العفو العام في لبنان... بين صرامة العقوبة وإنسانية الرحمة

منبر 14-08-2026 | 09:59

العفو العام في لبنان... بين صرامة العقوبة وإنسانية الرحمة

بعد سنوات من التجاذب السياسي والقانوني، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام وخفض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية. خطوة يراها مؤيدوها مدخلاً لمعالجة أزمة السجون والموقوفين من دون محاكمة، فيما يخشى معارضوها أن تأتي على حساب الضحايا وهيبة القضاء.
العفو العام في لبنان... بين صرامة العقوبة وإنسانية الرحمة
اعتراض انصار الاسير على قانون العفو العام
Smaller Bigger

الاستاذة فاتن بو حمدان ملاّك

 

 

بعد سنوات من التجاذب السياسي والقانوني، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام وخفض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية. خطوة يراها مؤيدوها مدخلاً لمعالجة أزمة السجون والموقوفين من دون محاكمة، فيما يخشى معارضوها أن تأتي على حساب الضحايا وهيبة القضاء.
لا يمكن مقاربة القانون بالقبول المطلق أو الرفض المطلق؛ ففيه ما يستجيب حاجة إنسانية وعدلية ملحّة، وفيه أيضاً ما يثير أسئلة حول المساواة والمحاسبة والأمن الاجتماعي. فالسجون اللبنانية تعاني اكتظاظاً قاسياً، وعدد من الموقوفين أمضوا سنوات خلف القضبان من دون صدور أحكام بحقهم. وقد تحوّل التوقيف الاحتياطي، المفترض أن يبقى تدبيراً استثنائياً، في حالات كثيرة إلى عقوبة تسبق المحاكمة، بما يمسّ قرينة البراءة والحق في المحاكمة ضمن مهلة معقولة.
يشمل العفو الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026، ويؤدي إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات والتدابير المشمولة به. وفي المقابل، استثنى المشرّع جرائم خطرة، أبرزها القتل والإرهاب والخيانة والتجسس والفساد والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن الجرائم المصرفية المرتبطة بأموال المودعين، والاغتصاب والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القاصرين والتعذيب والإخفاء القسري وبعض جرائم المخدرات والسرقة.
تشكل هذه الاستثناءات إحدى حسنات القانون، لأنها تحاول الموازنة بين الغاية الإنسانية للعفو وعدم التساهل مع الجرائم التي تمس حياة الإنسان وكرامته وأمن المجتمع والمال العام. كما يعالج القانون أوضاع موقوفين تجاوزت مدة توقيفهم السقف المحدد، فيتيح تخلية سبيلهم مع استمرار محاكمتهم وفق الأصول. وهذا لا يعني إعلان البراءة، بل يسمح باستكمال المحاكمة من خارج السجن بعد بلوغ التوقيف حداً استثنائياً.
ويُحسب للقانون أنه لم يُسقط الحقوق الشخصية للمتضررين، إذ يبقى للضحية حق المطالبة بالتعويض. كذلك يعفي المحكومين الذين أنهوا مدة عقوبتهم، لكنهم لا يزالون موقوفين بسبب عجزهم عن تسديد الغرامات والرسوم، وهي معالجة تعزز المساواة وتمنع تحوّل العجز المادي إلى سبب إضافي لسلب الحرية.
مع ذلك، يستدعي التطبيق حذراً ودراسة دقيقة لكل ملف، منعاً لاستفادة حالات لا تنسجم مع غاية القانون، مع ضرورة توحيد المعايير القضائية في تفسير الاستثناءات. ويبرز تساؤل مهم لأن القانون يخفض أيضاً عقوبات بعض الجرائم المستثناة من العفو: فهل يكفي استثناء الجريمة من العفو، أم ينبغي استثناؤها كذلك من الخفض الاستثنائي للعقوبة؟
إن القانون العادل لا يفتح أبواب السجون فحسب، بل يضمن ألّا يدخلها بريء، وألّا يبقى فيها موقوف بلا محاكمة، وألّا يخرج منها من يشكل خطراً جدياً من دون رقابة وتأهيل. لذلك، يشكل العفو خطوة إنسانية، لكن نجاحه يبقى مرتبطاً بإصلاح القضاء، وضبط التوقيف الاحتياطي، وتطوير العقوبات البديلة، وتأهيل السجون، وحماية حقوق الضحايا؛ وإلا بقي معالجة موقتة لأزمةٍ متجددة.

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
لبنان 8/13/2026 10:26:00 AM
"أعتذرُ يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذاتِ الأكباد"