمنافع السلم وعائداته وبمضارّ الحرب وتبعاتها. ويسعى إلى تليين المواقف القاسية، وتدوير الزوايا، وكسب الوقت، وتأخير اندلاع الحرب، ما استطاع إلى ذلك سبيلا. والمفارق أنّه يحظى بثقة الطرفين واحترامهما. وهو ما يُعبّر عنه عبد العزيز كتابة في ردوده على رسائل الريحاني، ويُعبّر عنه علي سلوكًا في عدم تدخّله في ردود الريحاني على رسائل عبد العزيز التي يطلعه عليها. وتتزامن جهود الريحاني في مهمّته مع جهود المفوّض السامي البريطاني السابق على شرق الأردن ه. سانت جون فيلبي، وجهود السيد طالب نقيب البصرة، لينخرط المفاوضون الثلاثة معًا في المهمة نفسها.
خطوات إجرائية
في إطار الخطوات الإجرائية للمبادرة، يقوم الريحاني بمراسلة سلطان نجد عبد العزيز بن سعود لتلمّس مدى استعداده لقبول المهمّة السلمية. يلتقي بوزير خارجية مملكة الحجاز الشيخ فؤاد الخطيب في يافا، ويتوجّهان معًا إلى عمّان للقاء الأمير عبدالله ابن الشريف حسين الذي يُعبّر عن رغبته وشقيقه الملك الجديد علي في سلام مشرّف مع ابن سعود، ومن ثمّ يتوجّهان إلى جدّة للقاء الملك الجديد والوقوف على رأيه، ويصلان إليها في 6 نوفمبر 1924. يحصل على عريضتين موقّعتين من وجهاء بيروت يلتمسان فيهما من السلطان والملك الجنوح للسلم. يحثّ القنصل البريطاني في مصر السيد بالمر الذي يلتقي به في بور سعيد على التوسّط بين طرفي النزاع ما يعود بالخير على النفوذ البريطاني، والإقلاع عن سياسة "فرّق تسد" التي لم تحل دون إضعاف ذلك النفوذ. وهو ما يفعله أيضًا في بيروت حين يلتقي بالمفوّض السامي الفرنسي ساراي في 25 نيسان 1925، ويطلب إليه التوسّط بين الطرفين. وبذلك، لم تقتصر مهمّة الريحاني على الطرفين المباشرين للنزاع بل تعدّتهما إلى الأطراف الخارجية المؤثرة فيه.
عوامل مؤثّرة
وعلى الرغم من صدق الجهود المبذولة في مهمة الريحاني السلمية، وحسن النيّة الذي أبداه طرفا النزاع، فإنّ عوامل مؤثّرة حالت دون أن تؤتي تلك الجهود ثمارها المرجوّة؛ يذكر الريحاني منها: ازدواجية السلطة بين القصر والقلعة على الجبهة الحجازية، ذلك أنّ الملك علي لم يكن يمون على الجيش الذي يأتمر بأوامر تحسين باشا، فأمر الأخير برمي المنشورات المحرّضة على الانتفاضة وإسقاط القنابل في محيط مكّة، ما أدى إلى وأد المهمّة في مهدها. ناهيك عن تضارب مصالح بعض أشراف مكّة مع الحلّ السلمي، وتأثير الملك السابق الشريف حسين السلبي على مجرى الأحداث.
وبعد، إذا كانت مهمّة الريحاني السلمية في الحجاز قد باءت بالفشل للعوامل المذكورة أعلاه وغيرها، فإنّها تتمخّض عن ديبلوماسيٍّ ناجح، يلمّ بحركة السياسة الدولية، ويمتلك الكثير من المعلومات، ويتنكّب مشقّة الانتقال في ظروف مناخية قاسية، ويُبدي حرصًا كبيرًا على المصالح العربية، ويُوظّف علاقاته المتشعّبة في خدمة مهمّته، ويحصل على ثقة طرفي النزاع. والمفارق أنّه يقوم بذلك كلّه بمبادرة فردية منه، فهو لا يمثّل دولة معيّنة، كما هي الحال في العمل الديبلوماسي، بل يفعل ذلك مدفوعًا بشعوره القومي، وحرصه على القضايا العربية، ما يضيف بعدًا جديدًا إلى شخصيته المتعدّدة الأبعاد.
نبض