مريم المُدُن... وبيروت القيامة

منبر 14-08-2026 | 09:25

مريم المُدُن... وبيروت القيامة

يتّكئ شهر آب على قمم الجبال الشرقية مكلّلاً بنكهة العنب والتين، حاملاً معه في الخامس عشر منه عيد انتقال السيدة العذراء، هذا العيد الذي يتمدّد وجدانياً وروحيّاً في ذاكرة الشّرق، ليلامس أيلول الحصاد والبدايات الجديدة.
مريم المُدُن... وبيروت القيامة
سيدة حاريصا (الاب بول قرقماز)
Smaller Bigger

ريمي الحويّك 


 

يتّكئ شهر آب على قمم الجبال الشرقية مكلّلاً بنكهة العنب والتين، حاملاً معه في الخامس عشر منه عيد انتقال السيدة العذراء، هذا العيد الذي يتمدّد وجدانياً وروحيّاً في ذاكرة الشّرق، ليلامس أيلول الحصاد والبدايات الجديدة. في هذا العيد، لا نستحضر مجرّد حدث كنسي عابر، بل نقف أمام أيقونة إنسانية كبرى تختصر تاريخ الألم والرجاء معاً. فمريم العذراء مرآةٌ لروح الإنسان حين يتسامى على جراحه، وهي "مريم المُدُن" التي تتقاطع في رمزيّتها مع نبض عواصم الوجع، وعلى رأسها بيروت.

فإذا كان التاريخ البشري قد افتُتِح بانكسار التردد والكبرياء، فإن "نعم" مريم للبشارة كانت حدثاً تأسيسيّاً حرّاً ومسؤولاً. لم تكن طاعتها خضوعاً أعمى، بل كانت فعلاً إراديّاً لامرأة فكّرت، وتأمّلت، وحفظت الكلام في قلبها.

هي الإنسان الحرّ الذي أنار وعيه بذاته، وفتح نوافذ روحه لمطلق المحبة.

تتجاوز العذراء حدود الطوائف لتكون الأمومة الكونيّة المطلقة. إنها المرأة التي وقفت تحت الصليب صامتةً وثابتة، ورافقت آلام البشرية جمعاء في ترحالها الطويل.

وتكمن رمزيتها في قدرتها على تحويل الألم إلى خلاص. ففي انتقالها، أعلنت الكنيسة أن المادة ليست شراً، وأن الجسد البشري قابل للتقديس والمجد. وبصفتها شفيعة المظلومين والمهجرين والنائحين، تظلّ مريم الصوت الهادئ الذي يهمس في أذن كل مظلوم: "لا تخف، أنا هنا". إنها المقاومة بالمحبة، والثبات في زمن التصدّع.

وحين نتأمّل بيروت اليوم، في مخاضاتها المستمرّة، يبرز جليّاً وجه الشّبه العميق بينها وبين رمزيّة "مريم المُدُن". فمثلما كانت مريم واحةً للسكينة وسط عالم صاخب ومضطرب، ظلّت بيروت عبر التاريخ واحةً للحرية، وملتقىً للأرواح التواقة إلى الجمال، وملاذاً لكل من هرب من جحيم الإستبداد.

ولكن، كم تشبه بيروت مريم في درب جلجلتها!؟
لقد تجرّعت بيروت كؤوس المرارة، وحوصرت، ودُمّرت، ووقفت مراراً تحت ركام آلام أبنائها. غير أن سرّها، كسرّ "مريم المُدُن"، يكمن في استحالة موتها.

فمثلما عُرفت مريم بأنها عبرت إلى المجد بعد صليب الوجع، كذلك بيروت لا تموت، لأنها فكرة، وفكرة الحرية والجمال لا تُقهر. تنفض الركام عن كتفيها كل مرة، وتنهض من الرماد لتعيد صياغة الحياة من جديد.

كما في حريصا، كذلك في قريتي، نحتفل اليوم بالسيدة العذراء مريم، شفيعة كنيستنا وحارسة إيماننا. فمنذ أجيال، يلتقي أبناء البلدة عند هيكلها، يحملون إليها أفراحهم وأوجاعهم، ويجدّدون العهد مع الأم التي كانت، ولا تزال، ملاذاً للقلوب ورجاءً للمتعبين. وبين أجراس الكنيسة وهمسات الصلاة، نشعر بأن حضورها يبارك بيوتنا وحقولنا، ويجمع أبناء القرية تحت عباءتها، كما تجمع الأم أبناءها حول قلبها.

في زمن أثقلته الأزمات، تبقى مريم أكثر من أيقونة تُكرَّم أو عيد يُحتفل به، إنها حضن الوطن حين يضيق، وصوت الرجاء حين يخفت، والنور الذي لا تنطفئ شعلته مهما اشتدّ الليل. ومن حريصا إلى أقصى قرية في هذا الشرق، تمتد عباءتها فوق المؤمنين، تجمع المكسورين، وتشدّ أزر المتعبين، وتهمس لكل قلب بأنّه، ما دام يرفع عينيه إلى السماء، فلن يكون اليأس كلمته الأخيرة.

لهذا، حين نحتفل بانتقالها، لا نودّعها، بل نستعيد حضور الأم التي لم تغادر أبناءها يوماً، وما زالت تحمل لبنان في صلاتها، وتزرع في أرضه، رغم كل الجراح، بذور قيامة لا بد أن تأتي.

لتكن ذكرى أمّنا مريم العذراء، وبيروت القيامة، مساحةً نسترد فيها عافية الروح. فبين وجع المدن وعظمة الأمهات، يبقى الأمل خيطاً من نور لا ينقطع، وتبقى بيروت، تماماً كالسيدة، حاملةً لأنوار البشارة في قلب أظلم العصور.

وعلى هامش هذا العيد المقدّس، لا يسعني إلا أن أتوقف بخشوع أمام ذكرى جدّتي مريم، التي لم تحمل اسم العذراء فحسب، بل حملت أيضاً شيئاً من رسالتها. رحمكِ الله يا جدّتي مريم. وإن كانت الأسماء تُمنح عند الولادة، فإنكِ منحتِ اسمكِ معناه طوال حياتك. أسأل السيدة العذراء أن تضمّك إلى ظلّها، وأن يكون انتقالك إلى المجد لقاءً أبدياً بمن أحببتِ وسرتِ على مثالها. ستبقين، ما بقي في القلب نبض، صلاةً لا تنتهي، وحنيناً لا يشيخ، وبركةً تسبقنا إلى السماء وترافقنا على دروب الأرض.

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
لبنان 8/13/2026 10:26:00 AM
"أعتذرُ يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذاتِ الأكباد"