قراءة في جوائز مهرجان برلين: مغامرات "الدب" مع الحب الأول

ثقافة 25-02-2025 | 13:53
قراءة في جوائز مهرجان برلين: مغامرات "الدب" مع الحب الأول
قراءة في جوائز مهرجان برلين: مغامرات "الدب" مع الحب الأول
داغ يوهان هايغيرود بعد تسلّمه "الدب الذهب".
Smaller Bigger

اختتم مهرجان برلين السينمائي دورته الخامسة والسبعين (13 - 23 شباط) مساء السبت الماضي، بإعلان فوز الفيلم النروجي "أحلام" لداغ يوهان هايغيرود بجائزة "الدب الذهب". لم يكن هذا التتويج ضمن التوقّعات، لا سيما أن المنافسة بين 19 فيلماً لم تكن على مستوى فني متكافئ، مما جعل القرار مفاجئاً للكثيرين، خصوصاً لمن لم تتسنَّ لهم مشاهدة الفيلم قبل إعلان النتائج. لجنة التحكيم، التي ترأسها المخرج الأميركي الشهير تود هاينز، اختارت "أحلام" كأفضل فيلم، ليكون أول عمل نروجي يحصد هذه الجائزة المرموقة.

الفيلم عن يوهان، شابة تعيش تجربة حبّها الأول مع استاذها. هذا الحب الجارف يدفعها إلى تدوين مشاعرها في كتابات صريحة وحميمة، من دون أن تدرك التداعيات. وحين تقع هذه النصوص بين يدي والدتها وجدّتها، يصدمهما محتواها في البداية، قبل أن يكتشفا موهبة أدبية واعدة خلف الكلمات. ومن هنا تنشأ معضلة: هل يجب نشر هذه الكتابات أم تركها طي الكتمان؟ وبينما تدور النقاشات بين الأجيال الثلاثة، يختلط الخيال بالواقع، ويأخذنا الفيلم في رحلة تتناول نظرة كلّ من النساء الثلاث إلى الحبّ والجنس والهوية الشخصية.

فريق عمل ”يا آخر الأزرق“ لغبريال ماسكارو.

يأتي هذا الفيلم كجزء أخير من ثلاثية سينمائية أطلقها داغ يوهان هايغيرود، البالغ من العمر 60 عاماً، تستكشف العلاقات الإنسانية من زوايا مختلفة. الجزء الأول، "جنس"، عُرض في مهرجان برلين العام الماضي ضمن قسم "بانوراما"، تبعه الجزء الثاني "حب" الذي شارك في مسابقة مهرجان البندقية، ليكتمل المشروع بـ"أحلام"، الذي نجح في انتزاع الجائزة الكبرى في برلين. من اللافت أن العناوين الثلاثة (جنس، حب، أحلام) تبدو مترابطة، وكأنها ترسم خريطة للمشاعر الإنسانية، حيث تتقاطع المفاهيم الثلاثة وتتداخل بطرق معقّدة ومتشابكة.

ليس جديداً على هايغيرود النبش في الطبيعة البشرية وطرح أسئلة فلسفية. فقد سبق أن لفت الأنظار عام 2019 بفيلمه "طفل" الذي تناول تداعيات حادثة قتل غير متعمدة لطفل على يد طفلة، متسائلاً عن مفهوم الجريمة والمسؤولية الأخلاقية. أما في "أحلام"، فيغوص في تجربة الحب الأول وتأثيرها العميق على الذاكرة والمشاعر. بعد عرضه في النروج، خلال تشرين الأول الماضي، يُرتقب أن يبدأ جولة عروضه في ألمانيا اعتباراً من أيار المقبل، ليصبح متاحاً لجمهور أوسع سيقول كلمته فيه بعيداً من آراء النقّاد. ومع هذا الفوز، يرسّخ داغ يوهان هايغيرود مكانته كواحد من أبرز الأصوات السينمائية النروجية في السنوات الأخيرة.

إيفان فوند، مخرج "الرسالة".

ومع اقتراب إسدال الستارة على مهرجان برلين الذي لم يقدّم دورة استثنائية، أقله على مستوى المسابقة، كانت بدأت التوقّعات تأخذ مجراها المعتاد، حيث تصدّرت بعض الأفلام قائمة الترشيحات للفوز بـ"الدب الذهب". لكن مع حلول ليلة إعلان الجوائز، جاء القرار ليطيح كلّ هذه الترجيحات، إذ لم يكن أحد يتوقّع أن يكون هذا الفيلم هو صاحب الحظ السعيد. والمفاجأة لم تكن فقط في الفوز، بل في كون مسابقة هذا العام افتقرت إلى أعمال بارزة. الأميركية تريشا توتل التي تتسلّم الإدارة للمرة الأولى، سجّلت دخولاً ضعيفاً. 

في المقابل، لم يخرج الفيلم البرازيلي "يا آخر الأزرق" خالي الوفاض، إذ نال جائزة لجنة التحكيم الكبرى، وهو تكريم مستحق بعد أن حظي بثناء عدد من النقّاد طوال المهرجان. العمل الذي أخرجه غبريال ماسكارو، يقّدم رؤية نقدية للرأسمالية في البرازيل، عبر قصّة تراهن على العاطفة، وتتبع حياة تيريزا، امرأة سبعينية عاشت حياتها كلها في بلدة صناعية صغيرة داخل غابات الأمازون. تبدأ رحلتها حين تتلقّى أمراً رسمياً من الحكومة بنقلها إلى مجمّع سكني مخصص لكبار السن، وهو مكان يُروّج له على أنه فرصة لـ"الاستمتاع"بسنوات الشيخوخة في بيئة مريحة، لكنه في الحقيقة مجرد وسيلة لعزل المسنّين وإفساح المجال للأجيال الشابة للتركيز على الإنتاج والعمل. ترفض تيريزا هذا المصير الذي فُرض عليها، وتقرر التمرد على النظام بالسفر عبر أنهار الأمازون، في محاولة لتحقيق حلم أخير قبل أن تفقد حريتها. قرارها هذا لا يغيّر حياتها فحسب، بل يصبح نقطة تحول تحمل دلالات رمزية أعمق حول المقاومة والاستقلالية. 

رادو جود، جائزة السيناريو.