ثقافة
30-03-2026 | 15:33
ساطع نور الدين يشرّح العلاقات بين لبنان وسوريا في كتاب
في الخلل الذي يعتور العلاقات بين البلدين، نقع على مكامن كثيرة، تتناثر في فصول الكتاب المتعاقبة.
"لبنان وسوريا / تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة". (دار نوفل/هاشيت أنطوان)
منذ واقعة الانفصال بين لبنان وسوريا مطلع عشرينات القرن الماضي، واستطراداً، واقعة استقلال كلٍّ منهما عن الآخر أواسط الأربعينات من القرن نفسه، شهدت العلاقات اللبنانية- السورية، ولا تزال، الكثير من التحوّلات السياسية التي تراوح بين فترات من الهدوء والاستقرار، من جهة، وفترات من التوتّر والاضطراب، من جهة ثانية. على أنّ الاختلاف بين النوعين لا يقتصر على نوع العلاقات بل يتعدّاه إلى طولها؛ ففي حين لا تتعدّى الأولى ثلث المدّة الممتدّة من الاستقلال حتّى اليوم، نرى أنّ الثانية تستأثر بثلثي هذه المدّة. وهو ما يصرّح به الصحافي ساطع نور الدين في كتابه "لبنان وسوريا / تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة" (دار نوفل/هاشيت أنطوان). ذلك أنّ الكتاب يرصد تحوّلات العلاقات بين البلدين الجارين، مدى عشرة فصول، من زوايا مختلفة، تراوح بين الحدود المصطنعة، والهجرات المستمرّة، والأخطاء المرتكَبة، والخطايا المتبادَلة، والمصالح المتضاربة، والديموغرافيا المتنوّعة، ونظامي الحكم المختلفين، وغيرها. وهو، في رصده، يستعرض الوقائع السياسية التاريخية، ويخلص إلى نتائجٍ معيّنة، تتناثر في الفصول المتعاقبة. وبذلك، نكون إزاء نوعٍ من التاريخ السياسي المستند إلى الوقائع التاريخية، يقوم فيه الكاتب بتحديد مكامن الخلل في العلاقات اللبنانية- السورية، واستخلاص الدروس والعبر، ويقترح سبل المعالجة.
ديناميّات التوتّر
على أنّه، قبل الخوض في مكامن الخلل وسبل المعالجة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ نور الدين يعزو أسباب طغيان فترات التوتّر في تاريخ العلاقات اللبنانية- السورية على ما عداها، بالاستناد إلى بعض المؤرّخين وإلى قراءته الخاصّة، إلى دينامياتٍ خارجية وداخلية. أمّا الخارجية، فتتمثّل في الاستعمار الفرنسي وانحيازه في التعامل مع الشعبين، اللبناني على حساب السوري، إذ نال الأخير الحصّة الأكبر من القمع والبطش، وتمّ العبث بجغرافيّته، ما ترك آثاره النفسيّة المتمادية عليه. وأمّا الداخلية، فتتمظهر في اختلاف نظام الحكم بين الدولتين، ففي حين اختارت سوريا الخيار القومي والاشتراكي المتطرّف، اختار لبنان الانفتاح على العرب والعالم، واستقطبت مصارفه وجامعاته ومستشفياته النخب العربية، على اختلاف بلدانها، ومنها النخبة السورية، ومن الطبيعي أن يثير هذا الاستقطاب حفيظة الجار السوري.
مكامن الخلل
في الخلل الذي يعتور العلاقات بين البلدين، نقع على مكامن كثيرة، تتناثر في فصول الكتاب المتعاقبة. تراوح بين خوف اللبناني من الشقيقة الكبرى، في الحدّ الأدنى، وطمع السوري في الشقيق الأصغر، في الحدّ الأقصى. وبين هذين الحدّين، تتموضع: النظرة النمطية السورية إلى لبنان باعتباره خطيئةً تاريخية، وإلى بيروت باعتبارها بؤرةً للتآمر على الحكم البعثي. أوهام السلطة اللبنانية المنبثقة عن عقدة الانفصال ـ الاستقلال، عقدة التفوّق السياسي والاقتصادي، وعقدة الضعف العسكري. إقفال الحدود المزاجي من الجانب السوري. ازدهار شبكات التهريب على طرفي الحدود، وغيرها. على أنّ الخلل في العلاقات يبلغ الذروة في واقعتين اثنتين، تُشكّلان خطيئتين تاريخيتين، سورية ولبنانية.
خطيئتان تاريخيتان
أمّا الأولى، فيرتكبها حافظ الأسد في عام 1976، بإدخال جيشه إلى لبنان، بذريعة وقف الحرب الأهلية اللبنانية، مدعوماً بغطاءٍ عربي ودولي واسرائيلي كبير، وباحتلاله لبنان، طوال تسعة وعشرين عاماً، تغوّلت فيها أجهزته الأمنية على السلطة والشعب اللبنانيين، وارتكبت الاغتيالات، وفرضت الخوّات، وحوّلت لبنان إلى وسيلةٍ للتربّح والابتزاز المالي والسياسي، وحالت دون تطبيق اتفاق الطائف، وزجّت بكثيرين في المعتقلات، ناهيك باستخدام لبنان ورقةً في مفاوضاته مع الاسرائيلي، واستثماره في المقاومة من دون دعمها، ليتبيّن، مع الزمن، أنّ الهدف من دخوله إلى لبنان هو اكتساب شرعيةٍ عربية ودولية لنظامه وليس وقف الحرب الأهلية. أمّا الخطيئة الثانية، كما يرى مؤلّف الكتاب، فيرتكبها "حزب الله" اللبناني، بدخوله إلى سوريا عام 2012، وانخراطه في القتال إلى جانب النظام البعثي، الذي سقط عام 2024 بفرار رئيسه إلى روسيا، وإجهاض الربيع السوري في أوج تفتّحه. وغنيٌّ عن التعبير ما خلّفته الخطيئتان من نتائج مدمّرة على الشعبين، وما أحدثته من صدوعٍ في العلاقة بينهما، تحتاج إلى سنواتٍ للالتئام.
سبل المعالجة
في سبل المعالجة، يورد نور الدين في كتابه جملةً من المقترحات التي يمكن الانطلاق منها لتصحيح مكامن الخلل في العلاقات اللبنانية - السورية. ذلك أنّ لكلّ صدعٍ ما يلائمه. وتراوح هذه المقترحات بين إقامة جدار برلين بين البلدين، في الحدّ الأدنى، وهو ما لا يميل إليه الكاتب، ويتنافى مع صلات القربى وأواصر النسب بين الشعبين الشقيقين، وإقامة وحدةٍ، على الطريقة الأوروبية، في الحدّ الأقصى، وهو ما يتمنّى الكاتب تحقيقه، ذات يوم. وبين الحدّين اللذين يفتقران إلى الواقعية السياسية، في نظر البعض، تتموضع مقترحات واقعية قابلة للتطبيق، إذا ما صفت النيّات، ومنها: بناء علاقات جديدة بين دولتين وليس بين نظام (سوري) وأحزاب وطوائف (لبنانية)، كما كانت عليه الحال في المرحلة الأسدية. إيجاد قنواتٍ وأطر جديدة لتنظيم العلاقات، بشكلٍ عصري، يؤسّس لتكاملٍ اقتصادي بين البلدين، بعيداً من تجربة المجلس الأعلى الفاشلة وتعثّر التمثيل الديبلوماسي بينهما. تشكيل مؤسّساتٍ مدنية لتنظيم التعاون بين البلدين، بعيداً من العسكرة والأمن. استيحاء النموذج الاتحادي الأوروبي. وقبل ذلك كلّه، ضرورة تنقية الذاكرة المشتركة بوضع الخطيئتين التاريخيتين المذكورتين على طاولة البحث، ليس بهدف الإدانة، بل بهدف استخلاص الدروس والعبر وعدم تكرار ما حصل.
هذا الإرث التاريخي الثقيل الذي أثقل العلاقات بين البلدين المحكومين بالجغرافيا، طوال قرن ونيّف، ولا يزال ، يُحتّم التفكير في التخفّف منه، واجتراح بدايةٍ جديدة. من هنا، يقترح نور الدين، في الفصل الأوّل من كتابه، أن يكون "الانقلابان المتزامنان في بيروت ودمشق"، على حدّ عنونته الفصل، المتمثلان بوصول الرئيسين جوزف عون وأحمد الشرع إلى سدّة الحكم، في لحظةٍ تاريخية حرجة، نقطة الانطلاق للبحث في مكامن الخلل واقتراح سبل المعالجة، فهل يغتنم الرئيسان الفرصة قبل فوات الأوان؟
"لبنان وسوريا / تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة" كتاب "مفارق للمعالجات التاريخية للعلاقات بين البلدين الشقيقين". ينطلق من الماضي لكنّه مهجوس بالمستقبل. يتطلّع فيه صاحبه إلى بناء علاقاتٍ صحّية بينهما، تتخفّف من رواسب الماضي التاريخية الثقيلة، تدرس الحاضر بصدوعه وأعطابه، وتستشرف المستقبل بانتظارته الكثيرة الموعودة. ولهذا كلّه، يستحقّ القراءة بامتياز.
ديناميّات التوتّر
على أنّه، قبل الخوض في مكامن الخلل وسبل المعالجة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ نور الدين يعزو أسباب طغيان فترات التوتّر في تاريخ العلاقات اللبنانية- السورية على ما عداها، بالاستناد إلى بعض المؤرّخين وإلى قراءته الخاصّة، إلى دينامياتٍ خارجية وداخلية. أمّا الخارجية، فتتمثّل في الاستعمار الفرنسي وانحيازه في التعامل مع الشعبين، اللبناني على حساب السوري، إذ نال الأخير الحصّة الأكبر من القمع والبطش، وتمّ العبث بجغرافيّته، ما ترك آثاره النفسيّة المتمادية عليه. وأمّا الداخلية، فتتمظهر في اختلاف نظام الحكم بين الدولتين، ففي حين اختارت سوريا الخيار القومي والاشتراكي المتطرّف، اختار لبنان الانفتاح على العرب والعالم، واستقطبت مصارفه وجامعاته ومستشفياته النخب العربية، على اختلاف بلدانها، ومنها النخبة السورية، ومن الطبيعي أن يثير هذا الاستقطاب حفيظة الجار السوري.
مكامن الخلل
في الخلل الذي يعتور العلاقات بين البلدين، نقع على مكامن كثيرة، تتناثر في فصول الكتاب المتعاقبة. تراوح بين خوف اللبناني من الشقيقة الكبرى، في الحدّ الأدنى، وطمع السوري في الشقيق الأصغر، في الحدّ الأقصى. وبين هذين الحدّين، تتموضع: النظرة النمطية السورية إلى لبنان باعتباره خطيئةً تاريخية، وإلى بيروت باعتبارها بؤرةً للتآمر على الحكم البعثي. أوهام السلطة اللبنانية المنبثقة عن عقدة الانفصال ـ الاستقلال، عقدة التفوّق السياسي والاقتصادي، وعقدة الضعف العسكري. إقفال الحدود المزاجي من الجانب السوري. ازدهار شبكات التهريب على طرفي الحدود، وغيرها. على أنّ الخلل في العلاقات يبلغ الذروة في واقعتين اثنتين، تُشكّلان خطيئتين تاريخيتين، سورية ولبنانية.
خطيئتان تاريخيتان
أمّا الأولى، فيرتكبها حافظ الأسد في عام 1976، بإدخال جيشه إلى لبنان، بذريعة وقف الحرب الأهلية اللبنانية، مدعوماً بغطاءٍ عربي ودولي واسرائيلي كبير، وباحتلاله لبنان، طوال تسعة وعشرين عاماً، تغوّلت فيها أجهزته الأمنية على السلطة والشعب اللبنانيين، وارتكبت الاغتيالات، وفرضت الخوّات، وحوّلت لبنان إلى وسيلةٍ للتربّح والابتزاز المالي والسياسي، وحالت دون تطبيق اتفاق الطائف، وزجّت بكثيرين في المعتقلات، ناهيك باستخدام لبنان ورقةً في مفاوضاته مع الاسرائيلي، واستثماره في المقاومة من دون دعمها، ليتبيّن، مع الزمن، أنّ الهدف من دخوله إلى لبنان هو اكتساب شرعيةٍ عربية ودولية لنظامه وليس وقف الحرب الأهلية. أمّا الخطيئة الثانية، كما يرى مؤلّف الكتاب، فيرتكبها "حزب الله" اللبناني، بدخوله إلى سوريا عام 2012، وانخراطه في القتال إلى جانب النظام البعثي، الذي سقط عام 2024 بفرار رئيسه إلى روسيا، وإجهاض الربيع السوري في أوج تفتّحه. وغنيٌّ عن التعبير ما خلّفته الخطيئتان من نتائج مدمّرة على الشعبين، وما أحدثته من صدوعٍ في العلاقة بينهما، تحتاج إلى سنواتٍ للالتئام.
سبل المعالجة
في سبل المعالجة، يورد نور الدين في كتابه جملةً من المقترحات التي يمكن الانطلاق منها لتصحيح مكامن الخلل في العلاقات اللبنانية - السورية. ذلك أنّ لكلّ صدعٍ ما يلائمه. وتراوح هذه المقترحات بين إقامة جدار برلين بين البلدين، في الحدّ الأدنى، وهو ما لا يميل إليه الكاتب، ويتنافى مع صلات القربى وأواصر النسب بين الشعبين الشقيقين، وإقامة وحدةٍ، على الطريقة الأوروبية، في الحدّ الأقصى، وهو ما يتمنّى الكاتب تحقيقه، ذات يوم. وبين الحدّين اللذين يفتقران إلى الواقعية السياسية، في نظر البعض، تتموضع مقترحات واقعية قابلة للتطبيق، إذا ما صفت النيّات، ومنها: بناء علاقات جديدة بين دولتين وليس بين نظام (سوري) وأحزاب وطوائف (لبنانية)، كما كانت عليه الحال في المرحلة الأسدية. إيجاد قنواتٍ وأطر جديدة لتنظيم العلاقات، بشكلٍ عصري، يؤسّس لتكاملٍ اقتصادي بين البلدين، بعيداً من تجربة المجلس الأعلى الفاشلة وتعثّر التمثيل الديبلوماسي بينهما. تشكيل مؤسّساتٍ مدنية لتنظيم التعاون بين البلدين، بعيداً من العسكرة والأمن. استيحاء النموذج الاتحادي الأوروبي. وقبل ذلك كلّه، ضرورة تنقية الذاكرة المشتركة بوضع الخطيئتين التاريخيتين المذكورتين على طاولة البحث، ليس بهدف الإدانة، بل بهدف استخلاص الدروس والعبر وعدم تكرار ما حصل.
هذا الإرث التاريخي الثقيل الذي أثقل العلاقات بين البلدين المحكومين بالجغرافيا، طوال قرن ونيّف، ولا يزال ، يُحتّم التفكير في التخفّف منه، واجتراح بدايةٍ جديدة. من هنا، يقترح نور الدين، في الفصل الأوّل من كتابه، أن يكون "الانقلابان المتزامنان في بيروت ودمشق"، على حدّ عنونته الفصل، المتمثلان بوصول الرئيسين جوزف عون وأحمد الشرع إلى سدّة الحكم، في لحظةٍ تاريخية حرجة، نقطة الانطلاق للبحث في مكامن الخلل واقتراح سبل المعالجة، فهل يغتنم الرئيسان الفرصة قبل فوات الأوان؟
"لبنان وسوريا / تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة" كتاب "مفارق للمعالجات التاريخية للعلاقات بين البلدين الشقيقين". ينطلق من الماضي لكنّه مهجوس بالمستقبل. يتطلّع فيه صاحبه إلى بناء علاقاتٍ صحّية بينهما، تتخفّف من رواسب الماضي التاريخية الثقيلة، تدرس الحاضر بصدوعه وأعطابه، وتستشرف المستقبل بانتظارته الكثيرة الموعودة. ولهذا كلّه، يستحقّ القراءة بامتياز.
نبض