"تشذيب شجيرات الورد" في مهرجان برلين 76: كريم عينوز ينسف قدسيّة العائلة بلا خط رجعة

ثقافة 16-02-2026 | 00:39
"تشذيب شجيرات الورد" في مهرجان برلين 76: كريم عينوز ينسف قدسيّة العائلة بلا خط رجعة
"النهار" في تغطية خاصة للدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي.
"تشذيب شجيرات الورد" في مهرجان برلين 76: كريم عينوز ينسف قدسيّة العائلة بلا خط رجعة
"تشذيب شجيرات الورد" المرشَّح لـ"الدبّ الذهب".
Smaller Bigger

قبل سبع سنوات، كشف المخرج البرازيلي من أصل جزائري كريم عينوز عن فيلمه "حياة أوريديس غوسماو غير المرئية"، حكاية شقيقتين في خمسينيات البرازيل تفرّقهما سلطة أبٍ مستبدّ، فتسلك كلٌّ منهما مساراً متبايناً، قبل أن تكتشفا أن التمرّد والخضوع يفضيان إلى المصير عينه في مجتمع تحكمه بنية ذكورية صلبة وآليات إقصاء لا ترحم. كانت الروابط الأسرية هناك محور الرؤية، ضمن سينما تتغذّى من التمزّق.

غير أنّ المسافة شاسعة بين ذلك العمل وما قدّمه عينوز (60 عاماً) يوم السبت الماضي ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي (12 – 22 شباط/فبراير) بعنوان "تشذيب شجيرات الورد". من العرض الصحافي خرجنا بإحساس طاغٍ بالاختلاف، بعد سلسلة أفلام دارت في فلك المألوف والقوالب التقليدية. هنا نحن أمام عمل صدامي، فَجّ في مادته البصرية، مستفِزّ في مقارباته، لا يهادن ذائقةً تبحث عن متعة سهلة. فيلم يعلن نبرته منذ اللقطة الأولى، ويطالب متلقّيه بأن يعرفوا سلفاً أنهم على موعد مع تصاعد منهجيّ في العنف والتفكّك والتآكل الأسري، وصولاً إلى ما يشبه هبوطاً بطيئاً إلى الجحيم.

إذا كان "أوريديس غوسماو" قد عالج العائلة كضحية منظومة اجتماعية، فإنّ "تشذيب شجيرات الورد" يقاربها كأرض اشتباك مفتوحة، حيث الروابط الحميمة تتحول إلى أدوات ضغط وقهر. فيلم يشهر سؤالاً غاية في الأهمية: ماذا يتبقّى من العائلة حين تنقلب إلى فضاء خانق؟

بهذا الانتقال الحاد، يواصل عينوز تفكيك تيماته المأثورة، كالهوية والمنفى الداخلي وصراع الرغبة والواجب، لكن عبر لغة أكثر قسوةً وحدّة، كأنّه يستبدل الميلودراما بتشريحٍ لا يخشى الخدش. والنتيجة: عمل إشكالي قد ينفّر شريحة من الجمهور، لكنه يرسّخ حضور مخرجه كصوت سينمائي لا يركن إلى التكرار، ولا يتردد في المغامرة داخل التجربة الإنسانية.

الفيلم إعادة قراءة معاصرة لـ"القبضات في الجيوب" لماركو بيللوكيو، غير أن عينوز لا يكتفي بالاقتباس، بل يُخضع النصّ لإعادة تركيب، مطعِّماً إيّاه بما لم يكن ممكناً تصويره في إيطاليا الستينيات، وفي سياق اجتماعي كان يقدّس العائلة باعتبارها مؤسسة فوق النقد. هنا، تتحرّر الحكاية من قيود زمنها الأصلي، وتُدفَع إلى مناطق أكثر جرأةً حيث لا محظورات. مقاربة عينوز لمفهوم العائلة تغيّرت بوضوح منذ "حياة أوريديس…". فبعدما كانت ضحية منظومة اجتماعية أوسع، غدت بؤرة عطب. ومع ذلك، تبقى القسوة تجاه هذا الكيان الذي يُخضع الإنسان منذ ولادته، ويشكّل وعيه ويصوغ مصيره، حاضرة كما كانت، لكنها هنا مدفوعة إلى أقصاها، إلى حدّ يضع الفيلم في منطقة معلّقة بين برودة التشريح عند ميشائيل هانيكه، واستفزازية الجسد والسياسة لدى بروس لا بروس، وعبثية القسوة المُنظَّمة التي تميّز سينما يورغوس لانثيموس.