بيتر جاكسون بعد تكريمه في كانّ: سحرتني السينما يوم شاهدتُ "كينغ كونغ"
كرّم مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو)، خلال حفل افتتاحه أمس الأول المخرج النيوزيلندي الشهير بيتر جاكسون بـ“سعفة ذهب“ فخرية، تقديراً لمسيرته التي جعلت منه أحد أبرز صنّاع السينما الشعبية والملحمية، وخصوصاً من خلال ثلاثية ”سيد الخواتم“. غداة وقوفه على مسرح ”لوميير“ لاستلام جائزته بعينين دامعتين، استعاد المخرج الستيني في لقاء مع الجمهور بداياته المتواضعة، علاقته بأفلام الرعب، وولادة ”كينغ كونغ“ و“سيد الخواتم“، كما تحدّث عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والـ“أوسكار“. ”النهار“ كانت حاضرة هناك.
1 - “غادرتُ بلادي كحفّار صور، وعدتُ إليها كمخرج سينمائي”
"لم أتوقّع يوماً أنني سأنال "سعفة فخرية"! الفوز بهذه الجائزة لم يكن حتى حلماً بالنسبة لي. كان الأمر أشبه بأن أتخيّل نفسي راقص باليه أو بطلاً أولمبياً في القفز العالي. هناك أشياء تبدو مستحيلة إلى درجة أنك لا تجرؤ حتى على الحلم بها. كنت دائماً أعتقد أنني لا أنجز "أفلام مسعَّفة". مع ذلك، بطريقة ما، انتهت بي الحال إلى الحصول عليها من دون أن أنجز حتى فيلماً من هذا النوع. وهذا ربما أفضل سيناريو ممكن. هذه ليست سوى زيارتي الثالثة لهذا المهرجان. لكن الزيارتين السابقتين كانتا من أجمل اللحظات في حياتي. حين جئتُ إلى هنا بفيلم "ذوق هابط" في العام 1987، كنت لا أزال أعمل في مجال الحفر على الصور. فجأةً، انتقلتُ من كوني شخصاً لا يملك أي خبرة فعلية في صناعة السينما إلى مخرج يعرض فيلماً في سوق كانّ. كان الأمر مربكاً وسوريالياً ومذهلاً. لقد حلمتُ بالسينما طوال حياتي، وفجأةً وجدتُ نفسي داخل ذلك العالم الذي كنت أطل عليه من بعيد. لكنني كنت أدرك أيضاً أن أفلاماً كثيرة شبيهة بـ"ذوق هابط" جاءت إلى كانّ ثم اختفت. لم يشترها أحد، سقطت في النسيان، وغالباً ما اختفى معها مخرجوها أيضاً. كان يمكن أن يحدث ذلك لي بسهولة، فأعود إلى نيوزيلندا وأتابع عملي السابق. لكن، لحسن حظّي، بيع الفيلم. ولهذا قلتُ أمس إنني غادرتُ بلادي كحفّار صور، وعدتُ إليها كمخرج سينمائي. كان التحوّل بهذه الراديكالية".

2 - “أنتَ نتاج الأفلام التي تحبّها”
“حين أنجزتُ "ذوق هابط"، كنت غارقاً في نوع معين من الأفلام. كنت أشاهد "ذي إيفل ديد" و"ري – أنيمايتور" و"ظهور الموتى" مراراً. وكأي مخرج، أنتَ نتاج الأفلام التي تحبّها. كما أن الرعب هو نوع بديهي جداً للمخرجين الشباب. عندما تنجز فيلمك الأول، لا تملك عادةً المال، ولا النجوم، وأحياناً لا تملك حتى سيناريواً حقيقياً. أفلام الرعب تسمح لك بتعويض كلّ ذلك بالخيال. إذا لم تستطع تحمّل تكلفة الاستعراض، تخترعه بنفسك. لهذا أعتقد أن سينما الرعب كانت دائماً مدرسة ممتازة، حتى لأولئك الذين غادروا هذا النوع لاحقاً نحو أنواع أخرى. بصراحة، أفلامي لم تكن رعباً خالصاً. كانت مطعّمة بالكوميديا. في تلك الفترة، اعتدتُ على وصف أسلوبي بـ"سبلاتستيك"، أي مزج بين الكوميديا الجسدية وأفلام الـ"سبلاتر". كأنك تشاهد فيلماً لباستر كيتون، لكن مع رؤوس تنفجر".
3 – ”وأنا أشاهد “كينغ كونغ“، فجأةً قلتُ لنفسي: أريد أن أنجز أفلاماً"
"كبرتُ في الستينات، عندما اشترى أهلي أول جهاز تلفزيون. في البداية، كنت مهووساً بمسلسل "ثاندربردز". وعندما أنظر إلى الماضي الآن، أكتشفُ أنني كنت مفتوناً منذ ذلك الوقت بفكرة الهروب من الواقع، بالعوالم التي تأخذك بعيداً من الحياة اليومية. ثم، ذات مساء جمعة، عرض التلفزيون النيوزيلندي النسخة الأصلية من "كينغ كونغ". لم أكن أعرف شيئاً عنه إطلاقاً. لم يكن هناك آنذاك إنترنت ولا وصول سهل إلى تاريخ السينما. كنتَ تكتشفَ الأشياء بالمصادفة. يومها تغيّرت حياتي. وأنا أشاهد الفيلم، فجأةً قلتُ لنفسي: "أريد أن أنجز أفلاماً". كان لدى والدي كاميرا "سوبر 8"، فاستوليتُ عليها وبدأتُ أصوّر أفلاماً بسيطة: لقطات تحريك، مؤثّرات متواضعة، مشاهد عشوائية. لم تكن قصصاً حقيقية بعد، ولكن تجارب. هكذا بدأت الحكاية. الناس يتحدّثون عن "كينغ كونغ" الأصلي باعتباره قصّة حبّ بين كونغ وآن دارو. لكن عندما تشاهد الفيلم بعناية، تجد أن فاي راي (بطلة نسخة عام 1933) ترى انها تمضي معظم الوقت وهي تصرخ. نعم، كونغ يقع في حبّها، لكن العلاقة العاطفية ليست متبادلة. في نسختنا، وددتُ أن ترتبط آن بكونغ فعلاً، أن تشعر نحوه بالشفقة وربما بالحنان أيضاً. هذه العلاقة العاطفية أصبحت قلب الفيلم من ناحيتي. بل إنني أردتُ الذهاب أبعد من ذلك. ففي نسخة 1933، بعد سقوط كونغ من أعلى مبنى إمباير ستايت، يقول أحدهم الجملة الشهيرة: "الجميلة قتلت الوحش". ولسنوات طويلة، كانت لديّ فكرة أن تتقدّم امرأة عجوز وسط الحشد وتقول: "لا… الجميلة أنقذت الوحش". وقد أقنعتُ فاي راي نفسها بأداء هذا المشهد. كانت تقترب من المئة عام آنذاك. خطّطنا لتصويرها أمام شاشة خضراء داخل شقّتها لأنها لم تعد قادرة على السفر. لكن، للأسف، توفيت قبل التصوير بفترة قصيرة".

4 – ”اكتشفنا فتاة في السابعة عشرة تُدعى كايت وينسلت“
”فيلم ”كائنات سموية“ انطلق فعلياً مع فران والش. بعد سنوات من العمل معي على كوميديات الـ"سبلاتر"، أصبحت مهووسة بقضية حقيقية حدثت في نيوزيلندا خلال الخمسينات: فتاتان مراهقتان قادتهما صداقتهما المَرَضية إلى قتل والدة إحداهما. ما أثار اهتمامنا لم يكن الجريمة في ذاتها، بل محاولة فهم كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا. لذلك تعاملنا مع الموضوع كما لو كنّا محقّقين. ذهبنا إلى كرايستشرش، وأجرينا مقابلات مع جميع من بقي على قيد الحياة ممّن ارتبطوا بالقضية: شهود، رجال شرطة، محامون… كلّ ما في الفيلم مبني على بحث واقعي دقيق. حتى المشاهد الفانتازية تستند إلى الواقع. إحدى الفتاتين، بولين باركر، كانت تكتب يوميات مفصّلة تصف فيها المملكة الخيالية التي ابتكرتها مع صديقتها. الكائنات، المغامرات، العالم العاطفي… كلّ ذلك استعرناه مباشرةً من كتاباتها. لذلك، رغم أن الفيلم يبدو فانتازياً، فإنه متجذّر في الحقيقة. ذهبنا إلى إنكلترا وهناك اكتشفنا فتاة في السابعة عشرة تُدعى كايت وينسلت، لم تكن قد مثّلت في السينما بعد. كان تجربة اختبارها مذهلة. لكن العثور على الممثّلة الثانية كان أصعب بكثير. بحثنا في كلّ أنحاء نيوزيلندا ولم نجد الشخص المناسب. ومع اقتراب موعد التصوير، دخلنا حيز الخطر، لأننا لم نكن قد اخترنا إحدى الشخصيتين الرئيسيتين بعد. في النهاية، جالت فران وأحد أعضاء الفريق بالسيارة من مدرسة إلى أخرى عبر البلاد. كانوا يتّصلون ويسألون إن كانت هناك أي طالبة قد تناسب الدور. وأخيراً وصلوا إلى مدينة بالمرستون نورث، حيث رفعت طالبة في الخامسة عشرة تُدعى ميلاني لينسكي يدها وطلبت إجراء اختبار. وهكذا حصلت على الدور. منذ اللحظة الأولى، كانت استثنائية".
5 – ”كلّ شيء حدث عبر سلسلة غريبة من المصادفات“
”خطر في بالنا ”سيد الخواتم“ بعد "المرعبون". في تلك الفترة كنّا قد أسّسنا شركة مؤثّرات بصرية، وخلال العمل على "المرعبون"، جمعنا فريقاً من الفنّانين والتقنيين، إضافة إلى بنية تحتية مكلفة جداً من أجهزة الكومبيوتر. وعندما انتهينا من الفيلم، لم نرغب في خسارة هؤلاء الأشخاص. لذلك بدأنا نتساءل: ما نوع الفيلم الذي يمكن أن يبرر إبقاء هذا الفريق الضخم للمؤثّرات البصرية؟ لقد كبرتُ وأنا أعشق أفلام راي هاريهاوزن، مثل "جايسون والأرغونوت" و"سندباد". من هنا بدأنا التفكير في أفلام الفانتازيا. لكن كلّ فكرة أصلية نبتكرها كانت تذكّرنا بطريقة أو بأخرى بعالم تولكين. في النهاية قلنا لأنفسنا: لماذا لا نبحث ببساطة عمّن يملك حقوق "سيد الخواتم“؟ هكذا وصلنا إلى سول زانتز، الذي كان لا يزال يملك الحقوق بعد إنتاج نسخة رالف باكشي التحريكية. في ذلك الوقت، كنّا نعمل مع شركة "ميراماكس"، وهنا دخل هارفي واينستين إلى الخط بشكل غير متوقّع. كان قد تعاون مع سول زانتز في "المريض الإنكليزي"، وقال إن زانتز مدين له بخدمة. وفي الحقيقة، تلك العلاقة هي التي سمحت لنا بالحصول على الحقوق. عندما أنظر إلى الأمر اليوم، أكتشف أن كلّ شيء حدث عبر سلسلة غريبة من المصادفات“.

6 - "ما أحبّه في السينما هو أن الأفلام تُخلِّد“
”لا يزعجني اعتبار "سيد الخواتم" مشروع حياتي. أعتقد أنني لن أنجز مرة أخرى فيلماً مثله يحقّق هذا المستوى من النجاح الجماهيري. وهذا أمر طبيعي تماماً. قلائل جداً من المخرجين يحصلون على فرصة لإنجار مشروع بهذا الحجم، وأقل منهم مَن ينجح في خلق علاقة حقيقية بين الفيلم والجمهور كما حدث مع هذه الثلاثية. الطريف أنني لم أشاهدها منذ نحو عشرين عاماً. لكن الناس لا يزالون يحبّونها، وهذا هو الأهم. عندما بدأتُ العمل على الفيلم، لم أتخيّل قط أن الرحلة ستظل حيّة بعد خمسة وعشرين عاماً. لكن ما أحبّه في السينما هو أن الأفلام تخلّد. ما زلنا نشاهد أفلام الثلاثينات حتى اليوم، وأنا شخصياً أهوى أفلام باستر كيتون الصامتة. بمجرد أن يُنجز الفيلم، يتحوّل إلى شيء دائم داخل الثقافة. يبقى بعد رحيل الذين أنجزوه. وإذا استمر الجمهور في الارتباط به، فقد يعيش لأجيال… وربما لقرون“.
7 - ”كوبريك اعتبر أفلمة تولكين شبه مستحيلة وكان محقّاً“
”سبق أن قلتُ إن التكنولوجيا السينمائية لحقت أخيراً بخيال تولكين. تقنياً، كان يمكن إنجاز الثلاثية باستخدام الدمى أو التحريك الإيقافي أو المؤثّرات التقليدية. لكن السؤال الحقيقي هو: هل كان في الإمكان تجسيد ما يتخيله القارئ فعلاً عندما يقرأ تولكين؟ في أواخر الستينات، حاولت فرقة "البيتلز" اقتباس "سيد الخواتم"، وكانوا يريدون أن يخرجه ستانلي كوبريك بعد "2001: أوديسّة الفضاء". لكن كوبريك اعتبر أفلمتها شبه مستحيلة. وبصراحة، ربما كان محقّاً في ذلك الوقت. ما تغيّر لاحقاً هو التكنولوجيا. لكن المثير أننا، عندما بدأنا فعلياً في إخراج الأفلام، توقّفنا تقريباً عن التفكير فيها باعتبارها فانتازيا. تعاملنا معها كما لو كانت حقيقة تاريخية، وبالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع فيلم عن أوروبا في العصور الوسطى. بحثنا في العمارة، والأزياء، والأسلحة، واللغات. أردنا للعالم أن يبدو حقيقياً ومأهولاً بالحياة“.

8 - ”طاقة إيلايجا وود كانت ترفع معنويات الجميع“
”استغرق التصوير 266 يوماً. الحقيقة أن نيوزيلندا لم تكن قد أنجزت شيئاً يشبه "سيد الخواتم" من قبل. ولا أحد منّا كان قد خاض تجربة مماثلة. ولأننا لم نملك الخبرة الكافية، كنّا سذّجا إلى درجة أننا لم نخف. لو كنّا ندرك فعلاً حجم الصعوبة، ربما لما انطلقنا في المشروع أساساً. اندفعنا إليه بتفاؤل أعمى. ثم، أثناء التصوير، صرنا نفهم تدريجاً "استحالة" الأمر. أصعب اللحظات كانت دائماً أثناء القيادة صباحاً نحو الاستوديو. لطالما جلستُ وحدي في السيارة عند السادسة أو السابعة صباحاً أفكّر: كيف سأصوّر هذا المشهد اليوم؟ ليس لديَّ أي فكرة عمّا أفعله. ثم أصل إلى موقع التصوير، وفجأةً ينظر الجميع إليك في انتظار الأجوبة. فريق العمل يريد مخرجاً يبدو واثقاً من نفسه. لذلك… تتظاهر. تجمع الممثّلين ومدير التصوير ورؤساء الأقسام، وتبدأ مناقشة الأفكار. ومع الوقت يبدأ الآخرون بتقديم الحلول، ثم تتظاهر بهدوء وكأن تلك الأفكار كانت في الأصل أفكارك. هذه هي صناعة السينما. إنها عمل جماعي. وبصراحة، كان إيلايجا وود استثنائياً خلال تلك المرحلة. مهما كنت مرهقاً أو غارقاً في القلق، كان يصل إلى التصوير بطاقة إيجابية لا تنطفئ. بعض الممثّلين يأتون إلى موقع التصوير وهم منشغلون فقط بأدائهم الخاص. إيلايجا كان مختلفاً تماماً. التزم مساعدتنا في إنجاز أفضل فيلم ممكن. طاقته كانت ترفع معنويات الجميع. وقد ساعدني ذلك أكثر ممّا أستطيع وصفه“.
9 - ”كثيرون ممّن قرأوا الروايات انتهوا إلى تخيّل صور متقاربة للشخصيات“
”نحن نجهل ما الذي يتخيله كلّ قارئ، وما الذي يدور في ذهنه. كلّ ما فعلناه هو ما يفعله أي قارئ: طالعنا الكتب، تخيّلنا الشخصيات، ثم حاولنا العثور على ممثّلين قادرين على تجسيدها بالطريقة الأقرب إلى الصورة التي كوّناها عنها. المسألة أن تولكين يصف شخصياته بتفاصيل مذهلة ودقيقة. كان لديه ثلاثة كتب كاملة ليفعل ذلك. لهذا أعتقد أن كثيرين ممّن قرأوا الروايات انتهوا إلى تخيّل صور متقاربة للشخصيات. تصوُّرنا لأراغورن، أو ثيودن، أو فرودون، لم يأتِ من فراغ، بل من الطريقة التي كتبهم بها تولكين. وبما أن الجميع ينطلق من المصدر ذاته، ربما لم يكن خيالنا بعيداً جداً من خيال القرّاء”.

10 - المعركة ليست مؤثّرة عاطفياً إلا إذا كنت مرتبطاً بالأشخاص الذين فيها“
”المبدأ هو نفسه في أي مشهد. تخيّل أن لديك ستّة أشخاص داخل غرفة. شخص يدخل من الباب، وآخر يذهب إلى المكتبة، وثالث يصب شراباً، وشخص آخر يعبر الغرفة. كمخرج، عليك أن تنظّم هذه الحركة وأن تصوّرها بطريقة تمنع المشاهد من الشعور بالارتباك. المعركة ليست سوى النسخة الضخمة من هذا. أنتَ تخطّط للحركة: أين تقع المواجهة، أين يقف كلّ طرف، مَن يقاتل مَن، وكيف ينتقل المشهد من نقطة إلى أخرى. ثم تصوّر كلّ ذلك بطريقة تجعل المشاهد محافظاً على إحساسه بالمكان. لكن العنصر الأهم ليس الاستعراض، وإنما الشخصيات. عندما كنّا نمنتج معركة ”هلمز ديب“ في ”سيد الخواتم“، أدركنا أننا لا نستطيع أن نبتعد أكثر من لقطتين أو ثلاث عن الشخصيات الرئيسية: أراغورن، ثيودن، ليغولاس، غيملي… يمكنك أن تعرض الجيوش والفوضى وضخامة المعركة، لكن هذا كله يفقد معناه سريعاً إذا لم تعد باستمرار إلى الشخصيات التي يهتم بها الجمهور. المعركة لا تصبح مؤثّرة عاطفياً إلا إذا كنت مرتبطاً بالأشخاص الذين فيها. آلاف الجنود المجهولين لا يحركون مشاعرك. القصة تُروى دائماً عبر الأشخاص القلائل الذين تعرفهم.
11 - ”كانا بحاجة إلى صوت وجسد وطاقة ونظرات“
“عندما اخترنا آندي للمرة الأولى، كانت فكرتنا مختلفة تماماً. اعتقدنا أن غولوم سيكون شخصية متحركة بالكامل، وأن آندي سيؤدّي الصوت فقط. قلنا له: ”نحتاجك من أجل الصوت، لا أكثر“. ثم جاء إلى نيوزيلندا، واكتشفنا أن إيلايجا وود وشون أستين يحتاجان إلى شخص حقيقي أمامهما أثناء التصوير. لم يكن ممكناً أن يؤدّيا المَشاهد وهما ينظران إلى علامة مرسومة على صخرة. كانا بحاجة إلى صوت وجسد وطاقة ونظرات حقيقية يتفاعلان معها. وهكذا بدأ آندي يجسّد الشخصية داخل المشهد: يتحرك، يزحف، يقفز، ويتحدّث بصوت غولوم، مانحاً الممثّلين شيئاً ملموساً للتفاعل معه. وهكذا، تطورت الفكرة تدريجاً. فصرنا نفكّر: إذا كان آندي يمنحنا الأداء الكامل، فلماذا لا نلتقط هذا الأداء عبر تقنية التقاط الحركة ونمنح الرسّامين والمحرّكين أساساً حقيقياً ينطلقون منه؟ تطوّرت شخصية غولوم على هذا النحو، كما تطوّرت معها فكرة استخدام الـ“موشن كابتشر“ نفسها، تدريجاً أثناء التصوير“.

12 - ”لا يمكنك استخدام وجه ممثّل أو صوته أو هويته من دون موافقته“
"لا أمقت الذكاء الاصطناعي كأداة سينمائية. لا أتحدّث هنا عن الذكاء الاصطناعي بوصفه شيئاً قد يدمّر العالم أو ما شابه ذلك، بل فقط عن استخدامه داخل السينما. بالنسبة لي، هو مجرد مؤثّر بصري جديد. أداة إضافية. المسألة الأساسية بالنسبة لي هي الحقوق. لا يمكنك استخدام وجه ممثّل أو صوته أو هويته من دون موافقته. هذا غير مقبول. خذ الأدب: لا تستطيع اقتباس رواية من دون شراء حقوقها. ولا يمكنك استخدام أغنية في فيلم من دون ترخيص. لذلك، إذا كنت ستستخدم الذكاء الاصطناعي لإعادة خلق شخصية ما، سواء كانت إنديانا جونز أو أي شخصية أخرى، فيجب أن تحصل على موافقة ذلك الشخص أو ورثته. الأمر بسيط جداً بالنسبة لي: لا تسرق. احصل على الإذن. احترم الحقوق".
13 - ”سبيلرغ جعل ابني يبكي“
"على امتداد الأفلام الثلاثة، كنّا قد فزنا ببعض الجوائز: الموسيقى، المؤثّرات البصرية، التصوير… لكن كان هناك شعور عام بأن التصويت الكبير ربما كان مؤجّلاً حتى الفيلم الثالث، وكأن الناس ينتظرون الختام لمنحنا الاعتراف الكامل. وهذا ما حدث فعلاً. ابني بيلي، وكان في السادسة أو السابعة آنذاك، كان يشاهد الحفل مباشرةً من نيوزيلندا. وكان "عودة الملك" (الجزء الأخير من الثلاثية) يربح جائزة تلو الأخرى. ثم اعتلى ستيفن سبيلبرغ المسرح لتقديم جائزة أفضل فيلم. فتح الظرف وقال: "إنه اكتساح كامل". لكن بيلي ظن أن عنوان الفيلم الفائز هو "كلين سويب". فانفجر بالبكاء. وحين أخبرتُ سبيلبرغ بالقصّة لاحقاً، شعر بالذنب الشديد. لكنها كانت قصّة مضحكة جداً".

14 – ”أنجز أفلامي لنفسي أولاً“
"غييرمو دل تورو بطل حقيقي. جاء إلى نيوزيلندا واشتغل على "الهوبيت" لأشهر، ربما ستّة أو سبعة أشهر. لكن "وارنر" لم تكن تمنح المشروع الضوء الأخضر، لسبب أو لآخر. كانوا يؤجّلون باستمرار: نسخة جديدة من السيناريو، خطوة إضافية، موافقة أخرى. ظلّ غييرمو ينتظر طويلاً، لكنه في النهاية لم يعد قادراً على البقاء أكثر. كانت لديه مشاريع أخرى يودّ إنجازها. حزن لمغادرة المشروع، لكنه لم يكن يملك خياراً آخر. بعد ذلك، شعرتُ بذنب شديد. كنّا قد قدّمنا المشروع للجمهور على أنه مشروع لغييرمو دل تورو. ولم أرغب ببساطة في استبداله بمخرج آخر. شعرتُ أنني مسؤول عن الأمر، ولذلك قررتُ أن أخرجه بنفسي. في الحقيقة، لم يكن ذلك ما أريده. كنتُ قد أنجزت "سيد الخواتم"، وكان ذلك كافياً بالنسبة لي. لكن في الحين نفسه، عليّ أن أقول إنني أنجز أفلامي لنفسي أولاً. لا أحاول تخمين ما الذي قد يريده الجمهور. أسأل نفسي: ماذا أحب أن أشاهد أنا؟ ولهذا يكاد يكون من المستحيل أن أخرج فيلماً لا أحبّه، لأن كلّ قرار أتّخذه ينبع من غريزتي كمُشاهد”.
نبض