من المقاومة إلى علاقات السلطة والمرض: تشريح لعالم معطوب في مهرجان كانّ

ثقافة 19-05-2026 | 12:10

من المقاومة إلى علاقات السلطة والمرض: تشريح لعالم معطوب في مهرجان كانّ

قراءة سريعة في ثلاثة أفلام بارزة عُرِضت في مهرجان كانّ السينمائي.
من المقاومة إلى علاقات السلطة والمرض: تشريح لعالم معطوب في مهرجان كانّ
”مولان“ للاسلو نمش المنافس على ”السعفة الذهب“.
Smaller Bigger

من المقاومة الفرنسية في فيلم المجري لازلو نمش، إلى السخرية الاجتماعية اللاذعة عند الروماني رادو جوده، وصولاً إلى التأمّل الإنساني الذي يقدّمه الياباني ريوسوكيه هاماغوتشي، تتقاطع الأفلام عند رغبة واحدة: محاولة لتشخيص الخلل. هنا، قراءة سريعة في ثلاثة أفلام بارزة (الأولى لأصحابها بالفرنسية) عُرِضت في مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو).

أكثر من ألفي شارع تحمل اسم جان مولان (1899 - 1943) في فرنسا، زعيم المقاومة خلال الحرب العالمية الثانية، الذي تولّى الضابط النازي كلاوس باربي الملقّب بـ"جزار ليون" قتله. هذه الحقبة جرح أخلاقي سياسي مفتوح تأسّست عليها الجمهورية الخامسة بقيادة شارل ديغول. الموقع الذي تحتله شخصية مثل مولان في الوجدان الوطني، كرمز لعدم الخضوع، فهمه جيداً المخرج المجري لاسلو نمش في جديده "مولان" (مسابقة). الفيلم يعود إلى العام 1943، ليرينا طوال أكثر من ساعتين قاسيتين، الاستجواب الذي خضع له مولان يوم أُلقي القبض عليه، قبل ان ينال حصّته من تعذيب لا ينتهي. يعتمد نمش في مقاربته السينمائية على المواجهة بين رجلين، كلاوس باربي (لارس أيدنغر) وجان مولان (جيل لولوش)، ليظهر مدى عناد المقاوم حتى في أعنف لحظات التعذيب. في النصف الساعة الأخير، يبلغ التوحّش النازي ذروته، لكن، رغم أن المخرج عنون فيلمه باسم بطله، هل هذا فعلاً فيلم عن جان مولان، أو عن النازية، التي كان بدأ نمش، للمناسبة، حياته السينمائية عبر تصوير مَن اضطروا الى التعامل معها، وكان يومها "ابن شاوول" الذي أعلن ولادة مخرج قدير يتابع مع جديده تفحّص الآليات التي أدّت إلى سقوط مشروع هتلر بعدما كان صوَّر ما ساهم في ابقائه.

                                  ***

"يوميات خادمة" لرادو جوده ("أسبوعا صنّاع السينما")، تنويعة حرة جداً لرواية أوكتاف ميربو الشهيرة، تلك الرواية التي أغرت السينما مراراً باقتباسها، ولعلّ أشهر أفلمة لها هي فيلم لويس بونويل (1964)، مع جانّ مورو في دور الخادمة. كان ميربو يمرّر أفكاره كما يُدسّ السمّ في العسل؛ يكتب عن البورجوازية ونفاقها، وعن علاقات القوة الملتبسة بين السيد والخادم. لكن العالم تغيّر، وكذلك شروط العمل والعلاقات الاجتماعية، ممّا يجعل إعادة إنتاج الصدمة القديمة أمراً مستحيلاً. في قلب فيلم جوده زوجان مرفهان (فنسان ماكن وميلاني تييري) وابنهما الصغير، تدور بينهم وبين الخادمة (أنا دوميتراتشكو) شبكة العلاقات الأساسية التي يبني عليها الفيلم مشاهده الداخلية والخارجية. ثم تدخل إلى السرد، في الثلث الأخير، والدة الزوج (ماري ريفيير)، بعد تعرّضها لحادث، لتضيف لمسة جديدة من الاختلال. يجري الكثير في المستوى الخفي لهذا الفيلم الساخر، اللمّاح، والمتعدّد الوجه. فيلم يسكب فيه جوده قدراً من نزعته السينيكية، مستعرضاً مهارته في تمرير الرسائل المتعلّقة بالحاضر والماضي. فهو يقول الكثير عن الهجرة، وعن العلاقة بين شرق أوروبا وغربها، عبر إشارات مقتضبة وتلميحات عابرة.

                                ***

هل صراع المرض في السينما نوع فيلمي في ذاته، أو يجدر اعتباره فرعاً داخل النوع؟ في أي حال، يفلت "فجأةً" (مسابقة)، جديد المخرج الياباني ريوسوكيه هاماغوتشي من أي تصنيف، فهو يخلط الأوراق تماماً في أول فيلم له خارج بلاده! تجري الأحداث في دار للمسنّين في باريس، حيث المديرة الفرنسية (المدهشة فيرجيني إيفيرا) ترتبط بصداقة عابرة للاعتبارات مع مخرجة مسرح يابانية مصابة بالسرطان (تاو أوكاموتو) تعيش أيامها الأخيرة. معاً، ستحدثان انقلاباً على مفاهيم الرعاية والعلاج التقليدية. نهجهما يقوم على صون الكرامة وإظهار التعاطف. الفيلم مقتبس من كتاب لماوكو ميانو وماهو إيسنو، انطلاقاً من الرسائل المتبادلة بينهما. الفيلم سيتطوّر بلا نهاية، حدّ تحوّله في ساعته الأخيرة، إلى كتلة مشاعر إنسانية لا تُقاوَم، شديد الاتصال مع العالم الحالي وأزماته. تقول إيفيرا التي لم تستطع حبس دموعها بعد عرض الفيلم، إن الكاميرا لم تصوّر ما مثّلته أو ما ودّت التعبير عنه، وإنما ما عاشته فعلاً، وهذا شيء محسوس في الفيلم، الذي يتنفس لا شعراً فحسب بل أيضاً صدقاً. بعد سلسلة أعمال متنوعة، دخل هاماغوتشي في منعطف جديد، مع فيلم متحرر من القيود كافة، وقد لا يعنيك شيئاً في البداية (مدّته ثلاث ساعات وربع الساعة)، لكن ستجد نفسك عاجلاً أم آجلاً في الثقب الأسود الذي يبتلعك فيه. من خلال حقيقة الموت، صاغ هاماغوتشي فيلماً عن الحياة، بحساسية آسيوية تحتفي بلقاء الثقافات.

                                ***

ثلاثة أسئلة إلى ماريون لو كوروليه…
في "دموي"، المشارك ضمن عروض "منتصف الليل"، تقدّم المخرجة الفرنسية في أولى تجاربها الإخراجية، فيلماً ينتمي إلى نوع "رعب الجسد"، عن ممرضة في قسم الطوارئ تجد نفسها في مواجهة عوارض فيروس تنتشر بسرعة. "النهار" التقتها في كانّ.

* متى أدركتِ أن الرعب هو الشكل الأنسب للحديث عن مجال العمل المعاصر؟
- عشتُ هذا بنفسي. قبل السينما، عملتُ في مجال المال والأعمال لمدة خمس سنوات، ثم أصبتُ باحتراق نفسي. جسدي انهار تماماً. عندها فهمتُ أنني أتلقّى رسالة واضحة: اهربي. قررتُ أنني لن أمضي حياتي في هذه المهنة، بل سأفعل ما أرغب فيه في أعماقي: رواية القصص عبر السينما.

 

ماريون لو كوروليه في كانّ.
ماريون لو كوروليه في كانّ.

 

* تدور أحداث الفيلم داخل مستشفى. هل كنتِ تريدين تقديم الجسد كآخر أداة مقاومة في مواجهة النظام؟
- نعم. كان مهماً جداً بالنسبة لي أن تحدث القصّة داخل مستشفى، لأن المستشفيات اليوم تُدار بطريقة رأسمالية، كما لو أنها شركات كبرى. تُفرَض عليها معايير الأداء والإنتاجية نفسها، وتُطبَّق فيها سياسات الإدارة الرشيقة. شعرتُ أن المستشفى العام أصبح في النهاية مرآة لما يصيره مجتمعنا.

* فيلمك ينتمي إلى نهج حديث نسبياً: رعب الجسد النسائي، من "تيتان" إلى "المادة". كيف تنظرين إلى صلة القرابة هذه؟
- المخرجات الفرنسيات مسيّسات للغاية وملتزمات، ولديهن رغبة حقيقية في تقديم رؤية جديدة إلى الجسد، خصوصاً النسائي. جوليا دوكورنو شرعت الباب، ثم جاءت كورالي فارجا، وبعد ذلك بدأتْ كلّ واحدة منهما في بناء عالمها الخاص. لكن هناك رغم ذلك نوع من تسليم شعلة بيننا، جهد جماعي يساهم في تغيير النظرة إلى الجسد. وأجد هذا الأمر مشجّعاً للغاية.

 

الأكثر قراءة

لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
مجتمع 5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.