حتى لا ينطفئ صباح حصارات... أنقذوا مدرستها
ريمي الحويك
تُطبق العتمة مجازاً وواقعاً على قرية حصارات وجوارها، حيث يلفّ المكان ثقل قلقٍ وجودي ورفض شعبي عارم، إثر قرار جائر يقضي بإغلاق ثانوية حصارات الرسمية. قرار يتدثّر بمبرّرات واهية، ويختزل الوجود الإنساني في لغة الأرقام الصمّاء وتوازن الميزانيات الضيّقة.
لم يقع هذا القرار على وجدان الأهالي كإجراء بيروقراطي روتيني لضغط النفقات، بل نزل كصاعقة تهدّد بقطع حبل السرة الذي يربطهم بأرضهم وتشكّل طعنة صريحة لروح الانتماء وذاكرة جيل كاملٍ ولد وترعرع على مقاعد تلك المدرسة. إن تذرّع الدولة بضآلة الأعداد لإقفال المدارس الرسمية في الأطراف هو تنصّل فاضح من واجباتها الدستوريّة والوطنيّة والإنسانيّة، وتكريس لمسار الإنماء العشوائي المريض الذي يهمّش القرى ويحصر فرص الحياة والتطور في الساحل والعواصم.
ليست الثانوية في قريتنا مجرّد حجارة رصّت فوق بعضها، إنّها بنية وجوديّة، والمكان الذي تدرّبنا فيه على الخروج من ضيق الجغرافيا إلى اتّساع العالم، والمسرح الذي تعلّم فيه أبناء الفلاحين أن المعرفة ليست إرثاً طبقيّاً ولا احتكاراً لأبناء العواصم.
إن الجدران التي حفظت ضحكاتنا، والدرج الذي شهد صور تخرّجنا، والساحات التي شَهِدت أولى خطوات وعينا، كلّها ليست جماداً، بل مستودعات لأرواح أجيالٍ عبرت. إغلاق المدرسة هو اقتطاع من الذاكرة الإجتماعية، وشطب لوظيفة إنسانية وتاريخية. إنه إعلان إفلاس تنموي، وتعميق لحزن الأمكنة، وتحويل الصرح الحيّ إلى شاهد قبرٍ على حلمٍ كان ينمو. فالمدرسة هي المصعد الإجتماعي الوحيد الذي يكسر الهامشية. إغلاقها يعني القول الضمني لأبناء الريف ان أفق أحلامهم يتوقف عند حدود جبالهم، وأن حقهم في المعرفة مشروط بجداول حسابية ضيّقة.
حين تقيس الدولة الوجود الإنساني بمسطرة المحاسب، فهي تسقط في وهمٍ فلسفي قاتل، تظنّ أن الرقم هو من يصنع المعنى، بينما المعنى هو من منح الرقم وجوده أصلاً. فالطالب الواحد في أقاصي الجبل ليس عبئاً على الميزانية، بل هو النقطة الوحيدة التي تمنع الخريطة من أن تتحوّل إلى مساحة بيضاء خاوية.
إن الدفاع عن الثانوية ليس دفاعاً عن مبنى فارغ، ولا دعوة لهدر المال العام، بل هو مطالبة بعقلانية إنسانية. فالإدارة الرشيدة لا تسأل فقط كم طالباً لدينا اليوم؟ بل تسأل كم طالباً سيبقى في هذه الأرض غداً إذا أطفأنا قنديلها التربوي؟
بين الإبقاء العبثي والإغلاق القاطع، توجد مساحات واسعة للحلول، من الدمج الذكي، إلى استحداث الاختصاصات، إلى تحويلها نواة مركز تربوي يخدم القرى المجاورة.
إن القرى لا تموت دفعة واحدة، تبدأ الحكاية بإغلاق مدرسة، ثم هجرة عائلة، ثم شخوص البيوت صيفاً وغيابها شتاءً. المدرسة في الهامش ليست متجراً يُقفل لقلّة الزبائن، المدرسة هي أنطولوجيا البقاء، هي الحجّة الوحيدة التي تملكها القرية لتقنع الزمان بأنه لا يزال لديه سبب للحديث معها.
كان التعليم في جوهر رسالته تحريراً للإنسان من العمى، لا مجرّد نقلٍ للمعلومات. والطفل الذي يدخل صباحاً حاملاً حقيبته لا يحمل كتبه فقط، بل يحمل احتمال أن يبقى، واحتمال أن يعود، وما دام جرس المدرسة يرنّ في الصباح إلى جانب جرس الكنيسة، فثمّة شيء في هذه القرية لا يزال يقول للسماء وللزمان معاً: نحن هنا، لن نرحل.
في المسيحية، لم يكن المسيح معلّماً لأنه نقل المعرفة، بل لأنه أيقظ في الإنسان نور البصيرة وحرّره من العمى والخوف. كان يفتح أمام المهمّشين أبواباً لم تكن تُرى، ويعيد للإنسان قدرته على السؤال، والفهم، والرجاء. ومن هنا كان التعليم، في جوهره، فعلَ محبةٍ وتحرير. ولذلك لم تكن المدارس التي نشأت في كنف الكنيسة والأديرة مجرّد أماكن للعلم، بل كانت استمراراً لذلك الإيمان بأن الإنسان يستحق أن يضاء عقله كما تضاء روحه. فالقديسون والمعلّمون والرهبان الذين حفظوا الكتب وعلّموا الأجيال لم يحفظوا المعرفة فقط، بل حفظوا للإنسان حقّه في أن يتجاوز حدود المكان الذي ولد فيه.
ومن هنا، فإن إغلاق مدرسة في قرية مسيحية لا يعني إطفاء صفوف ومقاعد فحسب، إنه إطفاء لنورٍ يتقاطع مع جوهر الرسالة المسيحية نفسها، أن نفتح للإنسان طريقاً إلى الحقيقة، وإلى الحرية، وإلى الرجاء.
في الوقت الذي تسخّر فيه دول العالم إمكاناتها لبناء العقول وتجذير المواطن في أرضه، يمعن النظام الفاشل في سياسة التقليص والإستقالة من المسؤولية. يا للعار من إدارة استسهلت التضحية بالمدارس الرسمية مع أول هزة اقتصادية، فبدلاً من أن ترمّم السقف، بدأت بهدم الأعمدة بلا أي رادع أخلاقي.
ألم تولد قرانا وجبالنا أبهى الشخصيات وأعظم القمم؟ ألم يخرج هذا التراب السيدة فيروز، ومي زيادة، وإيتيل عدنان، ولور مغيزل؟ ألم ينجب زكي ناصيف، ووديع الصافي، وميخائيل نعيمة، وأنسي الحاج، وجبران خليل جبران، وسعيد عقل، وأمين معلوف، ومارون عبود؟ ألم تخرج قرانا الدكتور مايكل دبغي، والدكتور حسن كامل الصباح، والبروفسور شارل العشي؟ ألم يعطِ هذا التراب ريمون إدّه، وشارل مالك؟
كل هؤلاء المبدعين والأعلام الذين غيّرت أسماؤهم وجه الشرق والعالم لم يهبطوا من السماء، بل بدأت خطوتهم الأولى من مقعد خشبيّ بسيط في صفوف صغيرة، وعلى صدى جرس مدرسة في قرية تشبه حصارات.
كذلك حصارات... فمن جدران مدارسها بالذات، انبثق نور المهندس، والطبيب، والكاتب، والشاعر، والمربّي الفاضل، والقاضي، والحقوقي، والمبدع، والإداري، وقاماتٍ طالما افتخرنا بها وببصماتها في كل ميادين الحياة.
فيا دولة تبحث عن توفير الفلس في المكان الخاطئ، إن المدرسة ليست خدمةً تقدّم للقرية حين تكون مربحة، بل حقّ يصان لأنها جزء من الوطن. من يطفئ مدرسةً في الأطراف، لا يختصر الإنفاق، بل يختصر الوطن.
يا دولة، لا تفتّشي عن توفير الفلس في أدراج صفوفنا، ولا تبحثي عن عجز الميزانية في حقائب أطفالٍ يمشون إلى مدرستهم مع طُلوع الضوء. إذا أردتِ حقاً أن توقفي الإهدار، فافتحي دفاتر عينيك على المساحات الحقيقية التي ينزف منها الوطن، أوكار المحاصصة الكبرى والمجالس الصورية والتهرّب الضريبي والجمركي، والفساد الضارب أطنابه في كل مرافقك حتى أفرغ خزائنك، ثم جئتِ تستقوين على مدرسة قروية. اتركي ثانوية حصارات وشأنها، فالتعليم ليس بنداً يشطب لتعادل الكفّتين، بل هو المحمية الأخيرة لما تبقّى من كرامة هذا الوطن.
يا دولةً، ارحمي القرى التي لم تطلب منك الكثير، فقط أن تتركي لها سبباً كي تبقى.
يا دولةً، لا تطفئي آخر قناديل الأطراف، ثم تسألي لماذا أظلم لبنان.
يا دولةً، إرحمي هذا الوطن، فقد أخذت منه الهجرة ما يكفي، فلا تجعلي المدرسة آخر ما يأخذه الرحيل.
يا دولةً، إن لم تستطيعي أن تبني للقرى مستقبلاً، فلا تكوني أنت من يغلق أبواب المستقبل في وجه أبنائها.
يا دولةً، لا تبتري أطراف لبنان ثم تسألي لماذا لم يعد الوطن يمشي؟
يا دولةً، إرحمي هذا الوطن، بالله عليك، فما عاد يتحمل اقتطاعاً جديداً من قلبه.
نبض